; رحلة الشرق والأربكانية | مجلة المجتمع

العنوان رحلة الشرق والأربكانية

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1996

مشاهدات 75

نشر في العدد 1213

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 20-أغسطس-1996

تصاعدت ردة الفعل الإيجابية والسلبية من أطراف متعددة على رأسها الولايات المتحدة، على زيارة رئيس مجلس وزراء تركيا البروفيسور «أربكان» إلى إيران في العاشر من أغسطس الجاري.. هذه الزيارة التي تشمل بالإضافة إلى إيران كلًّا من: باكستان، وإندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، وقد شكلت هذه الزيارة تحديًا سافرًا لسياسة الولايات المتحدة لعزل إيران عالميًّا، خصوصًا بعد توقيع الرئيس بيل كلينتون على قانون «داماتو» الذي يقضي بتوقيع عقوبات اقتصادية على الشركات التي تستثمر في قطاعي النفط والغاز في إيران وليبيا.

في حين أن الاتحاد الأوربي أيد هذه الزيارة والتي تم خلالها توقيع اتفاق الغاز بين تركيا وإيران بقيمة ٢٠ مليار دولار على مدى ٢٢ عامًا، واعتبر الاتحاد الأوربي أن ذلك الاتفاق يشجع على تطوير شبكات الطاقة من إيران وآسيا الوسطى إلى أوربا الغربية مرورًا بمنطقة البلقان، كما أنه يؤكد تضامنًا معنويًّا من الأوربيين لتركيا لمعارضة قانون «داماتو» الأمريكي، حيث أعدت المفوضية الأوربية مشروع قانون لمناهضة المقاطعة ستعرضه الشهر المقبل على مجلس الوزراء للرد على القانون الأمريكي.

أما إيران فإنها اعتبرت هذه الزيارة نصرًا ضد سياسة «الاحتواء المزدوج» التي تبنتها الولايات المتحدة ضد إيران، كما أنها تخرق «العزل» السياسي والاقتصادي المفروض على إيران، والتي تحاوله الإدارة الأمريكية من خلال ضغوطاتها المستمرة على حلفائها.

كما اعتبرت طهران أن تركيا تحدت الولايات المتحدة لأنها أعطت الأولوية للمصالح القومية التركية على مصالح الولايات المتحدة، لكن رد الحكومة التركية كان قاسيًا ومتشددًا، حيث صرح «عبد الله جول» المتحدث باسم الحكومة التركية قائلًا: «إن تركيا لا تطلب من الولايات المتحدة الإذن فيما يتعلق بكل علاقاتها مع الخارج»، كما أعلن وزير العدل التركي شوكت قازان «أن الحكومة التركية موجودة لحماية مصالح تركيا وليس مصالح الولايات المتحدة».

أربكان نفسه اعتبر زيارته إلى إيران هي نوع من تطوير العلاقات فيما بينهما في جميع المجالات، وأن حقبة جديدة من العلاقات التركية- الإيرانية بدأت، لكنه استدرك قائلًا: «إن إيران دولة صديقة، والولايات المتحدة دولة صديقة أيضًا، وأنه يأمل في تطوير علاقاته مع إيران، وهذا أمر لا يعني السياسة الأمريكية وأهدافها في المنطقة وأن الزيارة ليست موجهة ضد الولايات المتحدة».

ومن الواضح تمامًا أن «رحلة الشرق» التي بدأها أربكان تحقق أهدافًا عدة لا تخفى على المراقب للأوضاع الداخلية التركية وعلاقاتها الإقليمية والعالمية، فالعالمون ببواطن الأمور -خصوصًا المقربين من حزب الرفاه أو من محللي حركة السياسة التركية- يدركون تمامًا أن «رحلة الشرق» بالدرجة الأولى «هدفها» مصلحة قومية تركية داخلية، تخفف من التراكمات السياسية والاقتصادية التي عقدتها السياسات السابقة للحكومات التركية، كما أنها في نفس الوقت أتت لإضافة نقاط إيجابية لصالح أربكان وحزبه، ولكسب ثقة قوى النفوذ في المجتمع التركي، فتركيا تعاني من عجز وانهيار اقتصادي، كما أنها تعاني بطالة فاحشة سببها الفوائد العظيمة للديون، بالإضافة إلى الحرب بين الجيش والأكراد التي يقودها حزب العمال الكردستاني، والتي استهلكت ما لا يقل عن ٦٠٪ من موازنة الدولة سنويًّا، ولم يتبق للمشروعات التربوية والاجتماعية سوى ٤٠٪.

أضف إلى ذلك انعكاسات سلبية في العلاقات بين إيران، والعراق، وسورية، باعتبارها ذات حدود مشتركة مع تركيا، ينطلق منها الإرهاب في الشرق والجنوب التركي، ولهذا فإن النقاط الإيجابية التي يأمل رئيس الحكومة التركية البروفيسور أربكان أن يحققها هي:

١- كسب ثقة الجيش بحل «المشكلة الكردية»: وقد نجح أربكان في تحييد إيران من أن تجعل أراضيها منطلقًا لقوات حزب العمال الكردستاني، واتفقا على جهود مشتركة لاستئصال الإرهاب من المنطقة، وتشديد الأمن على الحدود بين البلدين، بالإضافة إلى الاتفاق الذي تم بموجبه بيع إنتاج الجيش التركي من الأسلحة مقابل شراء الغاز والنفط، مما يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار العسكري بين الطرفين، وهو بذلك يواصل جهودًا في ثلاثة مسارات: أولها: حل المشكلة الكردية سلميًّا دونما إقحام الجيش في مشكلة تاريخية تكبد فيها خسائر مادية وبشرية ومعنوية، كما أنه سعى لدى سورية لتسليم عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني إلى أنقرة أو طرده خارج سورية، وهو مطلب رئيسي للقوات المسلحة، وقد سبق للرئيس أربكان أن نجح في تحقيق مطالب الجيش عند التجديد لقوات المطرقة الأمريكية بفرض شروطه للتجديد لها لمدة ٥ شهور، وذلك بتقليل الطلعات الجوية في شمال العراق وزيادة عدد الضباط الأتراك في مركز الاتصالات في زاخو «العراقية» وإلغاء معسكر أتروش الخاص باللاجئين الأكراد في شمال العراق لأنه يشكل قاعدة لحزب العمال الكردستاني، بالإضافة إلى تبادل المعلومات حول الإرهاب بين تركيا والولايات المتحدة وتزويد أنقرة بأجهزة إلكترونية متطورة لتحقيق أمن المناطق الحدودية التركية وإجازة الأسلحة المشتراة لتركيا، والتي عارضها اللوبي اليوناني في الكونجرس، وبهذا سجل أربكان نقطة جديدة لصالحه في علاقته مع الجيش.

٢- الاقتصاد التركي: حيث ساعدت الصفقة الأخيرة بين تركيا وإيران على إنعاش الاقتصاد التركي مع رفع أسعار الليرة التركية وارتفاع الأسهم في البورصة التركية، حيث يضيف ذلك نقطة إيجابية للرئيس أربكان في برنامجه الخاص بإنعاش الاقتصاد التركي، إضافة إلى النقاط التي سجلها عندما استطاع من خلال شروطه لتجديد «قوة المطرقة» بالحصول على إذن من الإدارة الأمريكية يجيز لتركيا استيراد ما لا يقل عن ٢٠٠ ألف برميل من النفط العراقي بمعدل يومي، كما وافقت الولايات المتحدة على تعويض تركيا عن خسائرها الاقتصادية والتجارية من جراء الحصار الاقتصادي على العراق، وأن تفاهمًا بينهما سيكون في هذا الشأن، علمًا بأن وزير التربية التركي «محمد صو غلام»، ووزير العدل «شوكت قازان» قد زارا بغداد واتفقا معها على تنشيط التجارة بين البلدين، وفتحا أربع نقاط حدود بين البلدين لهذا الغرض.

٣- رجال الأعمال الأتراك: حيث يشكل هؤلاء قوة نفوذ في تشكيل وتأييد أية حكومة تركية، وقد حرص أربكان على أن يكون ضمن «رحلة الشرق» رجال أعمال وصناعيون من ضمن «٢٥٠» شخصًا والذين يرافقون أربكان في زيارته، حيث سيجد هؤلاء فرصًا ثمينة وسانحة لمشاريع استثمارية، مما ينشط أداءهم الاقتصادي ويعزز فرص نموهم في جدار الاقتصاد التركي، ولقد سبق للرئيس أربكان أن وضع مشروعه الخاص بإعمار المناطق الشرقية والجنوبية، وهي مناطق الأكراد، وينطوي المشروع على شقين: أولهما: إعادة مليونين من المهجرين الأكراد إلى قراهم «٨٠٠ قرية»، وتعويضهم وتهيئة فرص العمل لهم، والثاني: معالجة البطالة بتشجيع ودعم المزارعين والفلاحين، وتأجيل ديونهم، وقد أعطت عملية الاستثمار في هذا القطاع لرجال الأعمال الأتراك فرصة جديدة لتطوير إمكاناتهم المالية، مما يسجل نقاطًا إيجابية، ويعزز الثقة بحكومة الرئيس أربكان.

بالإضافة إلى انسجام رجال الأعمال مع الاتجاه الذي يتبناه الرئيس أربكان لحل المشكلة الكردية حلًّا سلميًّا.

٤- من جهة أخرى يسعى أربكان في «رحلة الشرق» إلى إيجاد توازن داخلي في طبيعة العلاقات مع الغرب والشرق، وهو بذلك يهدف إلى وضع «تركيا القوية» على أجندة الولايات المتحدة و«الاتحاد الأوروبي» و«الدول العربية والإسلامية» كدولة قادرة على خلق توازن مصلحي في المنطقة، ولهذا فإن دراسة لأداء «الإسلام السياسي التركي» في الغرب قد تصاعدت مؤخرًا بعد تولي أربكان رئاسة حكومة تركيا الرابعة والخمسين بعد عهد لا يقل عن ٧٣ عامًا من العلمانية والتي حاولت أن تجعل تركيا «غربية»، وبمجيء أربكان ضاع حلم العلمانيين في سلخ جلدتهم الشرقية، ولكن الأوربيين الآن ينظرون إلى إمكانية التفاهم مع الظاهرة الجديدة «للإسلام السياسي» بدلًا من عزله ومحاربته، فالحقبة والتي بدءوا يسمونها بـ«الأربكانية» أسوة بـ«الخمينية» في إيران تعيش في انسجام طبيعي مع النظام العلماني المتشدد في تركيا، وهي لا تشكل ثورة ضد العلمانية بقدر التفاهم مع آلية وأشكال النظام العلماني، ولهذا فإن مصادر سياسية عديدة تؤكد على أن الولايات المتحدة وأوربا تدرسان بجدية كيفية استغلال الحقبة «الأربكانية» في امتصاص نقاط التثوير مع الأصولية الإسلامية بالإضافة إلى أن تكون رأس حربة لمواجهة التطرف الأصولي الإيراني، وذلك بنزع فتيل التوتر في المنطقة بإقامة علاقات ناجحة بين إيران وتركيا، مما يحقق استقرارًا للولايات المتحدة وأوربا في سياساتها الخاصة بالمنطقة.

ولهذا فإن الأمريكان -على الرغم من معارضتهم لزيارة أربكان لإيران- يستعجلون هذه الأيام وصول دفعات الغاز إلى تركيا لتقوم الشركات الأمريكية باستثماره للالتفاف على قانون «داماتو» والذي يعاقبها بالاستثمار المباشر في إيران، أما الأوربيون والذين بلغت معادلاتهم التجارية مع إيران في العام الماضي ١٥ بليون دولار فيعتقدون أن تركيا قادرة على أن تمارس هذا الدور، وتفتح آفاقًا استثمارية في الطاقة أيضًا.

وبهذا فإن أربكان قد يستطيع أن يوجد موطئ قدم للإسلام السياسي في حلف شمال الأطلسي دونما أن ينزع طربوشه، فهو لا زال يرتدي البدلة الغربية ولکن بعقل معتدل، وعندما يقارن الغربيون الحقبة الأربكانية الإسلامية بغيرها من الحركات الإسلامية فإنهم لا يرون فيها نموذجًا لتصدير الثورة الإيرانية، أو استنهاضًا للجهاد الأفغاني أو الحرب الجزائرية الجديدة، ولهذا فإن الغربيين يترددون هذه الأيام في الخطوات السياسية أو إصدار الأحكام على التجربة الأربكانية، فالرجل -يعنون «أربكان»- قادر -إلى الآن على أقل تقدير- على أن يضع حلًّا وسطًا لكل قضية تتعلق بالغرب أو سياساته ومصالحه في المنطقة، ويضربون مثالًا على الاتفاقية الجمركية الأوربية، وقضية قبرص، والتجديد للقوة الأمريكية في المنطقة.

فالرجل حتى الآن يقود حزبًا إسلاميًّا عمليًّا ومعتدلًا في سياسته، وتأمل بعض القوى السياسية الغربية على «الأربكانية» الجديدة أن تحدث علاقات متوازنة ما بين الغرب والشرق، ومن هنا كانت أول جولة لأربكان بعد توليه الحكومة بدأت «بعد زيارته للشق التركي في قبرص» مع مجموعة الدول الإسلامية شرقًا، وعندما ينتهي أربكان من جولته في «رحلة الشرق» سيكون بإمكانه أن يضع أمام الغرب تصورًا جديدًا من العلاقات، حيث تأمل القوى الغربية أن تساعد زيارة أربكان على نزع التوتر من تعارض سياساتها مع مصالح تلك الدول، فعلى سبيل المثال كانت تطمينات أربكان لإيران فيما يتعلق بالاتفاق الإسرائيلي- التركي امتصاصًا للنغمة التي سادت أجواء الدول العربية والإسلامية خصوصًا إيران، والتي تعتبر هذا الاتفاق موجهًا ضدها، ويأمل أربكان من خلال عقد مؤتمر لسورية والعراق وإيران أن يحل مشكلة الإرهاب الكردي، وأن يضع حلًّا سلميًّا لمشكلتهم تتعاهده هذه الدول الأربع، خصوصًا وأن أربكان نفسه قد حصل على تعهد أمريكي بضمان وحدة العراق إذا ما اتخذت إجراءات بشأن الحكم الذاتي الكردي.

لقد صدق حدسنا فيما قلناه في العدد «١٢٠٣» من أن الرفاه سيكون طرفًا ناجحًا، ووسيطًا مقبولًا في كثير من القضايا، فحزب الرفاه قد ينجح في حل مشكلة تركيا وجيرانها العرب فيما يتعلق بقضايا الحدود والمياه، وكذلك فإنه قادر على خلق توازن مع إيران الإسلامية، والتي تشكل تفلتًا من النظام الدولي، مما يشكل جسرًا للحوار مع إيران، وذلك يتوافق تمامًا مع سياسة الاتحاد الأوربي للتعامل مع إيران، ولا يستبعد أن يكون للحقبة الأربكانية دور مهم في ترتيب حل الأوضاع المتردية في العراق، وإحداث تغير إيجابي للاستقرار في المنطقة.

الرابط المختصر :