العنوان الأمم المتحدة و «حرب كوسوفا»
الكاتب أحمد الأديب
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1999
مشاهدات 60
نشر في العدد 1355
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 22-يونيو-1999
على غير ما اعتادت الأمم المتحدة عند نشر القوات الدولية فإن مهمة حفظ السلام في كوسوفا غير محددة بمدة معينة
سحب القوات الدولية مستقبلًا يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن فإذا اعترضت إحدى دول «الفيتو» فإن ذلك يعني إمكان أن تستمر القوات في كوسوفا لأجل غير مسمى!
بدأت حرب الأطلسي باسم كوسوفا في ٢٤/٣/۱۹۹٩م بمعزل عن المنظمة الدولية في نيويورك، وانتهت في ١٠/٦/۱۹۹٩م دون تأثير يذكر من جانبها، وتقلبت أحداث الحرب على امتداد ٧٩ يومًا، وكأنه لا وجود للأمم المتحدة أو لميثاقها أو لهياكلها التنظيمية. حتى القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي يوم نهاية الحرب، سبق إعداد نصه فقرةً فقرةْ، وكلمةً كلمة في كولونيا بألمانيا، بعيدًا عن المنظمة الدولية الَّتي كانت تشهد عادة بعض المناقشات التحضيرية على الأقل بين المندوبين حول مشاريع القرارات قبل التصويت عليها، لكنها تشهد مثل ذلك هذه المرة، فكان مشروع القرار أوروبيًا، وظهرت في صياغته النهائية بصمات تعديلات أمريكية، كما تضمن بعض التعابير الشكلية كاثر ضعيف للمشاركة الروسية، ولترضية الصين الشعبية..
ولا داعي بعد ذلك لتشاور ما مع بقية الدول الأعضاء في المجلس، يكفي أن تدلي بصوتها كي يصدر القرار بما يعبر فعلًا عن واقع موازين القوى الدولية في الوقت الحاضر وكذلك عن واقع الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن الدولي المطلوب منهم أن يوافقوا على النص المعد سلفًا.. في صورة طبق الأصل لسلوك الأعضاء في مجلس نيابي صوري في ظل نظام عسكري استبدادي!..
ولم يكن مجلس الأمن الدولي يملك بديلًا حقيقيًا عن الموافقة، فقذائف حلف شمال الأطلسي خيرت العالم بين الحرب كما أرادها، وبين السلام كما أراده، ولم يبقَ أمام «الصغار» من أعضاء المجلس سوى الموافقة على أهون الضررين مما قرره الكبار.. هذا علاوة على أن المعترض على «شرعة الغاب» بات يخشى الاتهام بالانحياز إلى مجرم الحرب الصربي، أو الظهور بمظهر الرافض إنقاذ الضحايا من المسلمين في كوسوفا.. فصحيح أن هذه الحرب الأطلسية حفلت بما اعتبر أخطاء، أودت بحياة عدد كبير من المدنيين.. معظمهم من المسلمين ولكنها كانت في الوقت نفسه على درجة عالية جدًّا من الإتقان.. من؛ حيث إخراج أهدافها إخراجًا يربطها ربطًا وثيقًا بدوافع إنسانية محضة، كما لو لم يكن وجود للمصالح الأنانية المحضة!.
مهمة هشة
بقي للأمم المتحدة بعض الشكليات في نهاية المطاف.. فالقرار الصادر يضع اسم مجلس الأمن الدولي عنوانًا دون مضمون على ما سيجري تنفيذه بعد الحرب، كما يكلف الأمانة العامة للمنظمة الدولية بالإشراف –تحت حماية جنود الأطلسي– على مهمة إعادة المشردين. أما العنصر الأهم الذي يتجاوز الشكليات في نص القرار.. فهو تثبيت صلاحية مجلس الأمن الدولي بشأن إنهاء مهمة ٥٠ ألف جندي دولي في كوسوفا، هنا يلفت النظر أن نص القرار لا يحدد المهمة بمدة معينة، وهذا على النقيض من المعتاد مع مهام دولية أخرى من هذا القبيل، كما في قبرص أو جنوب لبنان.. ففي معظم الحالات المشابهة، يجري التجديد للمهمة الدولية مرة كل فترة، تعادل غالبًا ستة شهور، فيتوجب صدور قرار جديد يحتاج إلى تلاقي الآراء والتصويت، أما هنا فيستمر عمل القوات «الدولية» إلى أجل غير مسمى.. مع ملاحظة أن أي دولة تريد أن تسحب قواتها يمكن أن تفعل ذلك، فلا أحد «يرغمها» على أداء مهمة قد تتناقض يومًا ما مع مصالحها، أما مرجعية مجلس الأمن الدولي حول قرار الإنهاء لا التمديد، فتؤدي في الحصيلة إلى أن تلك القوات لن تخرج من كوسوفا، ما دامت دولة ما من الدول الدائمة العضوية في المجلس تعترض على إصدار قرار بهذا الصدد، ويوجد كما هو معروف ثلاث دول أطلسية.. بعضوية دائمة في المجلس.
«المرجعية الدولية» بشأن مستقبل وجود الأطلسي عسكريًا في كوسوفا، تصبح بهذا المنظور «مرجعية أطلسية».. بينما يعطي قرار مجلس الأمن الوجود العسكري، الذي تجاوز مجلس الأمن وصلاحياته، صبغة شرعية دولية، وفق ما توصف به قرارات ذلك المجلس.
نحن لا نهون بهذا من شأن القرار المذكور الذي يسمح في الوقت الحاضر بتوفير وجود عسكري دولي يحقق مصلحة المشردين من مسلمي كوسوفا.. ولكن السياسة الدولية لا تقف عند حدود نظرة تقتصر على المدى القريب، بل تضع في حسابها التطورات على المديين المتوسط والبعيد، وهنا يبدو تبدل الحكم في بلجراد هو الاحتمال الراجح وربما خلال فترة وجيزة، فيمكن توقع أن تتلاقى سياسة بلجراد آنذاك مع السياسات الغربية أيضًا، فما الذي سيعنيه ذلك بالنسبة إلى نتائج الحرب؟.
قامت الحرب لتحقيق أغراض عديدة، وتصدرها رسميًا التحرك ضد الحكم الصربي- اليوغوسلافي الراهن، الذي بلغت دمويته درجة لا تحتمل.. فإذا تبدل الحكم وتبدلت سياسة بلجراد، فسوف تزول التناقضات الدولية الراهنة، إنما يبقى التناقض الأكبر، والمشترك بين أكثر من قوة إقليمية ودولية، تجاه المسلمين، فهم الذين لا يراد لهم الحصول في كوسوفا، ولا في البلقان عمومًا على حق تقرير المصير، أو حق بناء كيان مستقل فعال ومؤثر.
والواقع أن هذا ما لم تستهدف الحرب تحقيقه بل أراد صانعوها منع تحقيقه وكان المسلمون عبر القرن الميلادي العشرين على الأقل هم ضحية معظم الأحداث والتطورات، وما زال هذا مستمرًا على أبواب القرن الميلادي الجديد.. فتبقى أجزاء كبيرة من أراضيهم مستعمرة ومغتصبة، وتبقى شعوبهم موزعة ما بين حدود قررتها موازين القوى الدولية، وليس معطيات التاريخ والعقيدة وتعدد الأجناس، ولا مبادئ القانون الدولي وفق شرعيته الأصلية.. أي قبل أن تصبح هي نفسها مكبلة بأغلال شرعة الغاب، وبتغليب إرادة من يملك القذائف، على ما تنص عليه المواثيق الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة بشأن حق تقرير المصير أو بطلان اغتصاب الأراضي بالقوة، أو ما شابه ذلك مِمَّا لم يعد يجد ذكرًا.. فضلًا عن أن يجد احترامًا وتطبيقًا!..
نعلم أن الأمم المتحدة لم تمثل في النصف الثاني من القرن الميلادي العشرين المتأهب للرحيل –ولن تمثل في المستقبل المنظور من القرن الميلادي القادم– أكثر من ساحة للشكوى الَّتي يطلقها ممثلو شعوب ودول صغيرة تمثل ۸۰% من البشرية، تجاه ما تصنعه الدول الكبيرة والقوى الرئيسة المهيمنة، ولكن آخر حروب هذا القرن على الأرض الأوروبية -كما يصفون حرب الأطلسي الجوية باسم كوسوفا- كشفت بقوة عن الخلل المستشري في الأمم المتحدة وفي هيكلية النظام الدولي، القائم على «استبداد دولي»، كما كشفت بقوة عن أبعاد ما تسعى إليه القوى المهيمنة حاليًا لتطويع البقية الباقية من الهياكل الموروثة عن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية لترسيخ معطيات جديدة.
وكان من الممكن والمحتمل أن تبدأ الحرب الأطلسية وتنتهي دون الرجوع ولو شكليًا إلى الأمم المتحدة، لولا أن الحرب أصابت الجناح الأوروبي في حلف شمال الأطلسي بهزة عنيفة وضاعفت مخاوفه على أوروبا ككل وليس على البلقان خاصة من عواقب استمرار سيطرة واشنطن على الصيغة الأمنية الأوروبية والتصرف بها.. فظهر للعيان كيف حاول الأوروبيون استدراك ما يمكن استدراكه، بتنشيط الدور الروسي المحاصر وتنشيط الأمم المتحدة المجمدة.
التمرد.. معالمه وحدوده
ولعل الساسة الواقعيين في أوروبا أدركوا أن النجاح في ظل آلية الحرب وأحداثها الجارية وهم جزء منها، سيكون نجاحًا جزئيًا بالضرورة، فانصرف همهم الأكبر إلى تدبير أمورهم المرحلة ما بعد كوسوفا والحرب الأطلسية باسمها، وخطوا في قمتهم الأخيرة في كولونيا خطوات حاسمة نحو تميزهم السياسي والأمني عن واشنطن، وهو ما اتخذ صورة استعراضية تلفت النظر، تأكيدًا للتصميم على هذا الطريق رغم الاعتراضات القديمة والعراقيل الجديدة المنتظرة من جانب الأمريكيين.. وكذلك لتهدئة الرأي العام الأوروبي نفسه، فقد بدأ غضبه من الهيمنة الأمريكية يتخذ أشكالًا علنية طغت على وسائل الإعلام طوال أسابيع الحرب.
ولعل تجديد العلاقات الأوروبية مع موسكو على أسس جديدة، ومخططات إعادة إعمار البلقان لدمج المنطقة في الاتحاد الأوروبي، سيكون في مقدمة ما يكمل جهود التميز الأمني، وسيكون على قدر تحقيقه في كفة «النجاح» الأوروبي في التعامل مع نتائج الحرب، بالمقارنة مع كفة إخفاقهم في الخروج بالمنظمة الدولية إلى ممارسة دور فعال، فبقيت على هامش مخططات السلام، كما كانت من قبل على عتبة أحداث الحرب.
وعلى قدر ما يبذل الأوروبيون من جهود، للتميز، ولدمج البلقان في اتحادهم، سيبذل الأمريكيون جهودًا مضادة لتقييد التميز الأوروبي أطلسيًا، وكذلك ليكون اندماج البلقان بأوروبا اندماجًا بالأمن الأطلسي في الدرجة الأولى.. هذا فضلًا عن الجهود المنتظرة لتحقيق ما عبر كلينتون عنه في قمة واشنطن الأطلسية بقوله إن حرب كوسوفا نموذج لما يراد أن يقوم به حلف شمال الأطلسي من مهام مستقبلية.. أي خارج نطاق الأمم المتحدة وخارج المجال الجغرافي للحلف.
أوروبا تملك مقعدين دائمين في مجلس الأمن الدولي.. وتملك إمكانات كبيرة للتأثير على قراره، ومع ذلك لا يبدو أنها تعطي الأهمية الكبرى لمستقبله ومستقبل تطوير الأمم المتحدة على النقيض مما يبدو على مواقف دول ومناطق إقليمية عديدة، ومنها منطقتنا الإسْلَاَمِيِّة؛ حيث لا ينقطع التعبير عن «عقد الآمال» على مستقبل الأمم المتحدة وتطويرها!.
إن تناقض المصالح في ساحة العلاقات الدولية، يدفع الأوروبيين إلى إعطاء الأولوية التجاوز تناقضاتهم الراهنة، وتجاوز أعباء تاريخهم الحافل بالحروب الدامية، وتثبيت قواسم مشتركة لتعبئة الطاقات الأوروبية، وتطوير الضعيف منها، وإيجاد الناقص المفقود -وتوجد على ذلك أمثلة عديدة- فالمطلوب هو الوصول إلى مستوى يمكن من اعتماد الأوروبيين على أنفسهم، والاستغناء عن «الحليف الأمريكي» أما ما يمكن الوصول إليه عن طريق مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة فلا يستهان به، ولكن لا يكتسب موضع التفضيل فيما يبذل من جهود ويوضع من مخططات وينفذ، رغم سائر ما قدمته المنظمة الدولية للأوروبيين من خدمات طوال خمسة عقود ماضية!..
وبالمقابل.. فإن المنظمة الدولية منذ نشأتها، وبغض النظر عن توصيات «دون أسنان» من جانب جمعيتها العامة، أصدرت عبر مجلسها العتيد عددًا ضخمًا من القرارات الجائرة، ولم تتبدل المعطيات الأساسية الَّتي تحدد مستقبل المنظمة تبدلًا إيجابيًا.. فمن أين تأتي الآمال المعقودة عليها؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل