العنوان العلامة توفيق الشاوي تسعون عامًا من الصبر والجهاد
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 18-أبريل-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1848
نشر في الصفحة 30
السبت 18-أبريل-2009
إنه الموت، هو فقط الموت، الموت وحده هو الذي جعل الدكتور توفيق محمد إبراهيم الشاوي يترجل من فوق صهوة جواد جهاده الطويل في سبيل الله بعد أن جاوز التسعين عامًا، ظل هذا الفارس قوي الشكيمة، عالي الهمة، لا تكاد البسمة تتسلل لتخفف شيئًا من صرامة قسمات وجهه حتى تغادره مسرعة، عركته الحياة بمرها أكثر مما عركته بحلوها، ولكنه عركها هو أيضًا بصبر لا ينفد، وقلب لا يجزع، وإيمان لا يتزحزح وشجاعة لا يتطرق إليها الوهن من أي باب.
بدأ مشواره الطويل في كتاب قريته «الغنيمة» فحفظ نصف القرآن الكريم وهو في السادسة من عمره ثم أتم حفظه عندما كان في المرحلة الابتدائية
عركته الحياة بمرها أكثر مما عركته بحلوها ولكنه عركها هو أيضًا بصبر لا ينفد وقلب لا يجزع، وإيمان لا يتزحزح وشجاعة لا يتطرق إليها وهن
جهوده.. السياسية والقانونية والخيرية داخل مصر وخارجها في العديد من بلدان العالمين العربي والإسلامي وبخاصة في بلدان المغرب العربي الكبير معروفة للكافة
في كلية الحقوق جامعة فؤاد حدثت النقلة الكبرى التي حددت معالم حياته حتى نهايتها.. إذ التحق بجماعة الإخوان المسلمين.. وبقي وفيًا لعهده ملتزمًا به إلى أن لقي وجه ربه
فصل من الجامعة واعتقل مع الإخوان المسلمين سنة 1954 وبقي في السجن حولين كاملين بعد أن ذاق أصناف العذاب
كان الجهاد ضد الاستعمار هو المجال الأول الذي أخذ القسط الأكبر من حياة العلامة الشاوي مقدمًا نموذجًا نادرًا للعالم العامل المجاهد
قام بتوثيق صلة الحاج أمين الحسيني بالإخوان ونجح في تهريبه من سجنه في باريس بمعاونة أشخاص لم يفصح عن أسمائهم إلى أن لقي ربه..
عام 1958م انتقل إلى المغرب بناء على طلب من الملك محمد الخامس وحكومته ليعمل مستشارًا بالمجلس الأعلى للقضاء.. وكان حلقة الوصل بين المغرب وزعماء الثورة الجزائرية
كان آخر ما سمعته منه أن المقاومة هي طريق حرية فلسطين وستنتصر وإن طال الزمن وستعود لأهلها حتى لو تحالفت أوروبا وأمريكا وأتباعهم في بلادنا للقضاء على المقاومة
مؤلفاته وكتاباته الغزيرة تعد ثروة فكرية وفقهية وسياسية قل نظيرها لدى أي من العلماء والمفكرين خلال نصف القرن الماضي
عندما سجنه عبد الناصر في السجن الحربي باعتباره من قيادات جماعة الإخوان المسلمين سنة ١٩٥٤م وطلب منه كتابة رسالة تأييد مقابل إطلاق سراحه، استجاب، ولكنه بدلًا من أن يكتب رسالة تأييد، كتب وهو في السجن الحربي رسالة هجومية شديدة اللهجة، أنهاها بتوقيعه «توفيق الشاوي جدا»!! أضاف كلمة «جدًا» بعد لقبه «الشاوي» لتكشف هذه الإضافة البسيطة في مبناها العميقة في معناها عن العملاق الذي تنطوي عليه نفسه الحرة، ولتزيح جانبًا من الستار الذي كان يغطي آنذاك روحه الوثابة، وعزيمته الفولاذية الأبية.
كان أكثر الناس في ذلك الزمن ترتعد فرائصهم من سيرة السجن الحربي، ومن سجانيه، وكان «الشاوي» في ذلك الزمن نفسه يذكر عبد الناصر وهو في قمة مجده، وعز صولجانه بأنه لا يرفض فقط تأييده، وإنما يتوعده، مستخدمًا معنى لقبه الذي يشير إلى القوة التي تحرق من يتصدى لها، وذلك بتوقيعه على الرسالة التي كتبها ليقول لعبد الناصر أنا «الشاوي جدًا»، ولست «الشاوي» فقط.
ومرت السنون والأيام، وخرج الشاوي من المعتقل، ومات عبد الناصر، ومات أغلب أبناء جيله، وبقي الشاوي ليعمر طويلًا وليبلي بلاءً حسنًا في سبيل أمته العربية والإسلامية سبعين سنة متواصلة، لم يؤخذ عليه فيها يومًا أنه وقف موقفًا يجلب الندم.
وفي عشرات آلاف الصفحات التي كتبها لم يخط بيمينه كلمة لا يحسن بالحر أن يرسمها بالقلم، أو تطرح في نفس كاتبها ولو بعد حين الألم.
فاضت روح العلامة توفيق الشاوي إلى بارئها يوم الأربعاء الموافق ۱۲ ربيع الآخر ١٤٣٠هـ/ ٨ أبريل ٢٠٠٩م، وكان مولده في قرية الغنيمية/ مركز فارسكور بمحافظة دمياط يوم 9 محرم ١٣٣٧هـ/ ١٥ أكتوبر ۱۹۱۸م. وقد حكى لي فيما حكى -وما أكثر ما حكى لي، وما أكثر ما تعلمت منه، وما أشد تقصيري في حقوقه علي- قال: «والدي كان فلاحًا يملك عشرة أفدنة في زمام قرية الغنيمية، وعندما ولدت تمهل كثيرًا في إثبات اسمي في سجل المواليد، خشية أن أموت سريعًا وأنا طفل صغير، وبلغ تأخره عدة سنوات، ثم سجلني، وسقطت تلك السنوات من حساب عمري عند الحكومة».
عاش العلامة الشاوي أكثر من تسعين عامًا بحساب سجلات الحكومة، وأكثر من ذلك ببضع سنوات بحسب سجلات الحقيقة، ويبدو أن «الهمة العالية» تولد مع صاحبها ولا تكتسب، أو هكذا تقول لنا سيرة العلامة الشاوي ومسيرته الحافلة بجلائل الأعمال الجهادية، والعلمية، والتعليمية، والاقتصادية، والسياسية، والقانونية، والخيرية، داخل مصر وخارجها في عديد من بلدان العالمين العربي والإسلامي، وبخاصة في بلدان المغرب العربي الكبير.
سيرة العلامة توفيق الشاوي المفعمة بالأمل والمتعالية على الألم، ومسيرته الطويلة على درب العلم والجهاد والعمل، تقول لنا: أنه كان رجلًا «عالي الهمة»؛ لم يهدأ له بال في حياته الطويلة قبل أن يصل إلى أعلى قمة، ولم يكن يدخر جهدًا لديه اليوم إلى عمل يكون فيه غدًا، ولم يعرف عنه أنه التمس يومًا علة ليدخر بذريعتها همة، ولم يركن يومًا واحدًا ولا ساعة من نهار «إلى الذين ظلموا»، وكثيرا ما كان يردد قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: 113)
بدأ العلامة الشاوي مشواره الطويل في كتاب قريته «الغنيمية» فحفظ نصف القرآن الكريم على يد الشيخ «علي حواس»، وهو في السادسة من عمره، ثم انتقل إلى مدينة المنصورة، ليلتحق بالمدرسة الابتدائية، وفاجأ والده بأن طلب منه أن يختار له شيخًا ليكمل معه حفظ القرآن الكريم بعد أن فارق شيخه «علي حواس»، فاختار له «الشيخ شمس الدين»، وأتم على يديه حفظ كتاب الله كاملًا، قبل أن ينتهي من المرحلة الابتدائية، ثم انتقل إلى القاهرة في مطلع الثلاثينيات، والتحق بالمدرسة الخديوية الثانوية، في السنة الثانية أصيب هو وأخوه أحمد بالحمى، فمات أخوه وبرئ هو.
وفي السنة الثالثة أصيب بالتهاب رئوي حاد ألزمه مستشفى السل بحلوان مدة عام كامل، وخرج بعد انتهاء الامتحانات، ولكنه أصر على دخول امتحان الملحق، فدخل ونجح بتفوق، ثم شده الحنين إلى المنصورة فعاد إليها، ليحصل منها على شهادة البكالوريا سنة ۱۹۳۷م بترتيب الثالث على المملكة المصرية.
تمنت نفسه الالتحاق بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول «القاهرة الآن»، وخاصة أنه إلى جانب حفظه للقرآن الكريم، كان يحب قراءة كتب الأدب والشعر والتاريخ، وقرأ في صباه الباكر كتب الإمام محمد عبده، والأفغاني ودواوين أمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ إبراهيم، وكتب الرافعي والمنفلوطي، وغيرهم.
ولكن «ما كل ما يتمنى المرء يدركه» فعمه إبراهيم الشاوي لم يشجعه على ذلك بحجة أنه سيصبح مدرسًا مثله إن هو دخل كلية الآداب وحثه على الالتحاق بكلية الحقوق «التي يتخرج فيها الوزراء والقادة» ولكن الكلية تحتاج إلى رسوم قدرها ثلاثون جنيها، ونصحه عمه بتقديم طلب للالتحاق بالكلية مجانًا، فقبل طلبه لتفوقه في البكالوريا، ومن ثم عاد إلى القاهرة ليواصل دراسته في كلية الحقوق ويتخرج بتفوق بترتيب الثاني بعد زميله «محمود جمال الدين زكي».
النقلة الكبرى
وفي كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول حدثت النقلة الكبرى التي حددت معالم حياته حتى نهايتها إذ التحق بجماعة الإخوان المسلمين عن طريق طلاب الإخوان في الكلية نفسها وهو في السنة الأولى ۱۹۳۷ -۱۹۳۸م، وبقي وفيًا لعهده ملتزمًا به إلى أن لقي وجه ربه، محتسبًا ما ناله من عنت ومحن بسبب انتمائه هذا عند الله؛ فقد فصل من التدريس بالجامعة واعتقل مع الإخوان المسلمين سنة ١٩٥٤، وبقي في السجن حولين كاملين إلى أن أفرج عنه سنة ١٩٥٦م، بعد أن ذاق أصناف العذاب، وتعرض لأقسى الانتهاكات التي حاولوا أن ينالوا بها من عزيمته، أو أن يحطموا معنوياته حتى إن جلاديه كانوا يُكرهونه على تنظيف دورة المياه بيده فيفعل وهو يقول لبعض إخوانه: «يا صاحبي السجن كم كتبت يدي هذه مقالات وبحوثًا في القانون، وفي فلسفة العقوبات، وفي قانون الإجراءات الجنائية، وفي حقوق المعتقلين».
مشيرًا إلى سلسلة مقالاته الشهيرة التي كتبها ونشرها في جريدة «المصري» «لسان حال الوفد القديم آنذاك» قبل اعتقاله، وكانت بعنوان: «حقوقك إذا اعتقلت»، ونشرتها الصحيفة في خمس حلقات بتواريخ ١٠، و۱۲، و١٤، و١٨، و٢٦ من مارس سنة ١٩٥٤م، وهي من أنفس ما كتب دفاعًا عن حقوق الإنسان بأسلوب أدبي قانوني، أو قانوني أدبي راق، وكان زبانية التعذيب يتندرون بها عليه ويقولون له وهو كالأسد حبيس القفص: «ستأخذ حقوقك كاملة يا شاوي»، ثم يأمره أحدهم بمواصلة العمل في تنظيف دورة المياه بيده التي كتبت تلك المقالات!! «ألا لعنة الله على الظالمين».
وكيلًا للنيابة
قبل أن يُعين مدرسًا في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول، عمل العلامة الشاوي سنتين وكيلا للنيابة ١٩٤٢- ١٩٤٤م، تنقل فيهما بين نيابات المنصورة، والسنبلاوين، والمنزلة، وبعد تعيينه في كلية الحقوق عاد للقاهرة ليذهب سنة ١٩٤٥م هو وزميله محمود جمال الدين في بعثة دراسية إلى فرنسا، وحصل على دكتوراه الدولة من جامعة باريس سنة ١٩٤٩م في موضوع: «النظرية العامة للتفتيش في القانون الجنائي الفرنسي والمصري»، وقد نالت هذه الرسالة جائزة التفوق من جامعة باريس ونشرتها جامعة فؤاد الأول «القاهرة» سنة ١٣٧٠هـ/ ١٩٥٠م، مع مقدمة للبروفيسور «هوجيني»، أستاذ القانون الجنائي بجامعة باريس، وعاد الشاوي من باريس سنة ١٩٥٠م ليستمر في عمله أستاذًا بحقوق القاهرة إلى أن فصله ثوار يوليو مع من فصلوا من الجامعة واعتقلوا سنة ١٩٥٤م.
نصف قرن من العمل الإسلامي
ليس من اليسير الحديث عن أي جانب من جوانب سيرة العلامة الشاوي بمعزل عن بقية جوانبها، فقد بدأ انخراطه في العمل العام بالتحاقه بجماعة الإخوان المسلمين وهي تخطو خطوتها الثانية سنة ۱۹۳۸م بالدخول المباشر في معترك الحياة السياسية استنادًا إلى قاعدة واسعة من طلاب الجامعة المصرية حتى أطلق عليها في الأربعينيات من القرن الماضي حركة الأفندية لكثرة الذين اجتذبتهم من طلاب الجامعة الحديثة، وليس من جامعة الأزهر العتيقة على ما كان متوقعًا من حركة تدعو الناس إلى العودة إلى منابع الإسلام الصافية باعتباره دينًا ودولة، ومصحفًا وسيفًا مصلتًا على رقاب الاستعمار الأجنبي، وعمل الشاوي أول ما عمل في صفوف الإخوان المسلمين في قسم الاتصال بالعالم الإسلامي» الذي أنشأته الجماعة لمتابعة قضايا التحرر والجهاد ضد الاستعمار.
يقول الشاوي في مذكراته: «نصف قرن من العمل الإسلامي 1945- ١٩٩٥م»: «عندما كنا نتكلم عن إحدى قضايا العالم الإسلامي فإنها كانت جميعًا في نظرنا قضية واحدة؛ هي قضية الوحدة والحرية للمسلمين جميعًا.. وكانت أولها وأهمها قضية فلسطين».
كان الجهاد ضد الاستعمار هو المجال الأول الذي أخذ القسط الأكبر من حياة العلامة الشاوي، مقدمًا نموذجًا نادرًا للعالم العامل المجاهد، وفي البدء كانت فلسطين، وظلت على لسانه حتى آخر لحظة استطاع فيها أن ينطق به، وبعد أن ثقل عليه النطق كان يشير إليها بيده عندما يشاهد نشرات التلفزيون وهي تبث صور المذابح التي يرتكبها جيش العدوان الصهيوني ضد أبناء غزة، ودموعه تنهمر وهو مقعد على كرسيه المتحرك.
وكان آخر ما سمعته منه أن المقاومة هي طريق حرية فلسطين، وستنتصر وإن طال الزمن، وستعود لأهلها حتى لو تحالفت أوروبا وأمريكا وأتباعهم في بلادنا للقضاء على المقاومة، فمآلهم إلى الفشل، ومآل المقاومة إلى النصر بإذن الله.
في سبيل حرية فلسطين أنفق الشاوي قسمًا من جهده وبذل من أجلها جانبًا من جهاده، وأسندت إليه قضيتها كمهمة أساسية له في قسم الاتصال بالعالم الإسلامي، وقبل أن يسافر إلى باريس في البعثة، أفهمه الشيخ حسن البنا -يرحمه الله-: «أن قضية فلسطين ستبقى هي مهمته الأولى»؛ حيث كان الحاج أمين الحسيني المفتي الأكبر معتقلًا في فرنسا تحت الإقامة الجبرية، وبالفعل لازمه الشاوي في باريس بدءًا من سنة ١٩٤٦م، ونجح في توثيق صلته بالإخوان إلى أن نجح في تهريبه إلى مصر بمعاونة أشخاص لم يفصح الشاوي عن أسمائهم إلى أن لقي ربه، ثم واصل الشاوي جهاده في سبيل تحرير البلدان العربية، وخاصة: فلسطين، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب.
ونشرت مجلة «الرسالة» لصاحبها أحمد حسن الزيات أولى مقالات الشاوي، وكانت عن تلك القضايا، وكانت أولها عن فلسطين، وثانيتها عن الجزائر بعنوان: «طلائع المجد الطريف في أفريقيا الشمالية: ماذا فعلتم من أجلهم؟» «الرسالة العدد ٦٣٠، 30/ 7/ 1945»، ثم عن قضية ليبيا مقالة بعنوان: «وطن الأحرار في سوق العبيد» «الرسالة، العدد ٧٣٥، ٨ سبتمبر ١٩٤٧م».
واظب الشاوي على هذا النهج مدافعًا عن حق شعوب أمته في الحرية والاستقلال طيلة ما يقرب من سبعة عقود.
جهاد شعوب المغرب العربي
وكلما قلبنا في صفحات الجهاد الذي خاضته شعوب شمال المغرب العربي من ليبيا إلى المغرب، إلى جانب فلسطين، وسورية ولبنان، واليمن، وجدنا اسم الشاوي حاضرًا وفاعلًا ومؤثرًا، ووجدناه على علاقة وثيقة بأهم رموز العلماء وقادة حركات التحرر الوطني في تلك البلدان، بدءًا بالشيخ حسن البنا وعبد الرحمن عزام، والدكتور محمد صلاح الدين، وسيد قطب، وعبد القادر عودة، وغيرهم في مصر، مرورًا بجميع قادة التحرر في شمال المغرب العربي، من خلال «مكتب المغرب العربي في مصر»، ثم بالاتصال والعمل المباشر مع كثيرين منهم، من أمثال الزعيم التونسي بورقيبة «يوم كان يشارك في الجهاد ضد الاحتلال»، والليبي بشير السعداوي، والغنوشي بعد ذلك، ومن المغرب: علال الفاسي، والأمير عبد الكريم الخطابي، والملك محمد الخامس والدكتور عبد الكريم الخطيب. الذي توفي قبل نحو عامين وهو مؤسس حزب العدالة والتنمية المغربي. وانتقل سنة ١٩٥٨م إلى المغرب بناء على طلب من الملك محمد الخامس وحكومته ليعمل مستشارًا بالمجلس الأعلى للقضاء، وكان حلقة الوصل بين المغرب وزعماء الثورة الجزائرية الخمسة الذين اعتقلتهم فرنسا لحين الإفراج عنهم وإعلان استقلال الجزائر سنة ١٩٦٣م، وباستقلال الجزائر انتقل إليها، وعين مستشارًا للمكتب السياسي لقادة الثورة برئاسة بن بيلا، ومحمد خيضر وكان قد شارك قادة المقاومة الجزائرية منذ وقت طويل، ومنهم: الفضيل الورتلاني، ومصالي الحاج مؤسس حزب «نجمة شمال أفريقيا»، و«حزب الشعب الجزائري» والبشير الإبراهيمي وغيرهم من زعماء الجزائر وصناديد الجهاد ضد المستعمر الفرنسي، واستمرت علاقته بالأجيال المتتالية من قادة الجزائر إلى نهاية حياته، فكان يذهب إلى هناك ويأتي، وكأن الجزائر صارت عنده كمدينة «دمياط» مسقط رأسه!! وفيها قسم من أهله، وكان الفضيل الورتلاني يذكره بأن قبائل الشاوية من أكبر قبائل البربر في الجزائر، وأن له فيها نسبًا وصهرًا، ثم واصل تعاونه مع عباس مدني، وعلي بلحاج، ومحفوظ نحناح، والرئيس زروال، وعبد الحميد مهري، وعبد الله جاب الله، والشيخ سحنون وغيرهم من قادة مختلف أطياف الاتجاهات السياسية في الجزائر في المرحلة الأخيرة وظل هؤلاء يقدرونه ويجلونه، ويعرفون قدره، ويشكرون جهاده ووقوفه إلى جانب قضايا بلدهم لعقود طويلة.
وفي الجزائر طرح فكرة إنشاء اتحاد للكتاب والمفكرين في ندوة «قضايا المستقبل» سنة ۱۹۹٥م، وتطورت الفكرة بعد ذلك على يد عدد من العلماء كان في مقدمتهم الشيخ القرضاوي، حتى تأسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
میدان التربية والتعليم
الميدان الثاني الذي جاهد فيه العلامة الشاوي، هو ميدان التربية والتعليم والعلم فقد درس في الجامعة المصرية بكلية الحقوق، حتى سنة ١٩٧٦م أستاذًا ورئيسًا لقسم القانون الجنائي، كما عمل في عديد من الجامعات العربية منها جامعة الرباط بالمغرب والرياض والملك عبد العزيز بالسعودية، وشارك منذ وقت مبكر في مطلع السبعينيات من القرن الماضي في تأسيس المدارس العربية الإسلامية الدولية، والاتحاد العالمي لتلك المدارس التي انتشرت في عديد من البلدان خارج السعودية مثل مصر وبعض البلاد الأفريقية، ولم تكن هذه هي أهم أعماله في هذا الميدان؛ بل أهم أعماله هي مؤلفاته وكتاباته الغزيرة التي تعتبر ثروة فكرية وفقهية وسياسية قل نظيرها لدى أي من العلماء والمفكرين خلال نصف القرن الماضي، والقائمة طويلة تحتاج إلى صفحات، فقط نشير إلى أهمها على الإطلاق الآتي:
- كتاب «فقه الشورى والاستشارة»، وهو يقدم نقلة نوعية هائلة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وسيظل هذا الكتاب مرجعًا لفترة طويلة في المستقبل نظرًا لجدة الاجتهادات التي تضمنها، ولعمقها ورسوخ جذورها الشرعية واستيعابها للقضايا المركزية التي تواجه العالم الإسلامي المعاصر.
- كتاب «فقه الحكومة الإسلامية بين السنة والشيعة وقراءة في فكر الثورة الإيرانية»، وفيه تعليقات على كتاب الخميني «الحكومة الإسلامية»، وفيه أيضًا انتقادات لبعض الأفكار والاجتهادات التي طرحها الخميني في كتابه، إلى جانب مقارنات رصينة بين الفقه السياسي الشيعي، والفقه السياسي السني.
- ترجمة كتاب «فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية»، وهو في الأصل رسالة الدكتوراه الثانية التي حصل عليها الدكتور عبد الرزاق السنهوري من جامعة ليون بفرنسا سنة ١٩٢٦م، وفيه إلى جانب الترجمة، تعليقاته هو وزوجته الدكتورة نادية السنهوري -يرحمها الله- كريمة الدكتور السنهوري على الأفكار التي قدمها العلامة السنهوري في الكتاب، وأهمها فكرة «الحكومات الناقصة»، وفكرة «عصبة الأمم الشرقية» التي كانت ملهمة لتأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي بعد حريق الأقصى سنة ١٩٦٩م، وإن كان مؤسسو المنظمة قد استوعبوا جانبًا صغيرًا من فكرة السنهوري فجاءت المنظمة بلا حول ولا قوة كما نراها اليوم.
- كتاب «الموسوعة العصرية في الفقه الجنائي الإسلامي»، في أربعة مجلدات، وهو ثروة فقهية وقانونية كتبها شرحًا وتأصيلًا لكتاب التشريع الجنائي للشهيد عبد القادر عودة، وفي هذه الموسوعة قدم العلامة الشاوي نموذجًا في التأليف وإذكاء الأطروحات الفقهية والقانونية بين عدد من العلماء، منهم: الدكتور محمد سليم العوا، والعلامة السيد إسماعيل الصدر الفقيه الشيعي الإيراني الأصل، وفي هذه الموسوعة خطا العلامة الشاوي خطوة واسعة على طريق حل معضلات تقنين الاجتهادات الفقهية وتحويلها إلى مدونات قانونية يسهل على القضاة الرجوع إليها، والاستضاءة بها في أحكامهم، وفي تنزيل تلك الأحكام على الوقائع المتغيرة.
- مذكراته «نصف قرن من العمل الإسلامي ١٩٤٥ -١٩٩٥م»، وفيه قصة جهاده الطويل من أجل الحرية لبلده مصر، ولكل بلدان العالم الإسلامي، وخاصة بلدان شمال المغرب العربي كما ذكرنا.. وهذه المذكرات ليست كغيرها من المذكرات التي يكتبها بعض السياسيين والزعماء والعلماء؛ حيث نجدهم في الأغلب الأعم يسهبون في قصص وحكايات طويلة بلا طائل، وذاتية شخصية، تطرح في نفس القارئ هواجس وما هو أكثر من الهواجس حول الهدف من كتابة المذكرات، أهو لإثبات «الأنا الذاتية»، أم لاستخلاص عبرة الحياة، ودروس الزمن من منظور الجماعة الأكبر، والأمة التي ينتمي إليها أصحاب المذكرات؟
إن مذكرات العلامة الشاوي هي عبارة عن عمل إبداعي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، رغم أنها تسجل مسيرته الحياتية في ميادين الجهاد الفعلي، والكفاح الدائم لمصاعب الحياة، وصروف الدهر.. وإذا كان جلال أمين يقول: «إن تجربة حياة كل منا يمكن أن تشكل قصة رائعة تستحق أن تروى، وأنها تحتاج فقط إلى يد نحات ماهر يشذبها ويحدد معالمها، كأنه يحدد معالم تمثال جميل»، فإن العلامة الشاوي في مذكراته قد كشف لنا عن موهبة أخرى لا يعلمها كثير من الناس، وهي أنه مبدع وأديب، وروائي من الطراز الأول، ورغم أن مادة هذه المذكرات هي مثل الجرانيت الصلد؛ إلا أنه استطاع أن يشكلها في صورة بارعة وصادقة.
الجانب الأدبي
ولا يأتي ذكر الجانب الأدبي عند العلامة الشاوي إلا ونذكر بعض كتبه الأخرى التي تصنف ضمن «أدب الجهاد»، أو «أدب السجون»، وأهمها رائعته المسماة: «هندي في السجن الحربي» ورائعته الأخرى المسماة: «كمين في مطار بيروت»، ورائعته الثالثة -التي لم تكتمل للأسف. وكان يزمع تسميتها: «عثرات وعصايات»، وكلها من طراز أدبي رفيع المستوى، قد تجد في يوم من الأيام من يحولها إلى فيلم أو مسلسل درامي تراجيدي أو كوميدي، أو ميليودراما أيضًا.
وللعلامة الشاوي كتب وكتابات أخرى كثيرة في مجال تخصصه الدقيق «القانون الجنائي»، وفي مجال الاقتصاد والبنوك الإسلامية، وفي السياسة الدولية، وفي تحليل ميكيافيلية السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي تحديدًا له كتاب «الدبلوماسية والميكيافيلية في العلاقات العربية الأمريكية»، أما الصحف والمجلات المصرية والعربية فقد واظب على الكتابة في كثير منها منذ سنة ١٩٤٥م، إلى بدايات القرن الحالي، ومن أهمها: مجلة «الرسالة»، وجريدة «المصري» «الوفدية»، و«الشرق الأوسط» اللندنية، و«الوفد الجديد»، و«المسلمون الدولية»، ومجلة «المجتمع» الكويتية.. إضافة إلى العديد من البحوث والدراسات المتعمقة في الفقه والقانون منشورة في مجلة «القانون والاقتصاد»، ومجلة «المحامين» «مصريتان»، ومجلة «القضاء والقانون» المغربية، ومجلة «العلوم الجنائية» بباريس.
رحل العلامة الشاوي بعد رحلة طويلة من الجهاد المتواصل.. خرج من قريته «الغنيمية» مسقط رأسه، وكان عمره ست سنوات، ليغالب الحياة وتغالبه لما يقرب من قرن من الزمان، وعاد إليها يوم الأربعاء الثاني عشر من ربيع الآخر ١٤٣٠هـ/ 8 أبريل ۲۰۰۹م، ليوارى الثرى، بعد أن بلغ أكثر من تسعين سنة ظل خلالها ذا همة عالية، وكرامة موفورة، وهامة مرفوعة.. غلب كل من تصدى له، ولم يغلبه إلا حكم القدر، فقط «مصيبة الموت» هي التي أوقفت نبضات قلبه الذي استمر يهتف خلف النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 163)
فاللهم ارحمه برحمتك، واعف عن سيئاته، واجعله من ورثة جنة النعيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل