العنوان كلمة عتاب وتوضيح بشأن «التنازلات الخطيرة» في السودان
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998
مشاهدات 61
نشر في العدد 1306
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 30-يونيو-1998
للأخ العزيز كاتب افتتاحية المجتمع بعددها رقم ۱۳۰۲ مكانة خاصة في قلوب كل الذين ينضوون تحت راية العمل الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها ولذلك عندما يكتب ناقدًا بعض أوجه العمل الإسلامي هنا أو هناك، فالكل يتقبل ويتفهم ذلك على أنه من منطلق الحب والحدب على العمل الإسلامي قبل كل شيء.
بعد هذه المقدمة لم استطع أن أخفى ألمي وألم كثير من الإخوة في السودان عندما طالعهم عنوان الافتتاحية: «قادة السودان.. والتنازلات الخطيرة».
وعندما سألت المرافقين لوزير الخارجية السوداني في رحلته الأخيرة للكويت أجابوا بأن نفس التساؤلات طرحت وأجاب عنها الوزير في حينها، وتساءلنا: لماذا أفردت الافتتاحية ثلث المساحة لتبيان منجزات ثورة الإنقاذ وأسهبت في الثلثين الآخرين في الهجوم والنقد؟
وإثارة تلك «المخاوف» ليس غريبًا، فهؤلاء النفر هنا وفي الكويت يهتمون أيما اهتمام بالتجربة السودانية ويحنون عليها أيما حنو وكما قلت إننا هنا نفهم كل ذلك ونثمنه ونعتز به.
ولا أذيع سرًا أن هناك نفرًا من الإخوة الإسلاميين في السودان لا يرى في ثورة الإنقاذ خيرًا البتة مهما فعلت، وهؤلاء أيضًا أثاروا تلك الاتهامات، وقد رد عليهم في وقتها.
نعود للتنازلات الخطيرة.. وهي بإيجاز:
- عدم الإعلان صراحة في الدستور على أن «السودان جمهورية إسلامية»
- عدم النص على أن الإسلام هو «دين الدولة الرسمي».
- عدم اشتراط أن يكون رأس الدولة مسلمًا.
- عدم اشتراط أن الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع.
- الجنوبيون أعطوا حق تقرير المصير.
للإخوة في الكويت وفي بقية أنحاء العالم الإسلامي وغير الإسلامي وهم يتابعون بفخر وإشفاق التجربة السودانية، ونحن في السودان كما قلت آنفًا نثمن ذلك ونفخر به ولا غرو، فهؤلاء الإخوة جميعًا في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد.
هل من أفة الحركات الإسلامية المعاصرة أنهم في كثير من المواقف يهتمون بالمظاهر واللافتات دون الواقع واللباب؟ بعض دول الخليج لا تسمي نفسها «الإسلامية»، فهل هناك شك في أنها إسلامية؟ حاشا! وأزيد أن هناك دولة عربية تسمى نفسها الجمهورية.... الإسلامية، ويعرف الأخ كاتب الافتتاحية مدى بعد النظام الذي يحكم تلك الدولية عن الإسلام والدين عمومًا وهذا ينطبق أيضًا على «التنازل الخطير» الثاني.
«التنازل الخطير» الثالث، وهو عدم اشتراط أن يكون رأس الدولة مسلمًا، هو أمر بديهي، فعندما تكون غالبية السودانيين مسلمين فما أهمية هذا الشرط، فإذا لا قدر الله وانتخبت تلك الأغلبية المسلمة رئيسًا مسيحيًا مثلًا فستكون المشكلة في الأغلبية المسلمة وليس في عبارات الدستور، ولكن حقيقة الأمر وواقعه أن الشعب سينتخب مسلمًا دائمًا وبإذن الله.
وهذا ليس «تنازلًا خطيرًا»، بل هو أمانة ومصداقية أمام الدستور الذي ينص على أن كل الناس سواسية لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، بغض النظر عن دينهم، فعندما تصر على إسلامية رئيس الدولة تكون بذلك غير صادق مع السودانيين غير المسلمين بأنك تجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية، وهذا موقف مبدئي وليس من باب الاستسلام للضغوط الخارجية، كما يشتم من الافتتاحية.
«التنازل الخطير» الرابع هو عدم الاشتراط أن تكون الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع بدلًا من «أحد المصادر» والمتتبع لمسيرة الشريعة وتطبيقها في السودان منذ عهد نميري للآن يجد أنها مطبقة تمامًا في شمال القطر، لأن الغالبية مسلمة، ونأمل أنه عندما تمتد ظلال الإسلام الوارفة الجنوب القطر أن تمتد معه يد الشريعة السمحة شيئًا فشيئًا بإذن الله، ولكن أحسب أنه ينبغي على الإخوة الجادين الغيورين أن ينظروا حولهم وإلى المعارك التي دارت هنا وهناك عند محاولة تغيير مادة أو أكثر من مواد الدستور.
