العنوان الفكر ينمو بالتجديد لا بالتقليد
الكاتب عبدالمنعم أبو الفتوح
تاريخ النشر السبت 20-مايو-2006
مشاهدات 63
نشر في العدد 1702
نشر في الصفحة 36
السبت 20-مايو-2006
كلمه التجديد من الكلمات الآسرة التي تحب الأذن سماعها، ويتطلع العقل إلى كشفها.. والتجديد يعني تهيئة مناخ الاستمرار والتقدم للأمام لأمر ما .. فكرًا كان أم حركة.. وتجديد الفكر يعني أن هذا الفكر لا يزال صالحًا لتوجيه الإنسان وإدارة شؤون حياته على التمام والكمال ويعني أيضًا الإيمان بحتمية هذا الفكر.
ومعلوم طبعًا أن الحياة في تغير دائم وحركة مستمرة، هكذا خلق الله الكون كله وكذلك الإنسان بطبيعة الحال.. في كل تفاعلاته واشتباكاته مع هذه الحياة.. استمرارًا وتطورًا. ومن ثم كان التجديد هو الأداة التي تصل الفكر بالحياة والإنسان لأنه . وهذا هو المهم - يعطي الفكرة عمقها الزمني (التاريخ والمستقبل).. ويفسر ويبرهن على قدرة الفكر على الاستمرار.. فالعقل الذي هو محور التكليف في حالة تساؤل دائم من؟ ولماذا؟ وكيف؟ وهو يمارس طرح هذه الأسئلة بصلاحيات مشروعة وفطرية كما يقولون.. وليس هناك في التاريخ الإنساني كله أسوأ وأبشع من إنكار جيل على جيل حقه في استخدام عقله في ممارسة صلاحياته هذه.. ولعل تاريخ الحروب الدينية الشرسة التي اجتاحت أوروبا في القرون الوسطى... كانت نتيجة لهذه الوصاية الكهنوتية التي لم يعرفها الدين من حيث هو دين.. ولكنها كانت مجموعة من الأهواء والشهوات موزعة بالتساوي بين ملك مستبد وقسيس خائن.
والفكر الإسلامي -أي الفكر الذي يفهمه البشر غير المعصومين من قراءتهم وفهمهم للإسلام- لا يختلف عن الفكر الإنساني العادي من حيث ضرورة تجديده ومن حيث قابليته أيضًا لهذا التجديد. ولعل الفكر الإسلامي يختلف عن بقية الأفكار في قابليته شديدة المرونة لإعمال هذه الخصيصة الكونية (التجديد).. ويرجع ذلك -في فهمي لسببين- الأول طبيعة هذا الفكر، والثاني أهداف هذا الفكر؛ فطبيعته الإسلامية تبعده عن الزيغ والإنحراف ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153) بمعنى أنه لو حاول أحدهم أن يتلاعب في طرح رؤاه التجديدية فالأصل موجود .. وقد جعل الله لهذا الدين من كل خلف عدوله الذين ينفون عنه الزيغ والغلو... كما أنبأنا النبي ﷺ، وأهداف هذا الفكر في الإنسان وحياته هو تنظيمها والارتقاء بها، وشق مسارات التيسير لعسيرها والتخفيف لأثقالها ورفع الحرج أمام الإنسان في انطلاقه نحو الكرامة والحرية والعدل.
ومن خصائص الإسلام العظيم أنه يحمل في تكوينه (الإيماني والتشريعي) المعايير والضوابط التي تجعل مفهوم التجديد يمشي في الاتجاه الصحيح ومن ثم يثمر الثمرة الصحيحة المنشودة.. وقد عرف التاريخ الإسلامي مصطلحًا لم تعرفه العلوم البشرية ذات الأصل الديني من قبل وهو مفهوم (الاجتهاد) والذي هو (جهد عقلي بيذله المجتهد في استنباط حكم من دليله).. وكان هذا المفهوم الخلاق وهو النعمة الإلهية والنور الرباني الذي جعله الله جسرًا بين النص المقدس والمصلحة المتجددة. وقيض الله لهذه الأمة من العلماء والفقهاء العباقرة من أعملوا عقولهم ما وسعتهم أعمارهم في وضع الضوابط والمعايير بل وتركها مفتوحة ذات طبيعة ولادة لمن يأتي بعدهم فيولد منها ويستخرج من خلالها معايير جديدة وضوابط جديدة تحفظ للنص قدسيته وللفكر تأصيله وتحفظ للعقل حقه في الفهم والتفسير وللحياة طبيعتها في الاستمرار والتطور.
وفي الوقت الذي لا تقوم فيه الأمة بالتجديد عن طريق هذا المفهوم الخلاق فإنها تكون بذلك على خطأ كبير.. لسبب شديد البساطة وهو أنهم يسهمون بطريقة مباشرة في إقصاء الإسلام عن الواقع.. وحرمان شجرة الفكر الإسلامي من ريها بالعطاء العقلي والتبصر الفكري وأكثر المبررات التي نسمعها في هذا الإطار هو ادعاء (الورع) وهو مبرر مخادع كسول.. لأن الورع الحقيقي يفرض على أصحابه إعمال الإسلام في واقع الناس بكل أشكال المقاربة والتيسير والفهم والتبصر .
والحقيقة أنني أصاب بدهشة شديدة حين أقرأ النقاشات التاريخية العظيمة التي تناولت مفاهيم وأفكارًا تدور كلها حول مفهوم (التجديد). فنرى اجتهادات حول جعل (المصالح المرسلة) أحد الأدلة الشرعية المعتبرة، ويتوسع الشاطبي في تفسير هذه المصالح ما بين ضرورية وحاجية وتحسينية، ونقرأ للعز بن عبد السلام -رحمه الله- ما يعني أن مصالح الناس ملحقة بالقواعد الشرعية.. وسمعت من أساتذتي وشيوخي الأجلاء الدكتور العسال والدكتور القرضاوي والدكتور سليم العوا عن عظمة العطاء العقلي للإمام الشاطبي في كتابه الشهير (الموافقات) وفي دفوعاته الفقهية في جعل مصالح الناس غاية أساسية للشريعة.
كل هذه العطاءات العقلية الهائلة في مدار (التجديد) كانت في ظروف حياتية وحضارية تخلو من التعقيد والتشابك والتزاحم.. فما الذي ينبغي أن يكون عليه الحال في ظروفنا الزمنية والحيانية المعاصرة . لا بد إذن أن تتضاعف الجهود أكثر وأكثر.. لأنه ببساطة شديدة إن لم تجد الناس آمالها فيما لديها سيبحثون عن بدائل أخرى من مصادر أخرى.
لا غنى لنا إذن عن التجديد وهو واجب لا نملك ترف تجاوزه، وأمل لا نملك غيره، فقد ضاقت الأمة بالتخلف والتراجع والظلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل