العنوان دمشق.. ذات المناقب
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1979
مشاهدات 88
نشر في العدد 463
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 18-ديسمبر-1979
شعرت المجتمع بالفلتة التي كانت في العدد الماضي لما تعرض مقال كتبه أحد قرائها إلى بعض الرشق خلال نقده لأهل دمشق، وتهيأت المجلة للاعتذار.
ولكن كما أن التحية وجوابها يكفي فيهما سلام الواحد ورده نيابة عن جماعة ترافقه، فإن مبادرة أستاذنا الراشد هذه تغنينا. وكأنه يتكلم بلسان المجلة نفسها ولسان من يحب الرد. وقد لا ننشر ما يصلنا من ردود أخرى، حذرًا أن تأخذ القضية أكبر من حجمها الذي تستحقه. وفي هذه المقالة ما يليق من الاستدراك والانتصاف، وفي كل المسلمين خير إن شاء الله.
ما زلت أری أن من اللوازم الضرورية التي لا بد منها لظهور التأثيرات التربوية الإسلامية كاملة في مجموع المسلمين: أن يكون الحكم الإسلامي قائمًا، ليظاهر جهود المربين ويعينها بهيبته ووقعه المعنوي وحجره على منابع التربية الجاهلية التي تضادد معانيها معاني الإسلام، وقد أشار عثمان رضي الله عنه، بحق إلى أن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
ولهذا فإننا اليوم، وفي غيبة الحكم الإسلامي، لن نحصل على كثرة من نماذج الدعاة المسلمين الكاملة التدين والأخلاق، الواسعة العلم، السليمة المشاعر، بل يبقى عددهم قليلًا ويظل مجموع كبير من المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية بحاجة إلى مراقبة، وتوجيه، وتصحيح المفاهيم، واجتثاث لما عسى أن يكون باقيًا فيهم من مشاعر الجاهلية وأحاسيسها التي أنشأتهم عليها المناهج المدرسية العلمانية، ويستمر في إحيائها وبعث حنينهم إليها لغو أكثر الصحف اليومية، وصراخ أكثر الإذاعات.
وقد طلع علينا بالأمس في مجلة المجتمع داعية مسلم يأخذ على أهل دمشق النفاق السياسي، ويعمم، وكان منه استثناء سرعان ما ندم عليه، فعاد إلى الغمز.
وذاك سمت من الكتابة لسنا نجد حرجًا في أنفسنا أن نصفه بالخضوع اللا شعوري للتربية الجاهلية الإقليمية مهما صفت نية قائله، ومجلة المجتمع من مثل هذا التفكير براء، لكنها فلتة من فلتات هيئة التحرير في ساعة استعجال خفت فيها رقابتها، فاجتاز هذا المقال الذي حمله البريد، ودفع إلى المطبعة، متفلتًا من رقابة مفترضة.
ولست سوريًا، فضلًا عن أن أكون دمشقيًا، ولم أزر دمشق غير يوم واحد في حياتي، لكنها شغفتني حبًا، وأسرني خير أهلها.
وتقترب في خيالي قوة أهل دمشق وحيويتهم بصورة أمير لهم في صدر الإسلام اسمه محمد بن سويد. ماتت أمه عند ولادته وهو يرتكض في بطنها لم تلده بعد، فبقروا بطنها، وأخرجوه حيًا قويًا، لتستوي له إمارة دمشق من بعد، كما ورد خبره في كتاب الجرح والتعديل ۲۷۸/ ج ۳/ ق ۲.
كذلك هي دمشق، وبحسبك أن الحافظ المؤرخ ابن عساكر لم يستطع حصر مناقبها واستيعاب أخبارها وأخبار أبنائها ومن له بها صلة إلا في عشرات المجلدات.
وكيف يبدأ الذاكر لمفاخر رجالها على مر العصور، وكيف ينتهي وهم هم الرجال الألوف؟
كانت في العصر الأموي تشع أنوارها إلى البلاد في كل الاتجاهات إذ منها انطلقت فكرة فتح الأندلس، مفخرة الإسلام، ومنها زحفت الجيوش إلى القسطنطينية مرتين لفتحها، ومنها كانت تشرف الخلافة على فتوح ما وراء خراسان.
والزهري عالمها هو زعيم المحدثين والعلماء في العالم الإسلامي كله في زمنه ومن بعد، ولعل ما يقرب من ربع أسانيد صحيح البخاري تجتمع فتمر من طريقه إلى صغار الصحابة وكبار التابعين.
وهل المرء بحاجة للتذكير بعمر بن عبد العزيز وعدله وعلمه؟
وفخرت دمشق مرة أخرى بعالمها شيخ البخاري وغيره عبد الأعلى بن مسهر وبوقفته أيام محنة الإمام أحمد بن حنبل، إذ كان لهذا البطل الخفي الدور الكبير في تثبيت أهل الشام على العقيدة الصحيحة وحمل إلى بغداد يرسف في الحديد والأغلال، فما لان ولا خاف، ومات في السجن.
وجدد آل زنكي وصلاح الدين الأيوبي بها سنن الجهاد، وفي ظل راياتهم برز الأبطال من العلماء، من آل المقدسي وغيرهم، وظل هذا السمت حيًا فيهم حتى برز في معركة ميسلون هذا القرن.
وما أظن أن هناك مدرسة فكرية كان لها من التأثير في التاريخ الإسلامي كله كمثل المدرسة التي رباها ابن تيمية بدمشق، فكان منها ابن القيم وابن كثير والذهبي وابن رجب وإضرابهم، ولئن كان للمذاهب تأثير في الفقه أكبر من تأثير هؤلاء، فإن عمل هؤلاء مجتمعين قد أنتج منهجًا أصيلًا شاملًا لفهم العلوم كلها وتأثيرهم في التاريخ والأدب والمحاججات العقائدية يعطي لمشاركتهم الفقهية ودراساتهم الشرعية الناقدة المقارنة أهمية كبيرة، لست أقول إن تأثيرها ما زال على أشده، بل أقول إن النهضة الفكرية الإسلامية الحديثة قد استندت على جهود هذه المدرسة الدمشقية الفذة بالدرجة الأولى.
وفي هذا القرن كان للشيخ القاسمي وآل البيطار وغيرهم الأثر الذي وازى أثر غيرهم في العلم والتربية، وأما أصحابنا الأحياء من أعيان دمشق ودعاتها وشجعانها فأكرم بهم وأنعم من رجال لا يخاف جليسهم ريب الزمان ولا يرى ما لا يرهب، ومنهم عصبة كان من تشريف الله لها إنها انفردت بعد عصبة بمصر، بطباعة ونشر وترويج معظم الإنتاج الفكري الإسلامي، التراثي والجديد عن طريق بيروت، حاضرة الطباعة الكبرى في العالم العربي.
وما أظن أن بالقارئ حاجة لاستطراد أبعد من هذا في التذكير بمناقب دمشق وأهلها، ولكنها حقائق نوردها بين يدي الإشارة إلى ما يبقى من آثار تربوية حسنة في مجموع أهل البلد الذي يتعاقب عليه مثل هؤلاء الأخيار وتنشأ فيه مثل هذه المدارس الجهادية والفكرية.
إن هذا النمط من التفكير الذي يتجاهل مثل هذه المناقب لهو من رواسب التفكير الإقليمي الذي نرفضه جملة وتفصيلًا، فما من حاضرة من حواضر الإسلام إلا ولها في خدمة الإسلام نصيب، وبكلها نعتز، ولكلها ننتسب، وما كنا لنطرق مثل هذه البديهيات في معاني الأخوة وحدود الإيمان لولا أن غمضة عين هيئة التحرير بمجلة المجتمع الغراء جرتنا إلى الحديث جرًا، ولسنا نرد على كاتب، ولعل له من الفضل وعلو المقاصد مثل ما لغيره من دعاة الإسلام، ولكننا نستدرك فلتة أخيار المجتمع.
أما أن الكثير من العواصم قد شهدت مثل هذه الظاهرة في النفاق السياسي في السنوات الأخيرة فسببها ما كان من الهجرة، إذ تعرضت هذه العواصم لعاملين اثنين تركا الشوائب والتأثيرات السلبية:
العامل الأول: ظلم الانقلابات العسكرية وطيشها وجبروتها، وقد تعرضت دمشق لثلاثين انقلاب ناجح وفاشل في ربع قرن، وفي كل انقلاب يتسع نطاق الأذى ليشمل عوائل، رجالها الرجال، فيضطرون للهجرة والرحيل إلى البلاد الأخرى حفاظًا على رؤوسهم وشرفهم، حتى خلا «الميدان» من أشرافه، ولو أن خير وعلم هذه الألوف الدمشقية المنبثة في الخليج ونجد وحجاز وبیروت وأوروبا وأميركا كان يصب في دمشق وحدها لرأيت لها حالًا غير حالها اليوم من الصبر على الأذى مما تظنه نفاقًا سياسيًا، ولكن حكمة الله تعالى تشاء أن تحيا البلاد الأخرى بتربية وفنون الدمشقيين، لينبغ مستعجل مثل صاحبنا يعيبها وينال منها.
وهل من عاصمة سرت فيها أمراض الثورية لم تنكب بمثل نكبة دمشق؟ وهل سأل صاحبنا عن بيوتات الشرف ومدارس السياسة الاستقلالية في قاهرة يوليو وبغداد تموز أين هي؟ وأين الزمر العصامية المخضرمة؟
العامل الثاني: هجرة الأعراب وأبناء الأرياف القاصية إلى العواصم، يأتون للعمل والاكتساب أولًا، ثم تجعلهم الأحزاب الثورية والاتحادات الاشتراكية مادة وجودها وكادرها الذي تعتمد عليه لما ترى من عزوف المثقفين عنها، فينشأ النفاق السياسي الذي رصده هذا الأخ الكاتب في العاصمة الطاهرة الذيل، العفيفة الروح والجوارح، وما عهدنا أهل الإنصاف يقيسون الحواضر بمنافقيها وبالمصفقين والهاتفين وغثاء مسيرات التأييد، ولكن يقيسونها بأبطال وأحدهم بألف وبرجال معهم وأحدهم بمائة، ولولا ذلك لما شع نور المدينة المنورة لما كثر فيها النفاق.
وقد سأل بعض التابعين حذيقة بن اليمان رضي الله عنه أن يسمي لهم المنافقين، فرفض وقال: لو فعلت لاستوحشتم أن تسيروا في طرقات المدينة، لكثرتهم وندرة الرجال الكمل، ولكن تلك الظاهرة لم تؤثر، لأن التحولات التاريخية والأعمال الجسيمة تبقى من اختصاص أهل الإيمان والاستقامة والبطولة ومن العجب أن تجد هذه المشاعر الإقليمية ما زالت حية في كثير من البلاد، فتجد بين حمص وحماة شيئًا، وبين القاهرة والإسكندرية، وبين نجد والحجاز، وبين بنغازي وطرابلس، في أمثال كثيرة.
ومن أغرب ما روى لي أن مثل هذا العداء كان بين مدينتي راوة وعانة العراقيتين المتقابلتين على نهر الفرات قرب الحدود السورية، فلما كان ذات يوم أثناء الحرب العالمية الأولى: انسحب الجيش العثماني من قلعة راوة عند اقتراب الجيش الإنجليزي، وترك بعض المدافع، وتأخر دخول الإنجليز، فاستغلها بعض الجهلة، وأعلنوا جمهورية راوة الحرة، ليوم واحد، وتحرشوا بأهل عانة فخاض أمثالهم من جهال عانة الفرات يريدون العبور للعراك، فسلط جهال راوة المدافع عليهم، ودوى صوتها عاليًا، وفتكوا بعدد من الخائضين على شاطئ الفرات، ثم دخل الإنجليز، وقد كنت أحسب أن ذلك من الفكاهات والنوادر وبدع المجالس حتى حدثني من أثق به من أهل العقل بصحة الحادثة، فتأمل!
وعانة هذه هي مدينة عانات التي كانت في طريق اقتياد الإمام أحمد بن حنبل إلى المأمون أثناء المحنة، والتي أرجع منها أحمد إلى بغداد لما بلغهم موت المأمون، وبها مات البطل محمد بن نوح، رفيق الإمام أحمد في ذاك الاقتياد، وهي مدينة قديمة جدًا ما زالت مسكونة منذ ما قبل التاريخ.
ويحيك في صدري شيء آخر مما ذكره الكاتب، فقد تطرق إلى انتقاد وزيرة الثقافة السورية وتصريحاتها النفاقية، وكأني به يعرض بأهلها، إذ هي من بيت معروف بالفضل، والذي أراه أن هذه المرأة المتخبطة مثل من أمثلة ما جلبته المدنية الحديثة من مشاكل تدخل بنات العوائل المحافظة في السياسة، وهو موقف صعب ليس من السهل أن يعالجه أهلها، وليس من الإنصاف اتهامهم والانتقاص منهم بسببها، وما من علاج لهذه الحالات إلا ولذاك العلاج مشاكل وأسواء عديدة، ولا تزر وازرة وزر أخرى، والعاقل يعذر الناس في مثل هذه المواطن، ويظن فيهم الخير، ويجد لهم من إفتاء الضرورات والموازنة بين درجات المفاسد ما يدعو لسانه إلى الكف عن التعرض بهم.
الزنجي الصغير الأسود
حكمت محكمة روديسية عنصرية بضرب فتى أبيض أربع عصى لأنه قتل طفلًا زنجيًا. فإلى والدة هذا الطفل أقدم هذا الرثاء...:-
أختاه، يا أم الصغير الأسود البيض قد أخذوا بثأرك.. زغردي!!
إن الذي صرع الصغير بطلقة ضربوه أربعة بكف السيد
أرأيت يا أختاه أي عدالة نالتك في عصر الترقي الأمجد
أرأیت حكم البيض جل جلال المالكين لكل ما ملكت يدي!
أرأيت يا أختاه، كيف ترفقوا فرموا صغيرك بالرصاص المحصد!
لم يركلوه، ولم يسوموه الأذى.. كأبيه محترقًا بنار الموقد
شاءوا له الموت السريع ترفقًا فلتفرحي زنجيتي ولتسعدي!
يا أخت هل جنت النعيم بأرضهم إن جئت أرض البيض صلي واسجدي
البيض آلهة لأرضك فاضرعي إن يلمسوا خديك بالقدم الندي
يا أخت لون البيض من ألق الضحى لكن لونك أنت لون الأثمد
الليل لونك والحلاكة وصف لا تفزعي أهل المسرة وابعدي
يا رب قد سويتني وخلقتني واخترت لي لوني فلم أتمرد
يا رب، يا رب العبيد أثر لنا صبحًا نحطم فيه ليل المفسد
يا رب، لون البيض يشعل ثورتي البيض، كل البيض، هذا معتدي
ولدي الصغير، غدًا سأغرس زهرة من فوق قبرك، فأنتظر ولدي- غدي
هو من دمي. لا من دماهم. لا تخف أنا لن ألطخ بالقذارة معبدي.
محمود زیدان - سفاريني الزرقاء الأردن