العنوان الاعتراف بالخطأ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989
مشاهدات 70
نشر في العدد 902
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 31-يناير-1989
تناقلت وكالات الأنباء العربية والأجنبية تصريحًا هامًا لغور باتشوف
يعترف فيه بخطأ السوفيات في التدخل في أفغانستان المسلمة بعد غزو عسكري دام أكثر
من تسع سنوات أهلك فيها الشيوعيون الحرث والنسل لكنهم وجدوا مقاومة عنيدة من شعب
متميز بصلابة عقيدته وإيمانه.
ترى هل بدأ الشيوعيون يحسون بوخزة الضمير جعلتهم
يعترفون بأخطائهم في العالم الإسلامي، وعلى وجه الخصوص قيامهم بالتدخل العسكري
المباشر في أفغانستان؟
وللإجابة على هذا السؤال لا بد من الوقوف على
إجابة حقيقية للسؤال التالي:
• ماذا ربح الروس في أفغانستان وماذا خسروا؟
- لم تذكر أية دراسة سوفياتية أو غربية عن
مكاسب حققها الروس في غزو أفغانستان، بل إنهم لم يحققوا أيضًا أي مكسب للحكومات
الشيوعية المتتابعة التي ظلوا يقدمون لها الدعم المالي والعسكري طيلة سنوات الغزو
الماضية، بينما امتلأت التقارير بأرقام هائلة عن الخسائر المالية والبشرية الفادحة
التي نزلت بالروس في أرض أفغانستان المسلمة ومن ذلك:
١ - مقتل «۳۰» ألف جندي
روسي وهو أقل رقم إحصائي ورد في التقارير السياسية الخاصة بالقضية الأفغانية.
٢ - سقوط الآلة
العسكرية وخسارتها، ومن ذلك:
- سقوط ما يزيد على «۲۰۰۰» طائرة
عسكرية مقاتلة للروس منها «۲۷۰» طائرة حربية من طراز ميغ سقطت عام ۱۹۸۸ وتقدر قيمتها ب «۲۲» بليون دولار.
٣ - دفع تكاليف جيش
الغزو والجيش الأفغاني التابع للحكومة الشيوعية بما يزيد عن ميزانية «٥»
جمهوريات سوفياتية سنويًا.
وإذا كان غور باتشوف ربط قرار انسحاب الجيش الروسي
بالاعتراف بالخطيئة الكبرى، فإن الشعب الروسي أعلن عن فرحته بذلك، ولقد عبر عن تلك
الفرحة الكاتب الروسي الشهير «ألكسندر برفاتوف» الذي أسقط الخطيئة الكبرى على كاهل
القيادة السابقة متهمًا إياها بسوء التقدير.
على أن الخسارة البشرية والاقتصادية التي لحقت
بالروس من جراء غزو أفغانستان دعت غور باتشوف إلى ربط الانسحاب من أفغانستان
وتوفير مصروفاته من أجل:
۱ - حل مشكلة الغذاء وكان غور باتشوف قد أعلن معقبًا على الانسحاب
من أفغانستان قائلًا: «إن من المحتمل أن يكون قد أجبرنا على ذلك، ولكن مشكلة
الغذاء يجب أن تحل مهما بلغت التكاليف».
۲ - تحديث الحياة بما يتوافق مع متطلباتها، وهذا سيحتاج إلى
ميزانية مالية إضافية ستوفرها لحكومة غور باتشوف تراجعات الدولة عن الخطيئة في
أفغانستان، وقد تم الإعلان على لسان غور باتشوف نفسه بشأن علاقة التحديث
بالميزانية والقضية الأفغانية حيث قال «سنضطر إلى تخفيض ميزانية الدفاع الخارجي
كخطوة رئيسية لخفض عجز كبير في ميزانية الدولة يمكن أن يهدد إعادة البناء الشاملة
في الاتحاد السوفياتي».
وعلى هذا فإن قرار غور باتشوف بلعنة الماضي
السوفياتي في أفغانستان مرتبط بحالتي الاقتصاد المتدهور والغذاء المفقود من ناحية،
وبمشكلة التحديث والمعاصرة داخل البلاد من ناحية أخرى، إضافة إلى المشكلة البشرية
التي تمثلت بمقتل «٣٠» ألف جندي روسي في أفغانستان ولا نعتقد أن ما يذهب إليه
بعض المحللين من أن الدوافع الإنسانية هي التي ترسم موقف القادة السوفيات تجاه
أفغانستان إنما هو رأي صحيح.
على أن هناك سؤالًا نطرحه:
ماذا يعني قول غور باتشوف «إن تدخلنا في
أفغانستان خطيئة» بالنسبة لنا كشعوب وبالنسبة لعالمنا الإسلامي الذي ما زال جريحًا
من المؤامرات التي يتم تدبيرها بطرق شتى من وراء الكواليس كي يستمر نزيفه وحتى لا
تقوم له قائمة.
هذا الاعتراف بخطأ غزو السوفيات لأفغانستان
المسلمة هو دليل قطعي على حقيقة السياسة الشيوعية ذات الأطماع التوسعية في العالم
الإسلامي خاصة، والتي كنا دائمًا نحذر المسؤولين المسلمين من خطورتها وأهدافها.
وهذا الاعتراف بالخطأ هو أيضًا دليل على سقوط
الفكر الشيوعي في الوطن العربي والإسلامي خاصة وهو أيضًا درس كبير ينبغي أن يتعظ
به تلامذة الشيوعيين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية حيث كان هؤلاء التلامذة من
التبعية بمكان للسياسة الشيوعية الخارجية جعلتهم يصفقون لكل موقف ولو كان على شكل
غزو عسكري لمنطقة من مناطق عالمهم الإسلامي أو يبررون هذا الموقف.
نعم إنه درس كبير للأحزاب الشيوعية التي ما فتئت
تدعو ليلًا ونهارًا للانحياز للمعسكر الشيوعي، بل وتبني الفكر الشيوعي والارتباط
أخيرًا بالسياسة الشيوعية دون قيد أو شرط.
إن اعتراف غور باتشوف بخطأ غزو بلاده لأفغانستان
هو تعرية كاملة للفكر اليساري العربي والفكر اليساري المنتشر في بعض أنحاء العالم
الإسلامي هذا الفكر الذي يردد كالببغاء ما تمليه عليه السياسة الشيوعية الخارجية
وأن اعتراف غور باتشوف أيضًا لهو دليل على فشل الغزو العسكري لأفغانستان في مواجهة
شعب مؤمن قادر على مواصلة الجهاد.
ترى هل يكون اعتراف غور باتشوف بخطأ غزو
أفغانستان هي بداية مرحلة من الواقعية بدأت تظهر في سياسة هذا الرجل الذي يعمل
لإنقاذ الشيوعية من مصيرها المحتوم.
إن هناك عشرات الدروس التي يمكن أن تستخلص من هذا
الاعتراف والتي تجعل الشعوب العربية والإسلامية أكثر وعيًا بحاضرها ومستقبلها
وأكثر معرفة بما يدور حولها أو يخطط لها في كواليس العلاقات الدولية.
إن على سائر القوى الغربية والشيوعية في كل مكان
أن تراجع حساباتها ولتعلم علم اليقين أن العقيدة الكامنة في نفوس المسلمين سوف
تجعلهم دائمًا وأبدًا في موقف الجهاد والدفاع عن دينهم وعقيدتهم وبلادهم مهما كانت
قوة أعدائهم ومهما كان عددهم.
هذا الموقف الجهادي الثابت كفيل أن يفرض على
العدو أيًا كان نوعه ليس الاعتراف بالخطأ فحسب، بل الهزيمة النكراء.
أخيرًا ندعو كافة القوى العالمية وفي مقدمتها
الولايات المتحدة الأمريكية إلى ترك شعب أفغانستان يقرر مصيره بنفسه، ولتكن
التجربة الروسية الفاشلة درسًا لساسة البيت الأبيض الجدد، فلعلهم يرفعون أيديهم عن
التلاعب بمصير هذا الشعب الذي صنعته العقيدة وغيره من شعوب أمتنا المجاهدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل