العنوان الحركة الإسلامية السودانية ودورها في البناء السياسي والاجتماعي الحديث
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1987
مشاهدات 59
نشر في العدد 833
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 08-سبتمبر-1987
إن المتتبع للتركيبة السياسية والاجتماعية السودانية منذ الاستقلال وبعده يلحظ مدى التغيير الذي حدث في قطاعات الشعب التقليدية والحديثة من حيث التصورات الفكرية والبنية الاجتماعية -ولم تكن هذه الظاهرة بالأمر الذي يستوجب البحث والتنقيب- إذ كشفت عن نفسها في أعقاب الانتفاضة الشعبية في أبريل عام 1985 عندما اتيحت الفرصة لكافة القوى الفكرية للتعبير عن برامجها ومن ثم إبداء حجمها الحقيقي ومكانتها التي تحتلها تأثيرًا وتأثرًا في حركة النمو الاجتماعي.. الأمر الذي جعل جميع المشتغلين بتاريخ المجتمعات الحديثة يستيقنون بأن الكبت السلطوي الذي مارسته أجهزة الرئيس السابق جعفر نميري لم يلعب أي دور يذكر في حرف مسار المجتمع السوداني وتحجيم عطائه أو طمس معالم بنائه.. وكان البناء يسير بصورة حثيثة رغمًا عن التجهيزات التي أعدها النظام السابق والترتيبات التي قصد بها إطالة عمره.. وما من جانب من جوانب حياة المواطن السوداني إلا وطالته يد جعفر نميري مسخًا وتشويهًا وتبديلًا.. بدءًا بنظام التعليم وانتهاء بمنهج الإعلام.. ولكن لم يستطع نظام جعفر نميري إحداث أي نذر يسير من الأثر وذلك استنادًا لما رأينا من واقع اجتماعي وسياسي أماطت عنه الانتفاضة الشعبية اللثام.
وبالوقوف على الحقائق التي يشهد بها رجال الاجتماع والسياسة - تبدو على الصعيدين الاجتماعي والسياسي متغيرات عديدة تختلف شكلًا ومغزى عما كان عليه الوضع قبل انقلاب مايو 1969 حيث ظهرت قوة جديدة كان لها أثر واضح ودور فاعل في صياغة جيل جديد قبل معايير الحياة التقليدية ونافس رموزها في كل مجالات القيادة والريادة جاعلًا من قواعد الوعي ومعاقل العلم منطلقًا له يتحرك منه.. فجفت تلك المواقع من الأثر التقليدي ولم تجد القوى التقليدية من مدافع عنها فلجأت إلى الريف والإقصاء حيث يوجد ولائها القديم. غير أن الجيل الجديد الذي عكفت على تربيته الحركة الإسلامية مزودة إياه علمًا ومراسًا ومرانًا - كان مصممًا على ملاحقة مراكز القطاع التقليدي وغزوه في عقر داره بقصد تقويم مساره وزرع بذرة التحرر الفكري في أوساطه.. فنشأت حركة شبابية انتظمت بها عناصر نسائية واتجهت هذه الحركة في اتجاهات رأسية وأفقية لمحاصرة سدنة التقليد وتكونت جمعيات للإصلاح الاجتماعي مثل جمعية شباب البناء ورائدات النهضة والإصلاح والمواساة وجمعيات البر ودور المؤمنات ونحت هذه الجمعيات منحى رأسيًا في حركتها التغييرية واستبدلت ما تواضع عليه التقليديون من مصلحة ومنفعة كانت تعود بمردودها على الأشخاص والأفراد إلى عمل طوعي اجتماعي يؤول نفعه إلى المجتمع بأسره تعميقًا واستشعارًا لمعاني التدين وتأصيل العقيدة.. كما قامت هيئات أخرى متحملة عبء الدعوة ومكافحة التبشير المسيحي والكنسي في مناطق متعددة من أواسط البلاد وجنوبها.. وكانت تلك المناطق طوال فترة هيمنة التقليد التي عاشها المجتمع السوداني - حكرًا ووقفًا على المنظمات الصليبية تفعل فيها ما تشاء دون أن تجد لها رصيفًا إسلاميًا يحفظ ما ينبغي حفظه ويضيف ما يتوجب إضافته من أعداد جديدة رق قلبها للإسلام.. ولقد انتهجت الهيئات الإسلامية الدعوية التي يرجع فضل تأسيسها للحركة الإسلامية نهجًا دعويًا لا يقوم على الوعظ والإرشاد كما كانت تفعل ذلك القوافل التجارية في السابق.. بل اتبعت دعوتها بنظام تطبيقي يعتبر مثلًا حيًا للتكافل والتراحم والأخاء فأحالت العمل الإسلامي من نصوص يقرؤها الدارس إلى نماذج عملية أعادت بها ممارسات المسلمين من رجال الصدر الأول.. إلى حيز الوجود.. فأنشئت المؤسسات الخدمية والمستشفيات في جنوب البلاد لتقديم أفضل الخدمات لمعتنقي عقيدة الإسلام وأسست مشاريع الاستثمار لتستوعب الطاقات المعطلة وتروي ظمأ العطشى وتقيم أود الجوعى.. ولم يكن الصراع في أساسه بين القوى التقليدية والإسلامية.. ولكن كان الصراع يدور فعلًا بين الحركة الإسلامية الجديدة وبين تراكمات الماضي وتحدياته، فنجحت الحركة الإسلامية في مسعاها الرامي إلى إيجاد ميزان لا يرجح إلا بالعمل الصادق والنية الطاهرة فصدقت آمالها وصحت تقديراتها وتغير البناء القديم وتبع ذلك التغيير تغيير آخر استهدف التكوين السياسي الذي عاش على ثوابته المجتمع أكثر من ثلاثين عامًا.. فبرزت قوة الحركة الإسلامية تيارًا منافسًا وكاسحًا للقطاع التقليدي. ولم تبرز تلك القوة كرد فعل ظاهري بل نتيجة منطقية لحركة الوعي الإسلامي العامة والصحوة المصممة على صياغة الواقع السوداني على أساس إسلامي يعالج كافة مشكلات الحياة وأدوائها. والله نسأل أن يوفق من اتكل عليه إنه نعم المولى ونعم المصير.