العنوان غير نظام حياتك تعش سعيدًا
الكاتب د. عبد الدايم ناظم الشحود
تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004
مشاهدات 54
نشر في العدد 1598
نشر في الصفحة 61
السبت 24-أبريل-2004
كثيرًا ما تكون ظروف الحياة هي الفتيل الذي يشعل شرارة الكثير من الأمراض ويسهم في تغذيتها، وقد تستمر هذه الأمراض حتى تفتك بالمريض، ولو جلست إلى أحد الكهول ممن عاشوا تجارب كثيرة في الحياة وعاركوا حلوها ومرها، لأخبرك قصصًا عديدة عن طبيعة أجسام الجيل القديم ممن كانوا لا يكلون ولا يملون، إذ يعملون طوال اليوم ضمن نظام دقيق ومتوازن، فالنهار للعمل والليل للنوم والظهر للقيلولة وأخذ قسط من الراحة، وكأنهم يطبقون المثل الشعبي تغدى وتمدى، تعشى وتمشي.
أي إسترح بعد الغداء، وتحرك بعد العشاء، ولو مضيت في الحديث مع ذلك الكهل لسخر من هذا الجيل الجديد ونعته بصفات شتى مثل جيل الوجبات السريعة والهمبورجر والكنتاكي وغيرها.
وعندما نتحدث عن الكولسترول أمام أحد هؤلاء من جيل الأجداد يبادرك بالقول: أي كولسترول هذا يا ولدي؟! نحن كان غذاؤنا الرئيس العسل والسمن العربي الأصلي واللحم وكانت حياتنا مليئة بالحركة والنشاط، نغدو إلى عملنا مع طلوع الشمس وأحيانًا لا نعود إلا مساء، والحمد لله لم أراجع الطبيب إلا مرات معدودات، ولو حاولت أن تباريه لوجدت قوة تفوق قوة الشباب في بعض الأحيان.
فضغوط الحياة والعمل الرتيب دون تجديد أسهما في ظهور أمراض كثيرة، مثل ارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة وتشنج القولون، حتى إننا أصبحنا نرى مثل هذه الأمراض في أعمار الشباب بينما كانت سابقًا مقتصرة على فئة الكهول، والملاحظ أن الكثير من هذه الأمراض أصبح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهموم والأحزان، ولا عجب أن نسمع أن فلانًا أصيب بنزيف مفاجئ من قرحة المعدة بعد التعرض لصدمة عصبية أو نفسية أو بعد فراق شخص عزيز عليه.
ولمرض الإمساك قصة مشابهة فهو أحد أمراض العصر المرتبطة بالبلادة والخمول وقلة الحركة، حيث يقضي بعض الناس الساعات الطوال سواء في عملهم أو في سياراتهم أو وراء أجهزة التلفاز والكمبيوتر والإنترنت ولا يكلفون أنفسهم عناء المشي، الذي يعتبر بحق أفضل أنواع الرياضة التي تؤدي إلى تنشيط الدورة الدموية، والتخلص من الإمساك والبدانة، إضافة إلى أن الخدم يمكن أن يحملوا عبئًا كبيرًا عن أفراد الأسرة كلها مما يفاقم القضية سوءً.
أما عن الربو فقد لاحظنا زيادة نسبة المرض عند ساكني المدن مقارنة بالأرياف والمناطق الجبلية، ففي المدن يكثر التلوث المناخي بكافة أشكاله، حيث عوادم السيارات ودخان المصانع، ولذلك قد يشتكي المرضى من نوبات السعال بمجرد انتهاء إجازاتهم السنوية وعودتهم للعمل داخل المدينة، ولا تنتهي هذه النوبات بشكل كامل إلا عند الإجازة السنوية المقبلة، حيث يتركون المدينة وتلوثها إلى مناطق الاصطياف الجبلية، حيث الهواء النقي والظروف الصحية المناسبة.
ولنقص حاسة السمع علاقة بظروف السكن، حيث يتدهور السمع في مناطق الضجيج، مثل المدن بسبب ضوضاء السيارات والمصانع، وقد يترافق نقص السمع مع حدوث الطنين والدوار بسبب تعرض الأذن الباطنية للأذى، ولذلك تعتبر الأرياف مناسبة للتخلص من هذه المشكلات الصحية.
ويبدو أن الإكتئاب قد يرتبط بشكل وثيق مع ظروف الحياة، فالرتابة في الحياة والإزدحام والضجيج قد يزيد في كثير من الأمراض العصبية والنفسية، ولهذا نجد أن الأمراض النفسية تكاد تكون حكرًا على فئة من البشر، وهي الفئة التي تتقلب في نعيم الحياة، وهنا أذكر المقولة التي تشير إلى النعيم الذي يعيشه البسطاء من البشر والذي لو علمه الأغنياء لجالدوهم عليه بالسيوف.
وليس عجبًا أن تكون الطبيعة الهادئة مصدر إلهام الشعراء والفنانين، فتسيل العبر من أقلامهم لوحات تضم كل معاني الجمال.
وهكذا أصبح من الضروري تغيير ظروف الحياة كي تصبح أيامنا حلوة نضرة، ونستعيد فترة الشباب ونشاطه قبل أن تستسلم لعصر أصبح كل شيء فيه يقاس بالساعة والدقيقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل