; صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (9) الأسلوب القصصي | مجلة المجتمع

العنوان صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (9) الأسلوب القصصي

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 23-مارس-2013

مشاهدات 64

نشر في العدد 2045

نشر في الصفحة 58

السبت 23-مارس-2013

في مواقف تربوية مؤثرة كان النبي يستخدم المدخل القصصي في تربية أصحابه، فيغرس من خلال القصة القيم الأخلاقية، والعاطفة الإسلامية، يربي بها القلوب، ويزكي بها النفوس، فما أكثر هذه المواقف، وما أفعلها!!

فقد كان يسوق القصة في حينها، لتعالج مشكلة، أو تبث قيمة أو تبني نفوسا. 

ها هو ذا يقص على أصحابه قصة هؤلاء الثلاثة من بني إسرائيل الذين رفع كل منهم يده إلى السماء يدعو أن يفرج الله عنه ما أصيب به فلقد أصيب الأول بالبرص وأما الثاني فكان أقرع، وكان الثالث أعمى، ولندع رسولنا الكريم لا يقص علينا القصة كما رواها عنه أبو هريرة.

فعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول: إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله عز وجل أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، أو قال البقر، شك إسحاق - وهو أحد رواة الحديث - إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما الإبل. وقال الآخر البقر، قال: فأعطي ناقة عشراء فقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع.

فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس، قال: فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعرًا حسنًا. 

قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم فأعطي شاة والدا، فأنتج هذان وولد هذا قال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم، قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلغ عليه في سفري فقال الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر!! فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما ردَّ على هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال رجل مسكين وابن سبيل انقطعت الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلى بصري فخذ ما شئت، ودع ما شئت. فوالله لا أجهدك اليوم شيئًا أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك (رواه مسلم).

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ساق هذه القصة لا يقصد بها مجرد الخبر فحسب، بل قصد بها العبرة والعظة والتأثير في أصحابه لإكسابهم قيم الشكر والعطاء والكرم ولتحقيق الراحة النفسية والسرور والمتعة التي يشعر بها الواحد منا عندما يستمع إلى القصة، قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تصديق الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (يوسف: 111).

وهذه القصة التي ساقها النبي: ليربي بها أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، ويربينا من بعدهم جاءت شخصياتها الثلاث من بني إسرائيل، وبنو إسرائيل هم ذرية نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام أجمعين. 

جاء الملك إلى الأبرص فدعاه إلى أن يتمنى ما يشاء، فتمنى أن يعافيه الله مما أصابه وبرر لذلك بأن الناس تنفر منه ويتحاشونه ويتفززون من رؤيته ولا يستطيعون مخالطته لذا فهو يشعر بالأسى والحزن والألم، وجرح مشاعره، والخزي الذي يلاحقه من نظرات الناس واستحقارهم له!!

ربما كان في صبر الأبرص على الابتلاء له خير من الشفاء، فالصبر ثوابه الجنة، وما عند الله خير وأبقى، لكن الإنسان هو الإنسان يرغب دائما في العاجلة، ويختار العافية في الدنيا، ولا بأس أن يتمنى الإنسان ذلك، شريطة أن يكون عبدًا شكورا.

ولعل الرجل أنذاك كان يتمنى أن يبرأ مما هو فيه، ويشكر ربه على نعمته لكن الابتلاء دائما لا ينجو منه إلا من وفقه الله تعالى فوضع الدنيا في يده، والآخرة في قلبه، أما من أثر الدنيا فمن المتوقع أن يخفق في الاختبار قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالآخِرَةُ خير وأبقى (الأعلى: 16,17).

ويبين سبحانه لعباده حقائق مهمة في هذا السياق، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَن كانَ يُريدُ العاجلة عجَلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ مَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا . وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وسَعَى لَهَا مَعيهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأَوْلَتَكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا كُلا تُمَدُ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ومَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا . انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تفضيلا (الإسراء).

تمنى الرجل لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا، فحقق الله تعالى أمنيته، فانقلب كأحسن ما يكون الرجل لون حسن، ومنظر بهي، وعافية بعد مرض، وذلك كله بإذن الله وفضله. ثم سأله الملك: أي المال أحب إليك؟ فأجاب: الإبل، فأعطاه الله ناقة عُشَرَاء (أي ناقة حاملا). 

ثم أتى الملك الرجل الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ فأجابه: شعر حسن؛ لأن ذهاب شعره وتقيح راسه نفر الناس منه، وكرههم في مجالسته، ومخالطته، فكسي شعرا جميلا، ابرز وسامته، وغمره بالسعادة. ثم قال له الملك: أي المال أحب إليك؟

فأجابه البقر، فأعطاه الله بقرة حاملًا. ثم أتى الملك ثالثهم وهو الأعمى، فسأله: أي شيء أحب إليك؟ فأجابه: أن يرد علي بصري، فرد الله عليه بصره، وصار يبصر كما يبصر الناس. 

ثم سأله الملك: أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه الملك شاة والدا.. فماذا حدث بعد ذلك؟

أنتج الأول (الأبرص) إبلًا كثيرة ملات الوادي، وأنتج الثاني بقرًا كثيرًا ملأ الوادي، وولدت الغنم، فكان له منها واد ممتلئ.

مرت الأيام، وعاش هؤلاء الثلاثة في رغد من العيش وسعادة، وعادوا في الناس كأحسن ما يكون الرجل في أهله وعشيرته، وكانت لهم حظوة لدى الناس، وجاذبية تجذب الناس لمخالطتهم ومعايشتهم.

