العنوان الداعية الشيخ محمد الغزالي في حواره مع «المجتمع»: إنني أحذر أمتي الكبرى من فناء ذريع يجتاحها مع هذا الاسترسال في الغفلة
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
مشاهدات 58
نشر في العدد 1065
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
الداعية
الشيخ محمد الغزالي في حواره مع «المجتمع»:
·
إنني أحذر أمتي الكبرى من فناء ذريع يجتاحها مع هذا الاسترسال في
الغفلة
- مع
سوء الفقه وسوء الحكم، خارت قوى المسلمين وذهبت ريحهم.
- إننا
رغم تقييد الأيدي وتكميم الأفواه.. سنهزم العلمانيين مهما كانت إمكانياتهم.
- لابد
من وارث شريف للحضارة الغربية المعتلة.
·
حرب الإبادة للمسلمين في البوسنة والهرسك هي أخس حرب وقعت في تاريخ
البشرية.
بعد رحلة
تقرب من الستين عامًا في حقل الدعوة والفكر والجهاد أمضاها الشيخ محمد الغزالي
-وهو يحيا خلالها بخلق المسلم وقذائف الحق وهموم الداعية- يعلن خلالها دائمًا محذرًا
أمتنا: كونوا قومًا صبحهم فانتبهوا واعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا...
هو رجل
-ولا نزكي على الله أحدًا- تتعلم من كتبه الخمسة والخمسين الكثير.. وتتعلم من قلبه
ما هو أكبر وأطهر.. تتعلم كيف تحيل الحرقة على الإسلام وأهله قلب صاحبها إلى كيان
يحيا لله وبالله.. وتتأجج نصرة الإسلام وقضاياه ملء عقله وقلبه ودمائه..
لا شك
أنه رجل لا يهدهد عواطف الجماهير.. فهذا ليس مسلك الأطباء المخلصين ولا الحكماء
المربين.. فهو -بكل إخلاص- يواجه الأمة بأدوائها، ويجتهد مع كوكبة من الرجال الذين
تربوا في مهاد الحركة الإسلامية المباركة في تقديم العلاج ويحاولون تقديمه منظمًا
رجاء البرء والعافية مهما كان العلاج مرًا..
ولد
الداعية الكبير عام 1917م في إحدى قرى محافظة البحيرة، وتخرج في كلية أصول الدين
عام 1941م، ثم حصل على العالمية مع الإجازة في الدعوة والإرشاد والعالمية مع
الإجازة في التدريس. وتاريخ الرجل في الدعوة عريض مبارك.. بدأه إمامًا وخطيبًا
بوزارة الأوقاف عام 1942م، وانتهى فيه رئيسًا للمجلس العلمي بجامعة الأمير عبدالقادر
الإسلامية بالجزائر.. مرورًا بالتدريس بالأزهر والكثير من جامعات الدول العربية
والإسلامية...
والشيخ
الغزالي -بارك الله فيه- واحد من أئمة المجتهدين في عصرنا، وقد أثارت بعض
اجتهاداته الكثير من الزوابع، لكنها جميعًا تظل ظواهر حركة وعافية في العقل
الإسلامي، الذي يبحث لنفسه عن سبيل لنصرة دينه وقضاياه في ظل الاحتكام الموفق إلى
مرجعية الاجتهاد في الشريعة الإسلامية..
يردد دائمًا:
"إن عقلي تربى في الأزهر، وإن قلبي تربى على يد الإمام الشهيد حسن البنا، ذلك
الرجل الذي علم أجيالنا كيف تحصن أنفسها وكيف تصلح صلتها بربها".
والقضايا
المثارة الآن على الساحة أكبر من أن يلتقط خيوطها حوار.. لكنها تتزاحم وتتدافع
عندما يكون محاورنا هو الشيخ الكبير محمد الغزالي..
المجتمع:
قبل أن نتطرق معكم إلى الكثير من القضايا الملحة التي تفرض نفسها علينا الآن..
نتساءل أولًا: ما السبب وراء إثارة كتاباتكم للكثير من الجدل والأصوات العالية؟
الغزالي:
أنا يا أخي أكتب كل ما أكتبه باسمي وما أرى فيه نصرة لديني وعقيدتي في هذه الأجواء
الغائمة الكلوح، ومن حق غيري أن يعقب عليّ وأن يعترض على كلامي ويصوبه، ولكن ليكن
ذلك في ظل التناصح الأمين في الله تعالى البعيد عن الأغراض والأهواء فأنا لست معصومًا،
ولكنني أرى أن المهارة الفقهية ليست في التحريم، ولكنها تكمن في فتح الأبواب التي
تستقيم بها الحياة ويتم من خلالها السير الأمين بالإسلام في ظل شرع الله تعالى.
بين الحدة والحرارة
المجتمع:
الشيخ الغزالي يردد قوله: "أنا عبد للحق وحده"، ومع ذلك نلاحظ أنكم
من أشد الناس في الخصومة الفكرية.. وبالذات في الآونة الأخيرة ظهرت هذه الحدة التي
لم تعرف عنكم في تاريخكم الطويل.. فما تفسير ذلك؟
الغزالي:
الحمد لله.. أنا عبد للحق وحده فعلًا... وأنا لا طاقة لي بالبقاء على خطأ إذا
استبان لي الصواب، ولكن هناك فرق واضح بين أن أكون حاد العاطفة وبين كوني حار
العاطفة؛ فالهزائم التي تلاحقت على أمتنا في ميادينها الكثيرة لم تدع للمرء فرصة
لبرود الأعصاب والدعة، خاصة مع المتدينين الذاهلين عن رسالتهم الذين تمتد بعض
عللهم لإصابة القلب الديني، وقلب شعب الإيمان رأسًا على عقب، وشغل الناس بمساحة
رحبة لا علاقة لها بالإسلام من أجل أمور لا ينقص الإسلام ذرة لو تركها الناس
أجمعون، وقديمًا قال «حافظ»:
لم
يبق شيء من الدنيا بأيدينا إلا
بقية دمع في مـآقـيـنـا
كنا
قلادة جيد الدهر فانفرطت وفي
يمين العــلا كنا رياحينا
كانت
منازلنا في العز شامخة لا
تشرق الشمس إلا في مغانينا
فلم
نزل وصروف الدهر ترمقنا شزرًا،
وتخدعنا الدنيا وتلهينا
حتى
غدونا ولا جاه ولا نسب ولا
صديق ولا خل يواسينا
لكني
-والحمد لله- أزعم أني رجل رقيق أحب الحلم والأناة؛ لأنهما خصلتان يحبهما الله
ورسوله، وأدرب نفسي على هاتيك الخصال.. لكني أفقد زمامي حين أجد المحامين الفاشلين
يبددون قضية الإسلام العادلة، وحين أجد الغالين والمبطئين والجاهلين يدخلوننا في
معارك لا ثمرة من ورائها إلا ضرب الإسلام في صميمه، وشتان يا أخي بين الحدة
والحرارة.
المجتمع:
لكننا نلاحظ النفس الهادئ الطويل الرحيب في كتاباتكم المباركة التي بدأت تظهر مؤخرًا
حول التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، فما تفسير الهدوء والسكينة هنا والشدة
القتالية هناك؟
المجتمع:
لكننا نلاحظ النفس الهادئ الطويل الرحيب في كتاباتكم المباركة التي بدأت تظهر مؤخرًا
حول التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، فما تفسير الهدوء والسكينة هنا والشدة
القتالية هناك؟
الغزالي:
هناك تنويم متعمد من البعض للغيرة الدينية عند المسلمين وتجهيل مقصود لمطالب
الإسلام الدفاعية، واختصار مرسوم للمساحات التي لا يزال للإسلام بها وجود، وهدوئي
وسكينتي لا تنتمي إلى هذه المسالك الخؤون بحال أبدًا، فأنا دائم الفضح لهؤلاء..
ودائم السد لأفواههم بالتراب، ومعنا في هذا الصف شرفاء مخلصون يفهمون دينهم
ويجيدون نصرته في الميادين التي يعز فيها الجهاد.
ولكن هل
يمكن أن أكتب عن "معركة المصحف" و"قذائف الحق" كما أكتب عن
"التفسير الموضوعي للقرآن الكريم" أو "المحاور الخمسة للقرآن
الكريم"؟ وهل حديثنا حول أمجاد الألوهية في سورة الأنعام كحديثنا حول أعداء
الدعوة في سورة براءة؟ وهل "خلق المسلم" يتم تناوله كتناولنا صيحة تحذير
من دعاة التنصير؟
ستظل
القتالية مطلوبة في مواقف، والهدوء والسكينة في أخرى، والجهود تتوزع بين عرض
الدعوة وسياسة الدعوة، ولكن ليظل الحق رائدنا في المواقف جميعًا، ونحن لا نتردد أبدًا
في الاشتباك مع خصوم الإسلام والكارهين للحق في هذه الحياة، والمهم عندي أن الدعوة
في حاجة إلى عناية وسقاية وحراسة، وأنها لن تؤتي أكلها إلا بعد يقظة وجهد كبير.
دوامة الأخطاء
المجتمع:
لكم العديد من الكتابات والجولات التي تنبه على سر تأخر العرب والمسلمين، وأن
هذا التأخر أطمع الغير فينا، وشر من ذلك أن هذا التخلف قد ألصق بالإسلام تهمًا
كثيرة؛ فما سبب هذا التأخر وما السبيل للخروج منه؟
الغزالي:
إن قصة إنشاء «إسرائيل» معروفة للجميع، حيث تجمع اليهود التائهون الذين كانوا كلابًا
شاردة في المدن والقرى والحارات ما يأبه بهم أحد.. لكنهم على ضلالهم صنعوا
بعقيدتهم الباطلة الكثير، ونحن بدون عقيدة سوف نكون أصفارًا تافهة في دنيا الإنتاج
والجهاد، وهذا هو السر في أن الله تعالى قال للمسلمين في أيام هزائمهم ومتاعبهم: ﴿وَلَا
تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ
يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَ﴾} (النساء:
104)؛ فليست المتاعب حكرًا على المسلمين، إن الله قد وزع المتاعب على الناس،
وشرفنا يكون عندما نتعب في سبيل الله فغيرنا متعب في سبيل الشيطان...
فلابد أن
يدرك الإنسان ذلك وهو يتحرك في خدمة دعوة منهزمة سقطت رايتها وضاعت خلافتها منذ
أكثر من سبعين سنة، حيث انقسم أهلها على سبعين جنسية في أرض الله ذات الطول
والعرض؛ ففي عصر الهزائم علينا أن نتعلم الرجولة قسرًا، وأنا أخيرًا سمعت من بعض
إخواننا أن الرغيف يدور على عدد من بيوت أهل الانتفاضة الفلسطينية المباركة...
التحامل مطلب أساسي الآن.
أما عن
سر التأخر.. فالأمراض أكبر من أن تكون أسرارًا، فهي كثيرة بين سياسية واجتماعية
وثقافية، وقد بدأت منذ قديم، ولكن دوامة الأخطاء لا تزال تنال منا أكثر مما تناله
منا سيوف الأعداء.. لكن الجسد الحي عليه أن يغالب الأمراض والجراثيم الوافدة
ويهزمها. وأنا دائمًا أكره الحديث الشاكي على طول الخط، وأريد الحديث الذي يبني،
ويعجبني في هذا المقام قول شاعر المهجر:
أيها
العائب أفعال الورى أرني
بالله ماذا تفـعل
لا
تقل عن عـمل ذا ناقص جئ
بأوفى ثم قل ذا أكـمل
إن
يغب عن عين سارٍ قمر فحرام
أن يلام المشعل
إن
الناس من حولنا يتجمعون على عقائدهم، ويتنادون بشعاراتنا، وإذا سمحنا لأسباب
الفرقة أن تنال منا فلا مستقبل لنا؛ لأننا لن نكون والغادرون جميعًا يتحالفون ضدنا
الآن.. فلماذا نتراخی؟
المجتمع:
ما الذي يأتي على رأس أولويات العمل الإسلامي لديكم؟
الغزالي:
ليست مهمة الدعاة تلمس الأخطاء وكشف أصحابها فقط، وإلا تحولنا إلى نقاد يشغلنا
الهجاء عن البناء.. الذي أراه أن نكدح في الميادين الداخلية لنعيد بناء أمة توشك
أن تتحول إلى أنقاض، وما أكثر هذه الميادين وأفقرها إلى العاملين! إننا لو انتصرنا
فيها ربحنا تسعة أعشار المعركة.
المجتمع:
يقول البعض إن السلطات القائمة في بعض البلدان الإسلامية سوف تمنعنا من هذا العمل..
فما الحل؟
الغزالي:
الفضل لله تعالى جل شأنه ثم للإمام الشهيد حسن البنا الذي علمنا كيف نفهم ديننا،
وكيف ننصره وندعو إليه، وكيف نرتب الأولويات. إن الأنبياء منعوا من قبل عن أداء
رسالتهم لكنهم مضوا في الطريق الطويل، يتحملون التكذيب والتعويق: ﴿وَلَقَدۡ
كُذِّبَتۡ رُسُلٌ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ
حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ﴾ (الأنعام:
34).
مضى
الأنبياء وأتباعهم يبنون ولا يهدمون، ويحسنون ولا يسيئون، مضوا في طريق التوعية
والتربية والإشراف على الحياة من مستواهم العالي، حتى تخير الله لهم مكان النصر
وزمانه، وكان ما قدر الله.
عاش من
عاش محققًا رسالته، ومات من مات موطدًا مكانته عند ربه.. والذي يشكو من طول هذا
الطريق.. ليعلم ثم ليعلم أنه لا طريق غيره. قد يكون غيره عاجل الثمار براق المأخذ،
لكنه لا يقوم على أركانه الراسخة، ولا يتمكن من نفسه العميق.
وفي هذا
السياق، أنا أعرف أن هناك عددًا من الحكومات مرتد عن الإسلام يقينًا، وأنه لن يدخر
وسعًا في مقاومة المد الإسلامي وفتنة أهله؛ وعلاج ذلك يتم بالتزام الخط الذي رسمه
الأنبياء، والصبر على لأوائه وضرائه، فهو وإن طال المدى أقصر الطرق إلى الوصول،
وأولاها برعاية الله، وأبعدها عن الأطماع والشبهات.. وهو الطريق الأصعب في
التكاليف والأعباء.. وقد رأيت أعداء الإسلام يرقبون هذا الخط بحذر، ويرون أصحابه
هم الأعداء الحقيقيون لهم.
الدولة في الإسلام
المجتمع:
لكن البعض يرى الخير في اختصار الطريق، خاصة مع ما للدول والحكومات اليوم من
قدرة مع التغيير السريع والإصلاح الشامل؟
الغزالي:
لست أنكر قيمة السلطة في اختصار المسافة وإقرار المعروف ومحو المنكر، وإني لأعلم
أن الدولة جزء من الدين، وأن أجهزتها الفعالة جزء من شُعب الإيمان، وكون الحكم من
شعائر الإسلام حقيقة لا يماري فيها إلا جاهل أو حاقد. ولكن قصة خدمة الإسلام عن
طريق الانقلابات والثورات راودت أناسًا لهم إخلاص وليست لهم تجربة، ولم تنجح من
سنين طويلة، ورأيي أنها لو نجحت فإلى حين؛ لأن الجهاد الحقيقي لابد أن ترجع فيه
إلى الإصلاح الشعبي عن طريق الشعوب نفسها، لا عن طريق الأوامر الرسمية. لابد من
البدء بتنظيف الشعوب من الأقذاء وإحداث تغيير جذري في الأخلاق والعادات.. إن
الدولة في الإسلام صورة ظاهرة لباطن الأمة، وهذه الميادين التي سبق الإشارة إليها
قد هزمنا فيها حيث لا عصا للحاكم الجائر في معظمها.. لابد من التغلغل في الأسواق
والميادين والمنظمات والنقابات لإحياء كلمات الله وإنفاذ وصاياه.
المجتمع:
نريد نظرة مستقبلية لهذا الطريق الذي تفضلتم ببيانه؟
الغزالي:
لابد من وارث شريف للحضارة المعتلة، وإذا كان حملة الوحي الإلهي ليسوا أهلًا لهذه
الوراثة فهيهات أن يقودوا.. إن الزمام الذي أفلت من أيدينا وهو -إن شاء الله- عائد
إلينا مهما طال الزمان أو قصر.. لن يعود حتى تختفي من بيننا أوهام كثيرة؛ لأن
الفوضى الداخلية عندنا هي التي سببت لنا هذا البلاء.. النظرة المستقبلية لابد وأن
تحاط الآن باليقظة، حيث يتنفس الحقد القديم ضد أي دولة ترغب في إعادة التشريع
الإسلامي.
إن كل ما
في العالم الآن من شرور يمكن أن يعالج بكلمة "الله محبة"، إلا الإسلام
فيجب أن يعالج بأن "الله كراهية"!
وعن
النظرة المستقبلية التي ترنو إليها أفئدتنا وأبصارنا، لابد أن تدمى في سبيلها
أظافرنا، وأن نجهد في التنقيب عنها، خاصة وأنه ليست هناك أبوة روحية وثقافية تعنى
بالإسلام، ولن يفيدنا في هذا السبيل مخلص أحمق ولا عالم مفتون.
نحن الآن
في معركة العقل والقلب والقلم وكل وقت له أوانه.. وسوف يأتي اليوم الذي يوضع فيه
القلم في مكانه ويتجرد السيف من غمده، وعلى كل أهل تخصص أن يحسنوا جهادهم، وأن
يوثقوا صلتهم بالله في رحلة من الجهد العقلي الذي يفتق الحيل ويقدم البدائل الحسنة
ويرشد الحيارى في خدمة دينهم، مهما كانت الطرق مسدودة وليست لدينا القدرة على
تكسير السدود.. وأنا وغيري من إخواني وأساتذتي قد وضعنا مئات الكتب التي تعالج هذا
المستقبل المنشود، فنحن الآن في معركة البقاء.
الشورى بين الإعلام والإلزام
المجتمع:
تمثل قضية الشورى محورًا أساسيًا في فكركم، وتحتل مساحة كبيرة من أحاديثكم...
فماذا عنها من ناحية الإعلام والإلزام؟
الغزالي:
إن علماء الدين الذين يشغبون على الشورى ليسوا علماء ولا متدينين، إنما هم قذى يجب
تنحيته عن الطريق. ورغم أن بعض كتب التفسير والتاريخ توضح أن الشورى عند الحاكم
بالخيار، لكنني وضحت في كتابي «فقه الدعوة» أن الرسول ﷺ قد التزم الشورى؛ فكيف
أقوم أنا الآن بالقول للحكام إن من حقكم ألا تلتزموا بالشورى؟ (ثم يتهكم الشيخ
الغزالي قائلًا): هذا معناه "تفضل يا فرعون اشتغل"!
وأنا قد
شرحت هذه القضية في كتب لي مستقلة وفي غيرها في ثنايا الكتب الأخرى، وأقول لك إن
رياضة الجماهير على قبول الضيم بفتاوى شرعية قد أفقد الشعوب ملكة الشجاعة ووطأ
ظهرها للاستعمار الخارجي. ومعلوم أن أمتنا تعاني من الاستبداد السياسي من عدة
قرون، والله يقول لنا: ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ﴾ (الشورى: 38). فعندما
يأتي شارح ليقول هذا مع الاحتفاظ للسلطان بحق مخالفة الشورى والمضي وفق هواه، نقول
له: هذا الكلام ليس نصحًا لله ولرسوله وكتابه وعامة المسلمين وخاصتهم.. إنه قرة
عين للجبابرة الذين ساقوا الجماهير بالسياط.
المجتمع:
ننتقل إلى نقطة أخرى قد تكون بعيدة عن مسار هذا الحوار، لكنها مفروضة علينا بقوة
السلاح ومكر التآمر العالمي والخلل الداخلي لدينا.. مأساة المسلمين في البوسنة
والهرسك.
الغزالي:
سؤالكم يلخص المأساة، فهي أخس حرب وقعت في تاريخ البشرية، يشترك فيها خصوم فجرة
كالصرب الأرثوذكس، وخصوم كهنة يوارون في إعلان الخصومة لكنهم يتآمرون بدناءة على
منع السلاح عن المسلمين حتى يموتوا جميعًا عزلًا دون سلاح. وهذه المأساة تذكرنا
بأيام الفناء الأخير للمسلمين في الأندلس والأيام الأخيرة لتهاوي الخلافة
العثمانية والتي يشير إليها شوقي -رحمه الله- في قصيدته:
يا
أخت أندلس عليك سلام هوت
الخلافة عنك والإسلام
نزل
الهلال عن السماء فليتها طويت
وعم العـالمين ظلام
«عیسی»
سبيلك رحمة ومحبة في
العالمين وعصمة وسلام
ما
كنت سفاك الدماء ولا امرأً هان
الضعاف عليه والأيتام
خلطوا
صليبك والخناجر والمدى كل
أداة للأذى وحمام
إلى آخر
ما قال -رحمه الله: وأنا أتوقع بضياع البوسنة ستضيع مقدونيا وكوسوفو وألبانيا..
ويتجهون إلى القسطنطينية.. إذا ما ظل الحال هو الحال، هذا غير التنصير الحالق
المحيق بهذه الأمة الجريحة.
المجتمع:
وماذا عن الهجمة التي من الداخل من بقايا الشيوعية والعلمانيين الكارهين للصحوة
الذين يصدرون للناس «الإلحاد» باسم التنوير ومجابهة الإرهاب؟
الغزالي:
هؤلاء حمقى وجهلة، وشخصيًا لا أجد فيهم عقلًا ناضجًا بل مجموعة من العملاء والخونة
يتنادى بمصالحهم وحماية سرقاتهم وأنفسهم الفارغة، وأنا لا أخافهم.. فرغم أساليبي
القاصرة وقدرتي المحدودة وأرجلي المكبلة وفمي المكمم، سأعرف كيف أهزمهم -بإذن الله
تعالى- حتى وإن حيل بين الناس وبين كتابي الإسلامي وبيع كتابهم بخمسة وعشرين قرشًا.
وأنا هنا أتحدث كمسلم يقف داخل الصف لا عن شخصي الضعيف، فهم ينتهزون فرص أخطاء
البعض للهجوم على قلب الإسلام ذاته.. والدين نفسه، ولكن هيهات لأوهامهم المريضة.
الشلل العضوي
المجتمع:
لعل هزائمنا ترجع إلى عدم التقدم، وعدم ملكية أدوات العصر، خاصة والصحوة الإسلامية
الآن تدق كل باب؟
الغزالي:
أما عن الصحوة الإسلامية فهذا صحيح، ولكننا مصابون بشلل عضوي في أجهزتنا الخلقية
وملكاتنا النفسية يعوق جماهيرنا عن الحراك الصحيح؛ وعلاج الأعطاب الشديدة لا يتم
بالكلام البليغ أو النصح المخلص، لابد من إزالة أسباب الخلل ومن إعادة الأوضاع إلى
أسسها السليمة مرة أخرى: ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ
لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ﴾ (الروم: 30).
لابد من
عودة سلطان الأخلاق إلى عروشه وبناء الأمة من الداخل، وأرى أنه لابد من تصنيف
الأخلاق وفق مقتضيات العصر؛ فهناك أخلاق تشرح بدقة التعامل بين الحكام والجماهير،
وأخرى بين الجنسين في شتى الميادين، وأخرى بين العمال وأصحاب العمل، أو بينهم وبين
العمل نفسه؛ وفي الإسلام مدد لا يفيض لهذه الغايات كلها. وأحب أن أقول لإخواني: لا
يزال الإنسان هو العنصر الأول للنجاح في كل ميدان، والآلة تجيء في المنزلة
الثانية. إذا كنا في ساحة عسكرية، فعلينا الأخذ بكل التدابير الممكنة المعقولة قبل
فوات الأوان، ونستيقظ قبل أن نرشح للموت. إن العدو الذي قاتلنا أيام الرسول في
مؤتة، هو هو الذي يقاتلنا اليوم في البوسنة والهرسك، ويحاول أن يلدغنا لدغة الموت
في كثير من الأقطار.
المجتمع:
ألا ترون أن هذه النظرة أقرب إلى التصوف في معالجة القلوب والنفوس والوجدان؟
الغزالي:
معركتنا ليست حول العناوين، تعنينا الأصول التربوية التي تقطع أطماع البشر في غير
الله سبحانه وتعالى، وتقبل بهم على ساحته سبحانه وتعالى منه يطلبون وعليه يعتمدون.
وأنا في بعض كتبي سميت التصوف "علم الإحسان" أو "علم القلوب"
أو "الجانب العاطفي في الإسلام"، وأنا هنا مسبوق برجلين من أعمدة العلم
السلفي هما «ابن تيمية وابن القيم»؛ فلابن تيمية جزءان في فتاواه الكبرى عن
"علم القلوب"، ولابن القيم «مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك
نستعين». وأذكر أن المرحوم الأستاذ البهي الخولي عندما كان يقرأه علينا في معتقل
الطور، كان يحملنا به إلى السحاب.
نحن لا
تعنينا العناوين في شيء أبدًا.. الذي يعنينا هو علاج ذلك الجفاف المسعور السائد
الآن في حريق المطامع المادية، والذي جاء إلينا نتيجة لهجرة المسلمين لعلم القلوب،
وأصبح الدين عند بعضهم مظاهر وأشكالًا. وأنا رغم أنني سلفي أصيل، إلا أنني أحب
الصالحين والتابعين، وأحتفي بالخلف كما أحتفي بالسلف، وانتسابي دائمًا إلى المنهج
النبوي الكريم.. وقد سألني أحد الناس يومًا: أتتبع رسول الله أم تتبع أبا حنيفة؟
فقلت له موضحًا: أنا أتبع كلام رسول الله كما فسره لي أبو حنيفة.
الدولة والدعاة
المجتمع:
كيف تنظرون إلى العلاقة المشكلة بين الدولة والدعاة على امتداد رقعتنا العربية
والإسلامية؟
الغزالي:
إنني أؤمن بأنه من الممكن جدًا أن يكون بين الدولة والدعاة "شعرة
معاوية"، فلا يستعجل المعركة أحد.. والضراوة التي نراها الآن من بعض الحكام
المسلمين في مقاومة الدعاة وأبناء الصحوة يمكن أن تهدأ بعض الشيء بالزهد الحقيقي
في مزاحمة هؤلاء المتحكمين في دنيا عندهم؛ وأنا أقول هذا للأسف الشديد لأننا ضعفاء
مستهلكون ممزقون، فأي نظام دولي -بنفسه أو بأدواته- لن يعطي هؤلاء إلا ما ينتهي
إلى تحقيق أهدافه هو لا أهدافهم هم. وليس بين الحق والباطل إلا ما ذكره الله
تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمۡۗ﴾} (البقرة: 120).
والخطط
في هذه المسالك واضحة ومخيفة، ولكن على الحركات الإسلامية أن تتآخى وتذوب مع قلب
الإسلام وحده، وألا يدركها القنوط أبدًا من شدة التضييق أو طول التدويخ. والعرب
خصوصًا لديهم الكثير جدًا لخدمة دينهم في دنياهم المهيضة، ولا أريد أن أتحدث هنا
حديثًا يوجع البعض؛ فإذا كانت الحملات القادمة من أوروبا والغرب تعوم في دمائنا..
فهل أمامنا إلا رأب الصدع وإعداد الحصون؟
المجتمع:
وماذا عن شهادتكم الأخيرة أمام محكمة أمن الدولة العليا بخصوص قضية فرج فودة،
وفتواكم بخصوص فرضية الجهاد في هذا العصر؟
الغزالي: ما قلته أحكام شرعية مقررة لا ينكرها إلا منافق أو جاهل ولا يجحدها إلا معاند، ويجب أن يفهم ما قلته في إطاره الصحيح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل