العنوان ديوان مجد الإسلام أو الإلياذة الإسلامية للشاعر أحمد محرم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1972
مشاهدات 107
نشر في العدد 98
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 02-مايو-1972
في فجر النهضة الأدبية في العالم العربي كان شباب الأدباء يطالعون ببالغ الإعجاب والشغف منظومة «الشاهنامة» الفارسية ويستمتعون بروعة بيانها وجمالها الفني ويعيشون مع أساطيرها وأفكارها وتواريخها.. تلك التي استغرقت شاعرها «الفردوس» سنين طويلة ليجمعها من كهنة المجوس وعجائز فارس ومخطوطاتها القديمة وآثارها التاريخية ويعيش معها بكل وجدانه ومشاعره حتى سجل للفرس تاريخًا من البطولات المجوسية والأمجاد القومية ليعتز بها شبابهم وتتغنى بها أجيالهم فكانت محل تقديرهم وفخرهم.
وكان رواد النهضة الأدبية في ذلك الوقت يتدارسون أسطورة «هوميروس» الإلياذة الإغريقية التي نقلها إلى لغتهم يومئذ «سليمان البستاني» فشغفوا كذلك بتلك الملحمة الرائعة التي سجل فيها «هوميروس» أمجاد الإغريق وبطولاتهم في عمل فني متميز أضاف إلى الفن صورة جديدة متفردة الخصائص والمقومات.
ولم يكن غريبًا في هذا المناخ الفكري أن يحس الأدباء الشباب بالحاجة إلى ملحمة جديدة تسجل البطولات الخالدة والأمجاد العظيمة التي صنعها الإسلام وتمجد ذلك التراث التليد حتى يبقى معلمًا حيًا يجدد روح الأمة ويحي أحاسيسها القومية ويزودها برصيد معنوي لا ينفد من الثقة والاعتزاز وهبط هذا الخاطر المُلِح على الأستاذ الكبير «محب الدين الخطيب» أحد رواد النهضة الفكرية الذين امتلأ وجدانهم بحب الإسلام والعروبة.
شوقي.. والإلياذة الإسلامية
اجتمع الأستاذ محب الدين إلى أمير الشعراء أحمد شوقي وعرض عليه الفكرة فلم يعد شوقي ولم يرفض.. -ثم طلع على الناس بكتيبه عن دول الإسلام، ولكن المطلوب كان أعظم من ذلك- ولما كان الأستاذ الخطيب من المعجبين بأعمال الشاعر الكبير أحمد محرم وجّه إليه هذا الاقتراح فاستجاب الشاعر للدعوة العظيمة.
حشد محرم كل طاقاته الفنية وعكف على دراسة التاريخ الإسلامي دراسة دقيقة واعية وعاش تجاربه وتفاعل مع مفاخره وأمجاده.
ولقد جاء الديوان ذلك العمل الفني العظيم غاية في الكمال والتوفيق وبرزت من خلاله:
· الشاعرية الأصيلة الناضجة والقدرة الفنية الجبارة التي يمتلكها الأستاذ الشاعر.
· والثقافة العميقة والاستيعاب الدقيق لحقائق التاريخ الإسلامي.
· ثم الانسجام الفني الرائع بين السرد التاريخي والصورة الفنية الذي يرجع لموهبة الشاعر وروعته.
· الحقائق الدينية والفكرية التي تقف خلف الأحداث التاريخية فلم يكن نظم الشاعر مجرد سرد تاریخي للأحداث وإنما استطاع أن يبرز التجربة الفكرية والحقيقة الدينية الناصعة من خلال الحدث من خلال الحديث.
وقد كان العامل المساعد خلف كل هذا الإنجاز إيمان الشاعر العميق بمبادئ الإسلام وإخلاصه لدينه وحبه الشديد.
لقد ساعده ذلك كثيرًا على أن يستوعب مادة الديوان وأن ينفعل مع أحداثها وتجاربها وأفكارها وأن يتفانى في عرضها بالصورة الفنية الجميلة.. وكيف للإنسان أن يسجل مفاخر أمته إن لم يكن يحس بهذا الفخر ويمتلئ اعتزازًا بتلك الأمجاد؟؟
أبو شادي يتحدث عن الإلياذة الإسلامية
تحدث أبو شادي زعيم جماعة أبوللو عن «الإلياذة الإسلامية» كما شاءت الأوساط الأدبية أن تسميها. فقال:
«طبيعة أحمد محرم الأدبية طبيعة فنية ناضجة. فتاريخه ليس مجرد تاريخ إنما هو عرض فني شائق للروح الإسلامية العالية التي فتحت الأقطار ونشرت العدل واستوعبت الثقافة ودعمت الحضارة وزادتها تأنقًا على تأنق وليس كل شاعر قدير كفؤًا لتسجيل ذلك تسجيلًا زاهيًا هو اللباب النضر الحي وليس القشور الجافة والتواريخ الميتة.
هذا الشاعر العظيم الإيمان العظيم الشمم يمثل بأدبه آخر حلقة من
التطور الإسلامي الفني».
عقبات عملية
لقد بذل الشاعر مساعي مضنية ليطبع ديوانه حتى يكون في متناول أبناء الإسلام ويحقق الغاية المأمولة من نظمه، ولكن مساعيه التي طرقت آذان المسؤولين جميعًا ذهبت أدراج الرياح. وقوبلت الإلياذة الإسلامية بمؤامرة من التجاهل جعلته حبيس الخفاء حتى ودع الشاعر الحياة ولم تتحقق أمنيته العزيزة حتى قيض الله لها من تلاميذه وأبنائه من يتحمل عبء الرسالة ويواصل المسعى إلى أن طبع الديوان وخرج إلى النور.
أقسام الديوان
أما الديوان نفسه فقد قسمه الشاعر
إلى أربعة أجزاء اشتمل الجزء الأول على حياة الرسول «صلى الله عليه وسلم» من مولده وحتى الهجرة ثم تطرق إلى حياته بالمدينة بين المهاجرين والأنصار واليهود والمنافقين ثم تحدث عن الغزوات والمعارك التي شهدها فجر الإسلام والتي استغرقت الجزء الثاني والثالث. وفي الجزء الرابع تحدث عن الوفود التي زارت الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورسله إلى الملوك والحكام. ثم تحدث عن السرايا التي أرسلها إلى مختلف أنحاء الجزيرة العربية.
الديوان.. والإلياذة.
اشتهرت ملحمة مجد الإسلام بالإلياذة الإسلامية.. وقد شجع ذلك الكثير من الأدباء والكتاب أن يحاولوا دراستها على هذا الأساس وأن يقيموا الموازنات والمقارنات بينها وبين إلياذة «هومر». والواقع أن الشاعر ما قصد أن يبني عمله الرائع على مقاييس الإلياذة المعروفة لدى الأوربيين. وإنما قصد إلى تسجيل أمجاد الإسلام في صورة فنية لتكون مثلًا أعلى لشباب الأمة.. يعرف من خلالها تاريخه وأمجاده.
وإذا كانت الإلياذة تعتمد على الأسطورة ويطلق الشاعر فيها لخياله العنان فإن ديوان محرم قد بني على حقائق تاريخية صادقة ودقيقة وتقيد بوقائع تجد في نفوس الناس إجلالًا وتقديسًا.
وبعد فلم تكن هذه الدراسة نقدية لديوان مجد الإسلام أو شاعره وإنما كان عرضًا سريعًا أو تقديمًا للديوان وشاعره وقصته والمجال متروك للأدباء والنقاد أن يعرضوه وفق مقاييسهم الأدبية والفنية.
ولمزيد من التعرف على هذا العمل الفني العظيم ربما نلتقي بالشاعر في بعض روائعه قريبًا على صفحات «المجتمع».