العنوان التجربة البرلمانية للحركة الإسلامية في تركيا
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1995
مشاهدات 135
نشر في العدد 1176
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 21-نوفمبر-1995
- شاركوا في الحكم طوال 4 سنوات في السبعينيات وقادوا معارضة برلمانية في الثمانينيات.
- حزبيا النظام والسلامة تبنيا حملة التصنيع الثقيل وإعادة الهوية الإسلامية لتركيا.
- حزب الرفاه يقدم برنامج النظام العادل بدلاً من الشعارات والكلمات المطاطة.
- زادت شعبية الحزب الإسلامي من مليون و365 ألف صوت عام 1973م إلى 5 ملايين و340 ألف صوت عام 1994م
- تطور في الخطاب السياسي والتحول من حزب كوادر إلى حزب كتلة أهم نجاح حققه الرفاه.
- إسقاط أول وزير تركي في استجواب للسلامة قبل انقلاب 1980 بسبب «إسرائيل».
- ١٠٠ نائب يمثلون التيار الإسلامي التركي موزعون بين أحزاب الرفاه.. والوطن الأم.. والطريق القويم.. والملة.
تجربة الإسلاميين البرلمانية في تركيا تختلف- دون شك- عن تجارب باقي الإسلاميين في مختلف الدول التي أتاحت لهم حرية العمل السياسي، إذ إن تجربة إسلامي تركيا بدأت منذ السماح بتعدد الأحزاب قبل نهاية الأربعينيات، وإن كانوا مختبئين في عباءات الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس لصعوبة الإعلان عن هويتهم بشكل واضح في بلد علماني يرفض توظيف الدين في السياسة، ثم انتقلوا بعد إغلاق الحزب عام ١٩٦١م إلى حزب العدالة بزعامة سليمان دميريل، إلا أنهم قرروا التبلور في حزب إسلامي واضح المعالم بناء على نصيحة الشيخ النقشبندي محمد زاهد كوتكو، وكذلك بدعم من الطريقة القادرية، فتم تشكيل حزب النظام الوطني في ٢٦ يناير ۱۹۷۰م، ليكون أول حزب يعلن رغبته في أسلمة الحياة في تركيا، ويدعو لسوق إسلامية مشتركة بدلاً من السوق الأوروبية، ويعارض النظام الربوي، ويركز على القيم الإسلامية للتنمية الوطنية.
المؤتمر الأوحد للنظام: وعقد حزب «النظام الوطني» أول مؤتمر عام له في ٨ فبراير ۱۹۷۰م ليكون بذلك أول صوت إسلامي مميز منذ إعلان العلمانية في تركيا، وكان شعاره التوحيد، وتبنى حملة إعادة الأخلاق، ونادى بإقامة الصناعات الثقيلة الوطنية في تركيا وقال نجم الدين أربكان- زعيم الحزب عند تأسيسه-: «إن من المؤسسين السلاطين العظام محمد الفاتح، وبا يزيد، ومراد، وملكشاه... إلخ» في إشارة إلى رغبة الحزب في استعادة مجد الخلافة العثمانية، وإحياء معانيها ثانية.
وبجانب أربكان الذي اختير نائبًا مستقلًا عن «قونية» في ٢ سبتمبر ١٩٦٩م بعد أن استقال من حزب العدالة مع حسن أقصاي وحسام الدين أقمومجو، وسعودي رشاد صاروخان وهم من الأسماء المعروفة في حزب العدالة كإسلاميين لسنوات، وإن كانت جماعة النورجانيين ظلت داخل حزب العدالة تدعمه بالنواب، وبالأصوات رغم أنها كتلة إسلامية هامة، ولذلك فإن بعض ممارسات نواب العدالة تدخل في إطار التجربة الإسلامية، وإن كان يصعب رصدها مثل تجربة السلامة والرفاه.
ومؤسسو حزب النظام هم نجم الدين أربكان- نائب «قونية»، وأحمد توفيق باكسو- سناتور قهرمان مرعش السابق، أحمد حيدر أقصاي- محامي من أضنة، وسليمان عارف أمره- نائب أخيمان السابق، وأكرم أوجالي- نائب جومش خانه السابق، وحسن أقصاي- نائب أضنة السابق، وفهمي شمال أوغلي- نائب قيصري السابق، ثم انتقل نائبان من العدالة ولم يكونا من المؤسسين هما: حسام الدين أقمومجو- نائب أسبرطة وحسين عباس نائب طوقاط ليصبح بذلك عدد نواب حزب النظام الوطني 3 نواب.
وأعلن أربكان أن في تركيا 3 طرق: الأول اليسار نهايته الشيوعية، ويمثله حزب الشعب الجمهوري، والثاني الماسونية، ويوجد فيه حزب العدالة، والثالث هو حزب النظام ويمثل الحق واليمين، وقال: إنه يدعو الله أن يكون موعد إقامة الصلاة في جامع «آيا صوفيا» المغلق عام ۱۹٧٣م «تاريخ إجراء الانتخابات العامة» ولم يحتمل العسكر بروز حزب النظام كصوت إسلامي، فجاءت ضربة ۱۲ مارس ۱۹۷۰م وكان ذلك انقلاب عسكري، وإن كان الحكم ظل مدنيًا، وبقرار من المحكمة الدستورية أغلق حزب النظام تحت زعم عمل دعاية للشريعة، تم رصدها في ٣ كتب أصدرها جناح شباب أزمير المرتبط بالحزب، وبسبب الشعارات التي ترددت في المؤتمر العام، وسافر أربكان إلى سويسرا.
مرحلة حزب السلامة:
بعد ۱۷ شهرًا من إغلاق حزب النظام، تم تأسيس حزب السلامة الوطني في 11 أكتوبر ۱۹۷۲م بزعامة سليمان عارف أمره، إذ كان من الصعب تولية نجم الدين أربكان، خاصة وأن الحزب كان مقدم على انتخابات عام ۱۹۷۳م، وكان أربكان من المؤسسين، ومعه إسماعيل مفتي أوغلي، وفهمي جمعة أوغلي وأوغوز خان أصيل تورك، وأحمد توفيق باكسو وحسام الدين أقمومجو.
ونجح الحزب في التجربة الأولى تحت زعامة سليمان عارف أمره بالحصول على مليون و٢٦٥ ألف صوت، أي بنسبة 11.8% من أصوات انتخابات عام ١٩٧٣م ليحصل على ٤٨ مقعدًا بمجلس الشعب التركي ليبدأ دور أربكان ثانية، إذ قرر سليمان أمره ترك موقعه لأربكان وكانت نتائج انتخابات ١٤ أكتوبر ۱۹۷۳م كما يلي: الشعب الجمهوري ١٨٥ مقعدًا والعدالة ١٤٩ مقعدًا، والسلامة ٤٨ مقعدًا والديمقراطية ٤٥، والأمن الجمهوري ۱۳ والحركة القومية، والوحدة التركي مقعدًا، والمستقلون ٦ مقاعد، وبالتالي كان على بولنت أجاويد- زعيم الشعب الجمهوري- البحث عن حزب للائتلاف معه لتشكيل الحكومة، وفي النهاية تحالف مع السلامة ليشارك الإسلاميون لأول مرة في الحكم.
ومما يدل على أن فوز السلامة لم يرح النظام، فإن الرئيس فخري كورتورك كلف رؤساء الأحزاب بتشكيل الحكومة، واستثنى أربكان رغم أن حزبه كان صاحب أغلبية المقاعد الثالث في مجلس الشعب التركي.
المشاركة في الحكم:
ورغم اختلاف طريقي السلامة والشعب الجمهوري، إلا أن خوف بولنت أجاويد من قيام الرئيس بحل مجلس الشعب وعمل انتخابات جديدة، ورغبة أربكان في تفويت الفرصة على كورتورك لمحاصرة السلامة بعد أن عرف حجم قوته في التجربة الأولى، قرر الاثنان عمل حكومة ائتلافية في ٢٦ يناير ١٩٧٤م، حصلت في الأول من فبراير على ثقة مجلس الشعب، وتولى فيها أربكان منصب نائب رئيس الوزراء ووزارة الدولة للقطاع الاقتصادي، وكذلك حصل حزب السلامة على وزارة الدولة لشؤون الديانة والأوقاف بالإضافة إلى وزارات الصناعة والزراعة والتجارة، أي الوزارات الاقتصادية، ورفض الشعب الجمهوري إسناد وزارة التعليم للسلامة.
