; الفكر الإسلامي هل يتجدد؟ | مجلة المجتمع

العنوان الفكر الإسلامي هل يتجدد؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1973

مشاهدات 70

نشر في العدد 146

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 17-أبريل-1973

الفكر الإسلامي هل يتجدد؟ لعلكم تظنون بادئ الظن الحديث يتجه إلى الضعف الذاتي في الفكر الإسلامي وإلى وجود علته الداخلية وينصرف كل حدیث شائع عن الغزو العسكري - وإنما يغزى الضعاف الغزو القوي - ولقد يحلو أن نتحدث عن الغزو العسكري لنفلت من التبعة بعد أن نلقيها على الآخرين. أولى بنا أن ننظر في تقصيرنا لنتأمل هذه الظاهرة التي عم بها البلاء... ظاهرة تمكن الأفكار الغربية في مجتمعنا. الفكر الإسلامي.. هل يتجدد؟ أليس الدين هديا أزليًّا خالدًا لا مكان فيه للتجديد .. الذي يتجدد ويتقادم لمى إنما هو الفكر الإسلامي والفكر الإسلامي إنما هو التفاعل بين عقل المسلمين وأحكام الدين الأزلية الخالدة .. أما ... الجيل من المسلمين الذي يتطلع بالتفكير في الإسلام يتكيف بنوع وكمية المعارف العقلية .. والتجارب التي وصلها في كل زمان إذا ضاقت هذه المعارف ضاق وإذا اتسعت اتسع عليه.. يتكيف وينفعل بالظروف ... الراهنة التي تحيط به وبالحاجات التي يحسها الناس وبالوسائل التي تتيحها له ظروف الحياة، فالفكر الإسلامي هو التفاعل بين عقلنا المتكيف بهذه العلوم المنفعل بهذه الظروف مع الهدي الأزلي الخالد الذي يتضمنه الوحي والذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم. وسأتحدث عن علل الفكر الإسلامي من هذه الوجوه الثلاثة: فأولا كان ينبغي أن يتفاعل الفكر الإسلامي وأن يتصل بالأصول الخالدة، إلا أنه بتقادم العهد انقطع عن هذه الأصول شيئا ما. وثانيا هو فكر يتأثر بالعلوم والمعارف التي يدركها وعلته أنه قد انقطع عن العلوم والمعارف العقلية، وثالثا هو فكر ينبغي أن يتكيف بالواقع ويتأثر به. والواقع يؤكد أن الفكر الإسلامي قد انقطع عن حياة الناس وأصبح فكرًا مجردًا. هذه هي وجوه العلة في الفكر الإسلامي والتي سأتناولها بالتفصيل واحدة بعد الأخرى. الانقطاع عن الأصل العلة الأولى في الفكر الإسلامي انقطاعه عن أصوله الشرعية الأساسية، فالسمة المائزة في الأديان أنها وحي يوحى وأنها ليست من صنع البشر وآفة الأديان الكبرى أن يغشاها الوضع البشري، وأن يحجب الناس عن أصولها الموحاة. يتصدى علماء الدين إلى هذه الأصول الخالدة من الوحي فيشرحونها للناس ويكيفونها للتطبيق في زمان ومكان معينين وما تلبث هذه الشروح وهذه التطبيقات التي تمثل الدين في ذلك الزمان والمكان أن تمتزج بالدين لأنها استنباط منه ولأنها تفاعل مع تلك الأصول، فيأتي زمان ينحدر فيه المفكرون بهذه الشروح وهذه التطبيقات عن الأصول، ويشتغلون بمعزل عن النبع الأصيل. هذا تحد إشراكي جديد لا بد من كتب جديدة في العقيدة تجابه هذا التحدي وتتحدث عن أن الحاكمية ينبغي أن توحد وتخلص لله ولا نكاد نجد من تلك الكتب إلا قليلا، ومن وجوه الإشراك الجديدة الإشراك المادي أصبحت النهضة الاقتصادي شعارا موقرا في بلادنا أصبحت هي الهم الأول لحكامنا وشعوبه... فإلی أین تتجه النهضة؟ تتجه إلى المتاع الدنيوي وحسب لا تتجه إلى عبادة الله سبحانه وتعالى.. وفرض التسهيلات وطيب الحياة ليس موصولا بشكر الله سبحان والتقدم إليه تزلفا وقربى هذا التمتع المادي الصرف يقطع الإنسان عن الله، وهذا الإشراك الجديد - اتخاذ الهوى إلها من دون الله - من وجوه الإشراك التي تحدث عنه القرآن وننظر اليوم فلا نجد أبدا كتابا في العقيدة يتحدث عن هذا الإشراك الجديد ويعالجه، انظروا إلى الأنبياء فقد كانوا جميعا يدعون إلى عبادة الله وحده وتكاد العبارات التي يوردها القرآن عن دعوتهم تتجد -أن اعبدوا الله وحده- ولا تشركوا به شيئا- فكل نبي وجد قضية معينة في زمانه فدعا الناس إلى خلال عبادة الله من خلال تلك القضية: إبراهيم عليه السلام وجد الناس في فترة رسالته يعبدون الأوثان ويعبدون النار ويعبدون الشموس فكانت دعوته هي أن تتجاوز أمر الطبيعة التي تختلب الإنسان وتشده إليها لأول وهلة ويخشع عندها ويتعبد لها؛ لذلك دعا إبراهيم عليه السلام الإنسان أن يترقى وأن يكتشف مجرد النقص والأفول فيها فيكتشف أنها ليست هي ل الأخير لعبادته فيتجاوزها إلى من أدناها إلى أوسطها إلی من أعلاها حتى يبلغ بها الله سبانه وتعالى. أما موسى عليه السلام فقد وجد الناس على الإشراك السياسي والإشراك الاقتصادي؛ فالإشراك السياسي فرعون الذي دعا الناس ليعبدوه إلها من دون الله، ودعاهم إلى أن الرشد هو رشد فرعون وأن الهدى هدى فرعون، فكانت دعوة موسى أن فرعون ليس أهلا للعبادة وأن الله سبحانه وتعالى المعبود .. ووجد كذلك إشراکًا اقتصاديا يمثله بعض قومه - قارون - الذي كان يدعي أن الثروة من عنده لا من رزق الله وأن شأنها أن يتمتع فيها هو، وهذه الغاية القصوى للثروة في نظره. كان المؤمنون كما في آخر سورة القصص - أتباع موسى ينكرون هذا الشرك الاقتصادي لأن الرزق من الله سبحانه وأنه لذلك ينبغي أن يسخر لعبادة الله سبحانه وتعالى وأن تبتغى دار الآخرة في المتاع... شعيب عليه السلام كانت قضیته اقتصادية .. وهكذا كل نبي عرف قضية التوحيد الواحدة من خلال التحديات والمشاكل القائمة في عصر معين . واذا كنت قد ضربت لكم الأمثال من الفكر الاعتقادي كيف يطرأ عليه التقادم فإننا إذا خضنا في الناس نجادلهم أنهم معتزلة أو ماتريدية أو شعرية لأصبحنا نحن الدعاة ظهوريين مثل الظهوريين الذين نأخذ عليهم عقيدتهم الفاسدة لأن المعتزلة والأشعرية قد هلكوا جميعا. إن كنت قد ضربت لكم الأمثال في مجال العقيدة، فالمجال أوسع بكثير في مجال الشريعة ويترتب على ذلك أن فقهنا الشرعي لا يتسع لعلاج في المجتمع قضايا الاقتصاد الصناعي المكثف القائم اليوم.. ولا نكاد نجد من الفقه إلا أحكاما لا يمكن أن تؤسس لنا بناء اقتصاديًّا للمجتمع الحديث، فإذن فكرنا الاعتقادي وفكرنا الفقهي قد تقادم وينبغي له أن يتجدد بالرجوع إلى الأصول مرة أخرى وينبغي للفكر الإسلامي ألا يجمد؛ فالتقليد والسلفية التي تستلهم التاريخ -لا السلفية التي تنظر في حكمة التطبيق وتستوحي من تاريخ الإسلام كيف طبق المسلمون هذه الأفكار- وإنما تلك التي ترضى وتقنع بكل ما هو قديم.. أصبح الناس عندما يقولون المفكر الإسلامي يكادون يميزون بينه وبين الفقيه الإسلامي؛ فالفقيه الإسلامي هو الملتزم للأصول أما المفكر الإسلامي فيتصورون أنه الرجل المنطلق على هواه... وإذ ننتقد هذا التصور ننتقد الذين لا