ثم حان وقت الاختبار، كان الأجدر بهم أن يقتدوا بنبي الله نوح عليه السلام - وبنو إسرائيل من ذريته - وقد أثنى عليه ربه بقوله: ﴿وآتينا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لَبَنِي إِسْرَائِيلَ الا تتخذوا من دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ (الإسراء)

فصفة الشكر هنا نسبت إلى نوح عليه السلام، وبنو إسرائيل من ذريته، كما بينت الآية الكريمة.

كان الأجدر بالأبرص والأقرع أن يشكرا ربهما، وأن يحسنا إلى الفقراء والمرضى وأبناء السبيل وأهل الحاجة، وألا يردا أحدًا قصدهما. وأن يكونا عند حسن ظن الله بهما، ولكنهما أخفقا وسقطا في الابتلاء.

جاء الملك إلى من كان أبرص فشفاه الله جاءه على هيئته يوم كان أبرص تكره العينان رؤيته فقال رجل مسكين قد انقطعت الحبال في سفري، فلن أصل إلى أهلي وبلدي إلا بفضل الله ثم بجودك وكرمك، أرجو أن تصبني جملا يبلغني الأهل والبلد. قال الأبرص: كنت أود أن أعطيك، ولكنني لا أستطيع لكثرة حقوق الناس علي، وضيق يدي.

قال الملك: أسألك بالله الذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، والمال الوافر ألا تبخل علي، وأن تكرمني كما أكرمك الله لكن لسان حال الأبرص كأنه يقول له: لا تكثر المسألة أيها الرجل هيا اغرب عن وجهي!! قال الملك - وهو لا يزال على هيئة الأبرص - يذكره بما كان عليه عله يتعظ ويعتبر: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فجملك الله؟! وكنت فقيرا فأغناك الله؟!

فقال الأبرص منكرًا ذلك جاحدًا بنعمة الله وفضله لم أكن كما تدعي أنت، إنما ورثت المال عن آبائي العظام، وأجدادي الكرام، كابرا عن كابر.

وهنالك قال الملك بعد أن ذكر، وأنذر فأعذر: إن كنت كاذبًا فإني أسأل الله أن تعود كما كنت!! وفجأة عاد الرجل أبرص كما كان من قبل كريه المنظر جزاء جحوده وعدم شكره وشحه، فلم يوفق للفلاح وصدق رب العزة سبحانه إذ يقول: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحْ نَفْسِهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).

ثم أتى الملك من كان أقرع على هيئته وصورته فقال له مثل ما قال لصاحبه فرد عليه بمثل ما رد الأبرص عليه فدعا الملك عليه أن يعود أقرع كما كان يقذره الناس، فعاد المسكين، لأنه لم يشكر نعمة الله عليه. 

وجاء الملك إلى من كان أعمى على هيئته وصورته السابقة، فقال: رجل مسكين، وابن سبيل انقطعت بي السبل في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك ورزقك من فضله شاة أتبلغ بها في سفري، فتذكر الرجل ما كان عليه، ورق قلبه للسائل، فحمد الله وشكره على نعمه، فقد رد الله بصره، ورزقه، فقال للسائل: لقد من الله علي، ورد علي بصري، ورزقني رزقا حسنا فلأكون من الشاكرين فخذ ما شئت من الغنم وما أحببت من المال، ولن أمنعك ذلك، فلله المنة والعطاء، فقال الملك: أمسك عليك مالك، بارك الله لك فيه إنما اختبرك الله وصاحبيك فرضي عنك، وسخط عليهما.

وقول الأعمى: فرد علي بصري يؤكد اعترافه بنعمة الله تعالى عليه، وهذا الاعتراف هو أحد أركان الشكر والركن الثاني للشكر هو العمل بالجوارح في طاعة المنعم والركن الثالث هو الاعتراف بالنعمة في القلب، وما أروع قول الشاعر في ذلك:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة             يدي ولساني والضمير المحجبا

والأعمى هنا اعترف بلسانه وجاء اعترافه بلسانه مطابقًا لما في قلبه، فيكون دالا على بالتضمين، وقول الملك له: «فقد رضي عنك.. يعني لأنك شكرت نعمة الله بالقلب واللسان والجوارح، وقوله: «وسخط على صاحبيك.. لأنهما كفرا بنعمة الله سبحانه وتعالى، وأنكرا أن يكون الله من عليهما بالشفاء والمال.

وبتحليل هذه القصة تربويا، يتضح أن شخصياتها ثلاثة من بني إسرائيل ابتلاهم الله على سبيل الاختبار، وأتيحت لهم الفرصة؛ لأن يتمنوا عندما أرسل الله إليهم ملكا، فتمنى كل منهم أن يبرأ مما أصيب به وطلب الملك منهم أن يتمنوا من الإبل والبقر والأغنام ما يشتهون فتمنوا ودعوا ربهم فاستجاب لهم.

الدروس والعبر

أراد النبي أن يربي أصحابه على:

1 - الصبر على الابتلاء.

٢ - الدعاء.

3- شكر النعمة: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم).

4- أن للشكر أركانًا ثلاثة. هي: القلب واللسان والعمل بالجوارح

5 - الكرم والسخاء والإيثار، وتجنب الشح.

-٦- كفران النعمة يضيعها ويضيع صاحبها ناهيك عن عقاب الآخرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْرًا وَأَحَلُوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ . جهنم يَصْلَوْنَها وبئس القرار﴾ (إبراهيم).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1700

89

السبت 06-مايو-2006

فتاوى المجتمع.. الحجامة

نشر في العدد 1532

80

السبت 28-ديسمبر-2002

استراحة (العدد 1532)

نشر في العدد 1244

70

الثلاثاء 01-أبريل-1997

استراحة المجتمع (1244)