المعارضة من الداخل:
ولم يكن التحالف مع الشعب الجمهوري نواب السلامة عن أداء دورهم، ولذلك فإنهم عارضوا قانون العفو العام الذي كان قد وعد به أجاويد في برنامجه الانتخابي، وضمنه البروتوكول الحكومي، مما أدى إلى سقوط القانون بسبب المواد ١٤١- ١٤٢- ١٤٦ إذ رفض الإسلاميون العفو العام عن الشيوعيين واليساريين، ونجح بذلك حزب السلامة مع جناح النورجانيين في حزب العدالة في عرقلة إصدار قانون العفو العام، علاوة على قيامهم بدور مهم في إصدار الكثير من القرارات والقوانين الاقتصادية التي دعمت بدون شك حملة التصنيع الوطني الثقيل الذي تبناه حزبي النظام والسلامة، بعد عدنان مندريس، والذي تبناها فيما بعد تورغوت أوزال رئيس الوزراء والجمهورية السابق، أحد أعضاء السلامة.
ومن القرارات الهامة التي اتخذها السلامة وأجبر حزب الشعب عليها قرار دخول قبرص لحماية المسلمين الأتراك من المذابح التي كانوا يتعرضون لها على أيدي القبارصة اليونانيين وبسبب موقف أجاويد انهار التحالف رغم النصر الذي جنته الحكومة في قبرص، إذ وافق أجاويد على وقف إطلاق النار، ورفض الاستيلاء على الجزيرة تمامًا وأبقى مرعش خالية، ورفض استمرار العمليات، وتحدث عن الحل الفيدرالي مما أدى إلى مواجهة السلامة له، خاصة وأن أربكان كان صاحب إصدار قرار الدخول.
تجربة الحكم الثانية:
وبعد انهيار التحالف، أعاد رئيس الجمهورية تكليف أجاويد وباقي رؤساء الأحزاب عدا أربكان لتشكيل حكومة ولكنهم فشلوا جميعًا، إلى أن تولى دميريل المهمة ثانية، ونجح في تشكيل حكومة جبهة قومية، شارك فيها مع العدالة كل من حزب السلامة، وحزب الحركة القومية، وهي الحكومة التي أقيمت في أبريل ١٩٧٥م، وسقطت بسبب انسحاب ۱۲ نائبًا من حزب العدالة.
وقاد أربكان في تلك الفترة حملة التنمية المعنوية، أو الصناعات الثقيلة، إذ نجح في إقامة ۷۰ مصنعًا خلال سنتين، و٣٠٠ مدرسة دينية للأئمة والخطباء و۱۰ معاهد إسلامية عليا علاوة على ۳۰۰۰ مدرسة قرآنية، وبذلك حقق إمكانية تعليم ديني لنصف مليون رغم القوانين وتم توقيع الكثير من القرارات وصدور القوانين الاقتصادية.
كما لا يمكن إنكار دور الجناح الإسلامي في حزب العدالة، إذ ساهم في جعل التعليم الديني رسميًا، وساهم في افتتاح مدارس الأئمة والخطباء أيضًا.
تراجع واستمرار في الحكم:
وفي انتخابات ۱۹۷۷م، تراجعت شعبية حزب السلامة، وأيًا كانت المبررات التي تساق فإن السبب الأول يرجع لغضب قاعدة الحزب الانتخابية لتحالفه مع الشعب الجمهوري ولذلك حصل على نسبة 8.6% أي مليون و۲۷۰ ألف صوت من عدد الناخبين المشاركين لتهبط مقاعده إلى ٢٤ مقعدًا، بينما حصل الشعب الجمهوري على ۲۱۳، مما يعني احتياجه لحزب آخر، والعدالة حصل على ۱۸۳ مقعدًا، والحركة القومية على ١٦، والأمن الجمهوري.. والديمقراطية على مقعد، وحاول أجاويد تشكيل حكومة أقلية فشلت في الحصول على الثقة مما اضطره إلى تشكيل ائتلاف مع السلامة والحركة القومية، وحصلت تلك الحكومة على الثقة في أغسطس ۱۹۷۷م، وظلت في الحكم حتى نهاية ۱۹۷۷م، وهكذا شارك حزب السلامة لمدة ٤ سنوات في حكومات مشتركة مع الحزبين الرئيسيين الجمهوري والعدالة.
السلامة في المعارضة:
في ٢٠ أكتوبر ۱۹۷۹، أجريت انتخابات تكميلية، وكان أجاويد الأكثر خسارة في الأصوات، فاستقالت حكومته، وشكل دميريل حكومة في ١٢ نوفمبر ۱۹۷۹م، لم يدخلها السلامة هذه المرة، وقام بدور معارضة قوي وكان أفضل ما قام به هو تقديم خير الدين أركمان، وزير الخارجية لاستجواب قبل انقلاب 1980م بأسبوع، بسبب عدم قيامه بقطع العلاقات مع «إسرائيل»، وقبل المجلس الاستجواب ليكون أركمان بذلك أول وزير تركي يسقط في استجواب منذ ٦٠ عامًا، ثم جاء مؤتمر قونية ردًا على الممارسات الإسرائيلية في القدس دعا فيه حزب السلامة كافة زعماء الأحزاب التركية وسفراء الدول الإسلامية، إلا أن رفع الأذان أثناء عزف «مارش الاستقلال» السلام الوطني وعدم قيام الناس، علاوة على تحطيم حوانيت الخمور ورفع شعارات الشريعة قادمة، إما الشريعة وإما الموت، وقال أربكان في كلمته إن إسطنبول ستفتح من جديد، ووجه كلامه للحاضرين قائلاً: استعدوا لتكونوا جيش الفاتح الجديد، كان مبررًا لضرب حزب السلامة.
اعتقال أربكان وحل السلامة:
وفي سبتمبر ۱۹۸۰م قام كنعان إيفرت بانقلابه العسكري، واعتقل أربكان، وأركان حزبه، وأغلقه مع الأحزاب الأخرى، إلا أنه لم تقام دعوى قضائية إلا ضد السلامة، والحركة القومية، وكان العقيد حمدي سفينش هو القاضي الذي يحاكم أعضاء السلامة، وأفرج عنهم، وبعد ذلك أصبح عضوًا في حزب الرفاه عام ١٩٩٣م، الذي كان بديلًا لحزب السلامة.
عصر حزب الرفاه:
وبعد قرار عودة الحياة الحزبية ثانية بعد انقلاب إيفرن تقدم علي تركمان بطلب لوزارة الداخلية التركية في ١٩ يوليو ۱۹۸۳ لتشكيل حزب الرفاه الذي راعى هذه المرة أن يكون برنامجه الإسلامي أكثر غموضًا من برنامجي النظام والسلامة، وبعد إعادة الحقوق السياسية لأربكان ورفاقه الـ ١٧ عادوا جميعًا للالتحاق بحزب الرفاه امتداد النظام والسلامة يوم ٢٥ سبتمبر ۱۹۸۷ وفي ١١ أكتوبر من نفس العام عقد الحزب مؤتمره العام الثاني، وتم اختيار نجم الدين أربكان رئيسًا للحزب، وكان هو المرشح الوحيد.
إلا أن الحزب هذه المرة لم ينجح مثل المرة السابقة، إذ لم يستطع الحصول على أكثر من 7.2% في انتخابات ۲۹ نوفمبر البرلمانية الذي فاز فيها حزب الوطن الأم للمرة الثانية، والذي لم يخل هو أيضًا من جناح إسلامي يمثله محمد كتشجيلر- عضو السلامة السابق، وكذلك حسني دوغان بل وزعيمه تورغوت أوزال مرشح حزب السلامة السابق في انتخابات ١٩٧٤م في أزمير، وإن كان لم يحقق نجاحًا آنذاك، ويعود فشل الرفاه إلى خوف الناس من عودة العسكر، إذ فهموا الدرس، فبعد إعلان حزب النظام جاءت ضربة مارس، وبعد تنامي قوة حزب السلامة وقدرته على الأداء البرلماني الرفيع الذي أحرج كافة الأحزاب التركية جاءت ضربة سبتمبر، علاوة على تشتيت الأصوات الإسلامية بين الأحزاب الثلاثة الوطن الأم والطريق القويم «العدالة سابقًا»، والرفاه.
وفي انتخابات ۱۹۸۹ المحلية كانت نسبة الحزب من الأصوات 9.8% ارتفعت إلى 16.9% في الانتخابات البرلمانية عام ١٩٩١م عندما تحالف معه حزبي الحركة القومية والإصلاح الديمقراطي «الملة»، وكانت نسبة الرفاه وحده 11.8% ليعود هذه المرة إلى مجلس الشعب التركي بـ٤٠ نائبًا استقال منهم حسن مزراجي لإنقاذ الحزب في الانتخابات المحلية مارس ١٩٩٤م، بسبب تناوله لأتاتورك بشكل أثار ثائرة العلمانيين، ونجح الرفاه في تلك الانتخابات بشكل كبير؛ إذ حصل على 5 ملايين و340 ألفا و969 صوتًا بنسبة 19% ليفوز بذلك برئاسة البلديات العامة في ٦ مدن كبرى منها إسطنبول ۱۳ مليون نسمة، وأنقرة 5 ملايين نسمة، و٢٢ مركزًا و۹۲ ناحية، و۲۰۷ بلدات، وأرجع المراقبون ذلك النجاح إلى الأداء البرلماني الرفيع لنواب الرفاه في مجلس الشعب، خاصة وهو في صفوف المعارضة وضد الحزبين المتنافسين تاريخيًا الطريق القويم «العدالة سابقًا» والاشتراكي الشعبي الديمقراطي «الشعب الجمهوري سابقًا، وحاليًا منذ فبراير ١٩٩٥م».
تطور الرفاه:
وعمومًا فإن أهم تطور حدث في حزب الرفاه هو تحوله من حزب كوادر ضيقة إلى حزب كتلة غير قاصر على الإسلاميين فقط بل أصبح لكل الشعب التركي وهو ما أعلنه أربكان في المؤتمر العام الرابع للحزب يوم ١٠ أكتوبر ۱۹۹۳م، إذ التحق به عشرات الضباط السابقين والقضاة وأعضاء من أحزاب أخرى، وعلويون ومسيحيون، وبدأ الخطاب السياسي للرفاه يأخذ منحى جديدًا، فهو دائم الحث على احترام حقوق الإنسان، وحرية الفكر، ولا يقتصر في تركيزه على الأخذ من الإسلام فقط مثلما طالب مؤخرًا نجم الدين أربكان بتطبيق الدستور السويسري في تركيا، لأنه يحمل كما يعتقد روح الإسلام.
دور معارض مميز:
وعلى الرغم أن عدد نواب الرفاه ۳۸ حاليًا، إلا أنهم يقومون بدور كبير في المعارضة، ولديهم تحالفًا سريًا مع النواب الإسلاميين في حزبي الوطن، والطريق في القضايا ذات الصبغة الإسلامية، ونجح ذلك التحالف في عرقلة التغييرات الدستورية التي يحاول بها الشعب الجمهوري زيادة العلمنة والتضييق على الإسلاميين، لذلك لم تلب الإصلاحات الدستورية المطالب الغربية، كما يعارضون انضمام تركيا إلى الوحدة الجمركية، ويعلنون أسباب معارضتهم بشكل علمي ومفصل، مما أدى إلى تنامي الرفض الشعبي لدخول الوحدة، ويركز الرفاه في رفضه على المبررات الاقتصادية، مما يقوي حجته ومنطقه، وأصبح برنامج الحزب المعروف باسم النظام العادل هو طوق النجاة للشعب التركي من الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يعيش فيها بسبب أخطاء أحزاب: الوطن الأم، والطريق القويم، والشعب الجمهوري، إذ إن النظام العادل يتضمن نظامًا اقتصاديا، وقانونيا، وإداريا، وأخلاقيًا، وعلميًا، تم وضعه بعد مداولات ومشاورات مع ١٥٠ أكاديميًا.
النظام العادل:
ولا شك أن نجاح الرفاه في عمل برنامج محدد المعالم، وليس تقديمه لكلام فقط أو رفعه لشعارات ساهم في تنامي شعبيته للدرجة التي تحاول فيها القوى العلمانية من خلال النصح الأمريكي التوحد لمواجهة الرفاه خشية فوزه في الانتخابات المقبلة، وفقًا لما تشير إليه استطلاعات الرأي العام.
وعمومًا فإن تجربة النظام، والسلامة، والرفاه، جديرة بالدراسة والبحث لأنها ستكون مفيدة لجميع الأنظمة التي تتشدق بالديمقراطية والحركة الإسلامية نفسها، وستعود بالنفع على الجميع، فالإسلاميون الأتراك اشتركوا في حكم تركيا العلمانية في السبعينيات، وقادوا حملة التصنيع الثقيل، ولم يكن هناك أي مخاوف غير مبررة من الإسلاميين ذلك الرعب الذي تنامى بشكل غير منطقي بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، وهو ما أدى إلى وضع العقبات أمام السلامة في تركيا، حيث وضع الجيش التركي حامي المبادئ الغربية أيدي الديمقراطية في كلبشات الديكتاتورية العسكرية، ولم تغضب أوروبا أو الولايات المتحدة من أجل الديمقراطية آنذاك، إذ كان سيستفيد منها الإسلاميون الذي تشير كافة المؤشرات في تركيا أنهم عائدون لحكم تركيا عبر الأقنية الديمقراطية.