يهمهم أن يكونوا قليلي الحظ من القرآن والسنة ويحلو لهم أن يفكروا في الإسلام بغير مرجع إلى كتاب الله أو إلى سنة رسوله فالتجديد ينبغي أن يكون عودة إلى الأصول. العكوف علی "الفروعية" العلة أو الأفة الثانية هي - الفروعية - في الفقه الإسلامي الموروث.. لعلكم تعلمون أن تعاليم الإسلام مبادئ عامة وقواعد مجملة وأحكام شرعية فلقد اعتاد الناس دائما حينما يشرحون الفقه أن يوغلوا في التفصيل وأن يذهبوا في التفصيل إلى درجات اکثر فأكثر ويأتي جيل آخر فيأخذ هذه التفاصيل ويفصلها!! وهذه الظاهرة واضحة جدًّا في الفقه الإسلامي أن يكتب الكاتب المتن فيأتي الشارح فيفصل هذا المتن ويأتي المحشي فيفصل هذا الشرح .. ويأتي المعلق فيزيده تفصيلا وتفريعا وهكذا يتدنى الفقه الإسلامي نحو الفروع... وإذا أردت أن تقرأ الإسلام لا يمكن أن تنظر إليه نظرة كلية فتضطر إلى النظرة الجزئية أحكام الطهارة وأحكام للوضوء ... ما هي الصلاة جملة؟؟ هذا سؤال كلي قد لا نجد عليه جوابا ويحدثونك عن تعداد فرائض الصلاة ومندوباتها ومكروهاتها... وهكذا يأخذون كل أحكام الدين من حيث هي فروع منثورة فإذا سألت الفقيه: ماهو نظام الإسلام الاقتصادي لزم الصمت أو انطلق.. يحدثك عن أحكام المزارعة بالتفصيل وعن أحكام المساقاة وعن فروع الربا وعن البيع والشراء والإجارة والوكالة... إلخ واذا سألته ما هو نظام الإسلام السياسي لا يكاد يتصور ذلك النظام وفي نفس الوقت يحدثك كيف تكون الطاعة وكيف تكون آداب الرعية وكيف تكون آداب الراعي.. فلا يكاد الفقيه التقليدي اليوم يتصور ما هو الإسلام.. ولا يكاد ينظر للإسلام من مقاصده ومعانيه ومبادئه العامة من حيث هو إيمان حي يتحرك وإنما هو يعلم تفاصيله المنثورة. كل نبي .. واجه مشکلات عصره ودعا الناس إلى التوحيد عبر المشكلة وكثيرا ما أضرب للناس هذا المثل، وهو مثل قرأته وراق لي .. سيارة فرقنا أجزاءها مسمارا مسمارا ولوحة لوحة ونثرناها وجاء عالم الميكانيكا فتأمل هذه الفروع تأملا شديدا.. لم ير السيارة مركبة ولم يرها سائرة.... فاذا سألته لا يكاد يتصور ما هي السيارة وكيف حركتها، مع أنه يعلم كل مسمار فيها وكل لوحة ويستطيع أن يصف لك هذه التفاصيل. خلل .. في ترتيب الأولويات هذه النظرة أفقدت العالم الإسلامي أولويات الإسلام، فما دامت الأمور كلها فروعا فهو لا يعلم أي الفروع أهم هل هي الصامولة أم هو المسمار الصغير الذي قد يكون جزءًا حيويًّا من السيارة والذي يبدو للناظر إلى أجزاء السيارة المنثورة أن أمره ليس خطيرا وربما يظن أن صفحة السيارة هي أهم بكثير من هذا المسمار.. اختلت الأولويات اختلالا كاملا وأصبح مثلا إذا نظر الناظر إلى فتاة تكشف شيئًا من جسمها ظن أن الخطر قد وقع للدين وندب حظ المسلمين وهذا نفسه ينظر إلى الخطر الكبير مستعمرًا يغزو بلاد الإسلام ويعطل جملة الأحكام الشرعية ويقيم بدلا منها الأحكام الوضعية - فلا يكترث بذلك لأن هذا حرام وذاك حرام وقد يظن أن هذا الحرام الحقير أمره أخطر، فتختل الأولويات فلا يدري أي الأحكام أخطر وأيها يبدأ بها فهو لأنه ينظر إلى الفروع ولا يرى نصيب هذا الفرع في البناء الكلي هل هو عنصر أساسي؟ هل هو جانب يعتمد عليه؟ أم هو من الثانويات أم من المؤيدات أم من المندوبات.
الرابط المختصر :