الكلمات أمثال «التنازلات الخطيرة» تتعدى الحدب والحب وتفتح بابًا للإيحاءات نربأ بهؤلاء الإخوة الأفاضل أن ينسبوها لإخوانهم الذين أحيوا فريضة الجهاد والشهادة، وبرح الكثيرون في العالم الإسلامي يكتبون عنها مجلدات تلو المجلدات، نحن نحسب أنه كان الأجدر بهم أن يحسنوا الظن شيئًا قليلًا.
لقد كانت الحركة الإسلامية السودانية -وما زالت- تعمل في أرض الواقع المعاش، وليس بين دفات الكتب، حيث إن الأمر أسهل بكثير، وحيث إن الكتابة لا تكلف شيئًا، بيد أن الأمر في السودان امر واقع معاش.
وقد كنت أحسب أن الفقرة في الدستور التي أوردها الأخ كاتب الافتتاحية والتي تقول: «السودان وطن جامع تأتلف فيه الأعراق والثقافات وتسامح الديانات، والإسلام دين غالب السكان» كافية جدًا، وموضحة لواقع السودان كما هو وليس الجهوية خيالية.
واقع السودان أن المسلمين يكونون 75-80% من السكان، أما غالبية البقية فوثنيون أو مسيحيون، وجميع هؤلاء مواطنون سودانيون لهم وعليهم ما للمسلمين وما عليهم، وهذه هي حقيقة التركيبة السودانية رضينا أم أبينا، وأخطر شيء أن تحاول أي حكومة أن تتجاهل هذه الحقيقة التي أورثنا إياها الاستعمار البريطاني، والذي راته حكومة الإنقاذ منذ توليها السلطة العمل على عرض الإسلام والعربية بين هؤلاء النفر غير المسلمين لهدايتهم والعمل على ضمهم لحظيرة الإسلام والعروبة، ليس قسرًا وقهرًا ولكن بطريقة تلقائية تدريجية، وهو ما يجري الآن وبدون إعلان ولكن هذا العمل مكلف جدًا جدًا، إذ تتصارع فيه الحكومة مع مجلس الكنائس العالمي والقوى الغربية كلها، وهنا يكمن دور الإخوة في البلاد التي أنعم الله عليها، فنحن هنا نرى أن هناك مجالهم في الجهاد بالمال وليس بالنفس.
أما أن الدستور لم يعلن صراحة أن السودان جمهورية إسلامية، فهو أمر قد أثير إبان انعقاد الدورة الثانية للمؤتمر الوطني، وكان الرد عليه بسيطًا: هل هناك شك في إسلامية دولة السودان؟ إذن لماذا تحاربنا أمريكا والغرب؟
وبالنسبة للتنازل الخطير الخامس فقناعتي وقناعة المسؤولين جميعًا أن الإخوة في الجنوب لو أعطوا الفرصة الآن وليس بعد أربع سنوات لتقرير مصيرهم الانفصال أو الوحدة لقرروا الوحدة ولرفضوا الانفصال جملة وتفصيلًا.
بقيت كلمة عتاب أخيرة.. إن تفسير ما قامت وتقوم به حكومة الإنقاذ على أنه نابع من جربها وراء رضاء الغرب وليس لرضاء الله فيه ظلم وتجريح اليم كنا نربأ بالأخ كاتب الافتتاحية أن يصف به إخوته في السودان، وهو يعرفهم فردًا فردًا، ونرجو ألا يكون مصدر سوء الفهم مبنيًا على أقوال بعض الجماعات التي ترى فيما تفعله حكومة الإنقاذ شرًا كله.
وأخيرًا.. نحن لا نشك لحظة في إخلاص وحب الإخوة لما يجري في السودان، ونأمل منهم مستقبلًا التثبت والحضور إلى بلدهم الثاني ومقابلة الإخوة المسؤولين قبل إطلاق العبارات النارية مثل «التنازلات الخطيرة» فإخوانهم هنا في السودان لا يقلون عنهم إخلاصًا وفقها للإسلام، ولا إعمالًا للعقل في مجابهة واقع لا يعرف خفاياه إلا هم، و «أهل مكة أدرى بشعابها».
المجتمع: بالرغم مما ذكره الأخ الفاضل محمد حسن طنون يظل الاتجاه الذي سلكته ثورة الإنقاذ غير مبرر من نظام إسلامي أعلن أن هدفه تطبيق الشريعة والحفاظ على وحدة السودان ونأمل أن تستمر مصداقية الحكومة السودانية بالتزامها بهذين الأمرين حتى يتحقق لها النصر من عند الله وتستمر الشعوب الإسلامية في تعاونها وتعاطفها مع السودان الشقيق.