; النهوض بــ اللغة العربية اقتراح برسم التنفيذ | مجلة المجتمع

العنوان النهوض بــ اللغة العربية اقتراح برسم التنفيذ

الكاتب إبراهيم بدر شهاب الخالدي

تاريخ النشر الجمعة 01-يوليو-2016

مشاهدات 64

نشر في العدد 2097

نشر في الصفحة 70

الجمعة 01-يوليو-2016

اللغة هي مستودع ثقافة الأمم وسبيل وحدتها وعلامة تميُّزها ولذلك فهي تعتني بها وتصونها

لماذا أصبحت الأمة العربية لا تهمها مكانتها بين الأمم لا من حيث اللغة أو الاقتصاد أو القوة المادية والعسكرية؟

الأعاجم يعودون إلى بلادهم وهم يجهلون العربية تماماً.. بينما العربي سرعان ما يتقن لغة البلد الذي يسافر إليه خلال بضعة أشهر!

تحرص الأمم والشعوب الحية على لغاتها، كما تحرص على وجودها وعوامل قوتها ونهضتها سواء بسواء، فاللغة هي مستودع ثقافتها، وسبيل وحدتها، وعلامة تميُّزها؛ ولذلك فهي تعتني بها وتصونها من عوامل الفساد والفناء، وتمدها بأسباب البقاء والنماء، سبيلها في ذلك إبقاؤها حية فاعلة على ألسنة أبنائها، وفي الصحافة ووسائل الإعلام والمناهج التي تدرسها للطلاب في المدارس والمعاهد والجامعات، وتنفق في سبيل ذلك أموالاً طائلة من أجل تعليم الأجيال المتعاقبة من أبنائها لغة آبائهم وأجدادهم، كما تحرص على تعليم الأجانب والضيوف والسائحين الذين يفدون إليها لغتها، وتنشئ لذلك مراكز ثقافية محلية وأخرى تابعة لسفاراتها في مختلف دول العالم، وتعقد دورات مكثفة للراغبين في تعلم لغتها برسوم تشجيعية أو مجانية.. هكذا تصنع الأمم الحية التي تسعى لحفظ مكانتها بين الأمم، ولا سيما في هذا العصر الذي تصطرع فيه اللغات والثقافات.

ولكن الأمة العربية في هذا الأمر، كما في سائر القضايا الحيوية التي تتصل بالهوية والرسالة والمكانة، تمثل استثناء من الأمم الحية، فلا تهمها مكانتها بين الأمم؛ لا من حيث اللغة، ولا من حيث الاقتصاد، ولا من حيث القوة المادية والعسكرية، ولا سواها من الجوانب الفكرية والحضارية، بل اكتفت بسرد مآثر الأجداد في مختلف ميادين الحياة، والتغني بالماضي التليد، ورضيت بالتبعية الحضارية واستمراء الذل والهوان، وقد تنكرت لما خلفه الأجداد، ولم تحافظ عليه أو تواصل المسيرة من حيث انتهوا إليه، بل مالت إلى الدعة والخمول، وإلى استهلاك كل ما يَرِد إليها من منتجات الأمم الحية ومخلفاتها، فقلدت تلك الأمم في مأكلها وملبسها ولغتها وأنماط سلوكها، كما مالت إلى الانكفاء القطري على لهجاتها المحلية، إلى جانب استعمال اللغة الإنجليزية أو الفرنسية كلغة تخاطب رسمية بين الدوائر الحكومية والبنوك والمطارات والشركات وسواها.

اللغة «العرجمية»

من هنا نجد العرب المعاصرين في كافة أقطارهم، وعلى مختلف المستويات الفكرية والسياسية، وبسبب عقدة النقص التي يعانونها، وعقدة الأجنبي التي يتباهون بها، يتبارون بالرطانة باللغات الأجنبية، ويتبجحون في ذلك؛ لأنهم لا يتقنون اللغة العربية أصلاً، وسرعان ما ينزلقون في حديثهم للرطانة بلغة «عرجمية» مع الأعاجم، وهي لغة هجينة لا هي عربية ولا هي أعجمية، بل خليط من الأحرف والكلمات والإشارات؛ لا قواعد، ولا أصول، ولا معاني، ولا مباني، ولا ذوق ولا جمال، لغة أشبه ما تكون بلغة «الطرشان» أو لغة الحيوانات الداجنة! 

وهذا أمر بالغ الخطورة وشديد الغرابة من أمة دينها الإسلام وكتابها القرآن، وهو مخالف للدين ومجانب للصواب، بل يمثل حرباً ضروساً على اللغة والهوية والوجود، ويدل بوضوح على الخضوع لضغط الواقع والانهزام النفسي أمام الأجنبي، وعلى عدم الانتماء إلى هذه الأمة التي شرَّفها الله بالقرآن الكريم واللغة البيانية الفصيحة، التي تسمو في قوتها ومبانيها وتراكيبها على سائر لغات الأرض، وتبلغ الخطورة مداها حينما تستلم العمالة المنزلية مقاليد التعليم والتثقيف والتنشئة في ظل اللغة المشار إليها، وهو ما يعني التخلي تماماً عن اللغة العربية واستبدالها بتلك اللغة الهجينة.

ومما يثير الاستهجان في هذا الأمر؛ أن الأعاجم - وخاصة الآسيويين الذين يعيشون بيننا لفترات قد تصل إلى عشرين عاماً أو أكثر - يعودون إلى بلادهم وهم يجهلون العربية تماماً، وجل بضاعتهم منها كلمات غير مترابطة، تصاحبها حركات الأيدي والأرجل وبعض الانفعالات لتوضيح المقصود والتعبير عن المراد؛ لأنهم لم يجيدوا العربية، ولم يسمعوها صافية من أبنائها، والعرب يحدثونهم باللغة «العرجمية» التي سبق وصفها، ويجارونهم في حديثهم بها، فأنى لهؤلاء تعلم اللغة العربية وتوظيفها في حديثهم اليومي مع العرب؟! بينما العربي الذي يسافر إلى أمريكا أو أوروبا أو إلى أي دولة أجنبية، سرعان ما يتقن لغة البلد الذي يسافر إليه خلال بضعة أشهر؛ لأنه لن يجد من يحدثه بلغة هجينة، بل يسمع لغة البلاد الأصلية كما هي.

ولا ندري ما سر هذا التباين بيننا وبينهم؟ ولماذا هذا الجحود للغة شرفها القرآن الكريم، وفيها من القوة والبلاغة وحسن البيان ما تعجز عنه سائر اللغات؟!

لقد وقعت الدعوات المخلصة للنهوض باللغة العربية على آذان صماء، وعواطف باردة وقلوب فارغة، حيث لا غيرة ولا حرقة على اللغة العربية، ولا حرقة على مكانة الأمة ومستقبلها. 

تشريعات خاصة

لعل الاقتراح الذي نسوقه هنا، ونرجو ألا يقع على الآذان الصماء نفسها والقلوب ذاتها، يسهم في النهوض باللغة العربية ويرفع مكانتها محلياً ودولياً.. يقضي الاقتراح بإصدار تشريعات خاصة تُلزم العمالة الأجنبية الوافدة بتعلُّم اللغة العربية، سواء منهم المقيمون في بلادنا أم الراغبون في القدوم إليها، وضرورة التحدث بها تحت طائلة القانون، وإلا فليغادروا البلاد، أو عدم دخولهم إلا للزيارة المؤقتة، وهذا الاقتراح من شأنه متى تم تطبيقه تطبيقاً جاداً، أن ينشر تعلم اللغة العربية في دول القدوم نفسها، كباكستان والهند وأفغانستان وبنجلاديش والفلبين وسواها، فضلاً عن تعزيز مكانتها في بلادنا، وهو ما يعني النهوض بها وإعلاء شأنها لدى العرب والأعاجم على حد سواء، كما يعني نشر الإسلام بأيسر سبيل، إلى جانب تفهم القضايا العربية الكبرى لدى تلك الشعوب وتأييدها، كما من شأنه إنشاء آلاف المدارس التي تدرس اللغة العربية؛ وهو ما يعني بالتالي إيجاد آلاف الوظائف للعاطلين عن العمل من مدرسي اللغة العربية وسواهم من الإداريين، سواء في بلادنا أم بلاد الاستقدام، وهو ما يسهم بصورة مباشرة في محو الأمية لدى الملايين من الأعاجم، سواء منهم الذين يعملون في البلاد العربية، أم الذين يرغبون في القدوم إليها للعمل.

وأهم ما في الأمر أنه يعزز مكانة اللغة العربية بين اللغات الحية، ويضعها في موضع المنافسة والمزاحمة لتلك اللغات بقوة واقتدار، ولاسيما في البلاد التي ترتبط دينياً وحضارياً بالدول العربية، إلى جانب التخلص من اللغة «العرجمية» الهجينة المشار إليها، وتنقية اللسان العربي من الشوائب الدخيلة التي علقت به، فتنهض اللغة من جديد إلى مستويات تليق بها، وتليق بالإسلام الذي يخدمها وتخدمه.>

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

238

الثلاثاء 09-يونيو-1970

ذكرى حزيران.. النصر الذي ننتظره

نشر في العدد 14

117

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!