العنوان صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (۳).. الاهتمام بالعقيدة والإيمان وحسن الخلق
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2013
مشاهدات 77
نشر في العدد 2039
نشر في الصفحة 58
السبت 09-فبراير-2013
الشباب هم حاضر الأمة ومستقبلها، لذا اهتم رسولنا الحبيب صلي الله عليه وسلم بتربيتهم تربية صالحة حكيمة ونحن في عصرنا هذا نرى هدراً كبيراً يفقد من طاقات الشباب، نظراً لضعف التربية وخوائها ، وغياب التربويين أو تغييبهم عن الساحة، وكذلك لإبراز أصحاب الأفكار الهدامة التخريبية.
وهذا كله يستلزم أن ننقب في تراثنا التربوي، وخاصة في تربية الرسول صلي الله عليه وسلم للشباب لعلنا نقتبس من هديه التربوي ما يفيد شبابنا، ويجعلنا نحسن توجيه طاقاته واستثماراتها، لا سيما بعد أن رأينا كيانات شبابية توجهها قوى سوداء، وتلبس ملابس سوداء، تهدم المؤسسات، وتحرق المساجد والمدارس والمستشفيات، وقد تجردت من الولاء والوفاء والانتماء لوطنها ودينها وقيمها .
ولأهمية الشباب وضرورة استثمار طاقاته وقدراته، أوصانا رسولنا الحبيب بهم خيراً ... يقول النبي صلي الله عليه وسلم : أوصيكم بالشباب خيرا فإنهم أرق أفئدة.. لقد بعثني الله بالحنيفية السمحة، فحالفني الشباب، وخالفني الشيوخ (رواه البخاري).
والناظر إلى الذين دخلوا الإسلام وآمنوا برسالة محمد وجاهدوا من أجلها، وضحوا وتحملوا في سبيل نشرها ... يجدهم شبابا .. فأول خليفة لرسول الله صلي الله عليه وسلم وأقرب الصحابة إليه الصديق أبو بكر .. يروى أنه دخل الإسلام وعمره سبع وثلاثون سنة وعمر بن الخطاب دخل الإسلام وعمره ست وعشرون سنة، وأسلم عثمان بن عفان وعمره عشرون سنة، وكانت سن علي بن أبي طالب ثماني سنين، ودخل عبد الرحمن بن عوف الإسلام في حدود الثلاثين، وأسلم أبو عبيدة بن الجراح وعمره ٢٧ سنة.. ولعل في هذه الحقائق ترجمة عملية وتفسيرا لقولهصلي الله عليه وسلم: فحالفني الشباب، وخالفني الشيوخ.
● مواقف من تربية النبي صلي الله عليه وسلم للشباب
يربي الشباب على العقيدة
فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلي الله عليه وسلم يوما، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وفي رواية الإمام أحمد : «احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ».
إنه هنا يربي على العقيدة وقوة الإيمان ذلك أن الإيمان هو أقوى زاد وعتاد يتزود به الشاب ويتسلح به، ويوجه إلى أن يحفظ الشباب حرمات الله، وأن يتجنبوا معاصيه وأن يتقربوا إليه بالطاعات والعبادات، لأن في ذلك لهم وقاية من فتن الدنيا وعذاب الآخرة، ولذلك فمن توجيهاته وهديه صلي الله عليه وسلم : وسبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة ربه
ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه (رواه البخاري ومسلم).
ولعلك تلحظ اهتمام النبي صلي الله عليه وسلم بغرس العقيدة الراسخة القوية في نفوس أصحابه من تحليلنا للمرحلة الزمنية التي قضاها صلي الله عليه وسلم في بعثته، فهو قد بعث في الأربعين من عمره، وعاش بعدها ثلاثة وعشرين عاما من نشر الرسالة، قضى منها ثلاث عشرة سنة، بمكة يربي أصحابه على العقيدة، وبعث الإيمان القوي في قلوبهم، ثم تبع ذلك بعامين في المدينة حتى نزلت أول آية تأمر المسلمين بقتال الأعداء بعد أن رباهم على العقيدة والجهاد وجهزهم، وقضى بعد ذلك ثمانية أعوام جنى فيها حصاد تربيته لهؤلاء الذين نشروا الإسلام وتربوا وربوا غيرهم على خلقه وقيمه فلقد كانت أول آية تأذن للمؤمنين بالقتال في السنة الثانية من الهجرة، وفيها يقول رب العزة سبحانه: ﴿أذن للذين يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظَلَمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (۳۹) ﴾ (الحج) .
وإذا كان النبي صلي الله عليه وسلم قد حذر الناس جميعا من إهدار نعمتي الصحة والفراغ، فإن الشباب هم الأوفر حظا في هاتين النعمتين ولذلك يتسلل إليهم شياطين الإنس والجن حتى يحولوا بين الشباب واستثمار هاتين النعمتين يقول صلي الله عليه وسلم : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ (رواه البخاري والترمذي وأحمد).
● تربية النبي صلي الله عليه وسلم للشباب على حسن الخلق
كما ربي صلي الله عليه وسلم الشباب على حسن الخلق فقال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس (رواه مسلم).
● ورباهم على العدل والاعتدل والخشية
وأرشدهم إلى المنجيات، فقال: «أما المنجيات فالعدل في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله تعالى في السر والعلن (رواه الطبراني).
● كما ربي على العفة
فلقد جاءه شاب يستأذنه في الزنا، فقال: یا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا : مه مه !! فقال: «ادنه فدنا منه قريبا، فجلس، فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: أتحبه لأمك؟»، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: «أفتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم»، قال: «أفتحبه لأختك؟»، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟». قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم»، قال: «أفتحبه لخالتك؟»، قال: لا والله، جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال : فوضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه فلم يكن بعد ذلك الشاب يلتفت إلى شيء (أخرجه الإمام أحمد).
إن الرسول صلي الله عليه وسلم هنا استخدم ما يسميه علماء النفس والتربية أسلوب الإقرار الذاتي، حيث ظل يسأل الفتى عما إن كان يحب أن يزني أحد بأمه أو محارمه، فكانت إجابة الشاب دائما بالنفي، أي أنه لا يرضى... والإقرار الذاتي هنا أن يضع المربي المتعلم في موقف يستلزم أن يقر بذاته بخطأ السلوك الذي يريد أن يسلكه وعدم رضاه على نفسه ومن ثم جعله يحكم على ذاته، ويستشعر حجم الجريمة التي يستأذن فيها النبي صلي الله عليه وسلم ، فربما يتصور الفتى أن الجرم بسيط إن هو وقع بالآخرين، لكن النبي صلي الله عليه وسلم هنا يريد أن يستثير وجدانه وحميته وغيرته على محارمه حتى يدرك حجم الخطيئة، فإن كان لا يقبلها على نفسه ومحارمه، فكيف يقبلها على الآخرين ؟!...
إنها تربية واقعية منطقية وجدانية مقنعة لا يستطيع الشاب أمامها إلا أن يستجيب لدعوة الحبيب المربي صلي الله عليه وسلم .
وفي هذا الموقف التربوي درس عظيم رب أن يتعلمه ويستفيد منه ينبغي لكل مرب وخاصة فيما يتعلق بفقه المعصية والتعامل مع العصاة.. إنني أتخيل الآن لو أن شاباً أتى إلى شيخ أو داعية أو مرب غير خبير، واستأذنه في الزنا .. وأحاول أن أتوقع كم كان سينال هذا الشاب من السخرية والتهكم والهجوم والتبكيت والتوبيخ هذا إن لم يكن هناك تعنيف بالضرب أو الطرد !!
لكن الرسول المربي العظيم صلي الله عليه وسلم أحسن التعامل مع الفتى برفق في وقت كان فيه القوم يزجرون الفتى، ولكنه صلي الله عليه وسلم أدناه - أي قربه - منه، ثم وجه إليه تلك الأسئلة التي قرأناها، ثم في كل مرة كان يذكره قائلا : «ولا الناس يحبونه لـ ..... ثم يختم النبي صلي الله عليه وسلم هذا الموقف التربوي، وذلك الحوار الرائع المدهش بينه وبين الشاب بأن وضع يده الشريفة على الشاب في رفق وحنان، وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه ... إنه يدعو له بالعفة، بعد أن رباه بالإقرار الذاتي، وفي ذلك درس آخر للمربين والآباء، إنه صلي الله عليه وسلم يعلمنا أمرا مهما، ألا وهو أن الهداية لأبنائنا لا يكفيها المهارات التربوية للمربي، وتنفيذه الأساليب التربية الفعالة، وإنما يجب - بالإضافة إلى ذلك - أن نلجأ إلى الله في الدعاء، لذلك دعا رسول الله صلي الله عليه وسلم للشاب فاستجاب الله سبحانه الدعوة نبيه، ومن ثم قال راوي الحديث: «فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء ! فأين نحن من هذه التربية الواعية الحكيمة الراقية التي لا يملك الشاب إلا الاستجابة لها ؟!
● نماذج من ثمار تربية النبوة
1- عبد الله بن عباس
روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكان دون الحلم، أنه قال: كان عمر رضي الله عنه يدخلني - أي في أيام خلافته - مع أشياخ بدر أي في المشورة)، فكأن بعضهم وجد في نفسه أي غضب)، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث قد علمتم أي ممن دعا له رسول الله صلي الله عليه وسلم : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فدعاني ذات مرة فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النصر)؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا .. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي : أكذلك تقول یا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلي الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ له، قال: ﴿ إذا جَاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ﴾ (النصر) فقال بعضهم امرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً فقال لي :اكذلك تقول يا ابن العباس ؟فقلت :لا قال : فما تقول؟ قلت: هو من أجل رسول الله صلي الله عليه وسلم أعلمه له قال﴿إذا جَاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ﴾
، وذلك علامة أجلك ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا ﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (۳) ﴾ (النصر).
٢ - سمرة بن جندب
لما خرج المسلمون إلى «أحد» للقاء المشركين، استعرض النبي صلي الله عليه وسلم الجيش، فرأى فيه صغارا لم يبلغوا الحلم، فأشفق عليهم النبي صلي الله عليه وسلم ورد من استصغر منهم، وكان فيمن ردهم «رافع بن خديج»، و«سمرة بن جندب» وقال الزوج أمه أجاز رسول الله صلي الله عليه وسلم رافعاً لما قيل له: إنه رام يحسن الرماية، فبكى سمرة وقال الزوج أمه أجاز رسول الله صلي الله عليه وسلم رافعا وردني مع أني أصرعه، فبلغ رسول الله صلي الله عليه وسلم الخبر، فأمرهما بالمصارعة، فكان الغالب سمرة، فأجازه صلي الله عليه وسلم .
٣- أسامة بن زيد
شارك أسامة بن زيد في غزوة الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم يستشيره ويطلب رأيه في المناسبات والحوادث المختلفة، وقد أمره على جيش إلى الشام، وكان بالجيش كبار القادة والصحابة من المهاجرين والأنصار، ولما استبطأ رسول الله صلي الله عليه وسلم خروجه وذكر بعض الصحابة صغر سن أسامة وحداثته نهرهم ثم أنفذ أبو بكر جيش أسامة بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم .
لقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم بعيد النظر، يربي الشباب بحنكة وحكمة وإبداع، فهو الذي يعرف أصحابه، ولقد تربوا في مدرسته، وكان يرعى بعضهم صغارا وصبية بتوجيهاته وتدريباته وتكليفاته، حتى رأيناهم يؤدون المهام العظام وهم لا يزالون فتية، فمن الذي يستطيع أن ينكر القدرات القيادية والقدرة على القيادة، واتخاذ القرار لدى من رباهم صلي الله عليه وسلم ، من أمثال أسامة بن زيد، ومعاذ بن عمرو، ومعاذ بن عفراء، وعمير ابن أبي وقاص .. وغيرهم الكثير ؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل