; فقيد الإسلام.. محمد أمين المصري | مجلة المجتمع

العنوان فقيد الإسلام.. محمد أمين المصري

الكاتب الأستاذ محمد الصباغ

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1977

مشاهدات 82

نشر في العدد 369

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 04-أكتوبر-1977

 إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أخذ الموت -في الشهر الماضي- من بيننا علمًا من أعلام الإسلام، ورجلًا من رجالاته، ظل في الساحة حتى آخر لحظة من حياته: إنه الدكتور محمد أمين المصري رحمه الله رحمة واسعة. 

 ووفاءً ببعض حقه أكتب هذه الكلمة المتواضعة التي تعرف بهذا الرجل الكبير، وتعبر عن عميق مشاعر الحب له، وتبكي حظ المسلمين الذين يفقدون الخلف حتى أصبحنا نخشى أن تخلو الساحة. 

 ولد محمد أمين في دمشق، وفي ربوعها الخيرة نشأ، وفي كريم أجوائها المتدينة المحافظة درج وشب، وكان الناس يومذاك بين عالم ديني منقطع عن الحياة المعاصرة، ويتبعه العامة، وشاب متفرنج تلقى علوم الغرب بروح مجافية للدين، فأضحى لا يبالي بالدين ولا يهتم به، ونشأت ناشئة فاضلة من فتيان دمشق المسلمة، تلقت من علوم العصر ما يتلقى أولئك المتفرنجون، ولكنها لم تنس دينها ولم تنحرف عن الصراط السوي، وبقيت وفية للإسلام وتعاليمه، مقيمة لحدوده وأحكامه، معلنة باعتزاز وإباء استمساكها به وتبنيها له.

 كان أولئك الفتية يلتهبون حماسة، ويمتلؤون غيرة، فتنادوا للتعاون على الخير والبر والتقوى، واتخذوا لهم من ربي جبل قاسيون مقرًا يأوون إليه، فيتداولون الرأي في الذي يجب عليهم أن يعملوا، ويقرأون بعض كتب التراث كأحياء وعلوم الدين ليتزودوا، ويلتفون حول مجله الرسالة يطالعون بنشوة وسرور مقالات الرافعي.. وكان فقيدنا محمد أمين المصري واحدًا من هؤلاء الشباب.

 وانتهت اجتماعاتهم المباركة إلى العمل على إنشاء أول حركة إسلامية حديثة في بلاد الشام. 

 هكذا بدأت حياة الطالب محمد أمين المصري في مكتب عنبر «۱» عملًا للإسلام ومواجهة للانحراف، واستعدادًا للمضي في المعركة إلى الرمق الأخير.

 ويبدو -كما يقرر ذلك أخونا الكبير الأستاذ عبد الرحمن الباني- أن هذه القراءة في كتب الغزالي تركت أثرًا كبيرًا في حياة الدكتور أمين، ظل حتى آخر حياته -عليه رحمة الله ورضوانه-، والشيء الذي يذكره عنه الأستاذ الباني، أن الدكتور أمين كان يتميز عن زملائه بإرادة صلبة جعلته يطبق كثيرًا مما يمر معه في الأحياء، مهما كان هذا الذي يطبقه صعبًا.

 وكان -غفر الله له- يمتاز بالابتسامة المضيئة العذبة، والحنان الدافئ، والرفق الوفير، والوفاء الجم لصاحب المعروف، فكان يشكره ويذكره بكل خير، وكان يتمتـع برنة صوت محببة تزيدها الابتسامة الدائمة حلاوة وسحرًا، أما بشاشته واهتمامه بمن يلقى ومحاولة خدمته فشيء منقطع النظير.

 سار أمين في مكتب عنبر حتى حمل شهادة البكالوريا «قسم الرياضيات»، ثم تابع دراسته في دار المعلمين حتى نال شهادة أهلية التعليم، وانتظم مدرسًا في قرية «داعل»، إحدى قرى محافظة حوران، ثم انتقل إلى دمشق مدرسًا في مدرسة طارق بن زياد، فعاد إلى أولئك الفتية يواصل عمله معهم لرفعة الإسلام، وكانت لديهم اهتمامات روحية وعلمية واجتماعية.

• فمن مظاهر الاهتمامات الروحية في فقيدنا أنه التحق ببعض مشايخ الصوفية يلتمس تصفية نفسه وتزكيه روحه، والتزم بتكاليفها وظل كذلك إلى أن تبين له ما تنطوي عليه من فساد وانحراف، فتركها محذرًا منها مبينًا ما رآه فيها من المساوئ. 

• ومن مظاهر الاهتمام العلمي تلك الندوات العلمية التي كان يسهم فقيدنا فيها إسهامًا جيدًا، وحضوره دروس عالم الشام الشيخ محمد بدر الدين الحسني، ودروس الشيخ أبي الخير الميداني، وغيرهم.

• ومن مظاهر الاهتمام الاجتماعي، اشتراكه مع زملائه في إنشائه الحركة الإسلامية الواعية التي أشرت إليها آنفا.

                                          *         *

 ثم انتقل عمله إلى الثانوي، فكان معيدًا في التجهيز ومدرسًا للدين فيها، فزاد نشاطه في الدعوة إلى الله جدًا لأن الذين يعلمهم شباب لا أطفال، وكانت الدعوة القومية في أوج انتشارها وذيوعها، واستطاع بلباقة فائقة أن يشق طريقه في الدعوة في أوساط هؤلاء الشباب، وأن يحقق ما يريد من الخير على وجه يضمن له الاستمرار في عمله، وكانت دعوته للإسلام في هذه المرحلة عن طريق الدعوة إلى الأخلاق.

                                     *        *

 وفي سنة ١٩٤١ ذهب إلى مصر للدراسة في كلية أصول الدين في الأزهر، والداعي إلى ذلك استكمال معرفة هذا الدين، والرغبة في إصلاح المسلمين، ونال من هذه الكلية الإجازة، ثم دخل معهد التربية وحمل شهادته. 

 وقد أعجب أيما إعجاب بالعالم العامل المجاهد الشيخ محمد الأودن -رحمه الله-، ويبدو أن الصلة بقيت قائمة بينهما على أتم وجه، وقد اصطحبني مرة إلى زيارة الشيخ الأودن في بيته في مكة، رحم الله الجميع.

 وكانت له صلة طيبة بالحركة الإسلامية في مصر، وكان يحرص على حضور محاضرات الأستاذ البنا -رحمه الله-، ومحاضرات العلامة السيد محمد الخضر حسين، وكان يلقي بعض الخطب في الحفلات الإسلامية التي كانت تقام، وله موقف مشهود في الجرأة في قول الحق، ومواجهة الناس به، وذلك أثناء حفلة أقيمت في دار جمعية الهداية الإسلامية في القاهرة.

 وقد حدثني الأستاذ الباني أنه انتفع مع الفقيد في مصر بتلك الدراسة التي اشتركا فيها، على العلامة السيد محمد الخضر في كتاب الموافقات للشاطبي.

 وعاد أمين المصري إلى بلاد الشام، فعين مدرسًا في الثانوي وقد درس علومًا عدة منها المنطق وعلم النفس. 

 ثم أرسل إلى باكستان ملحقًا ثقافيًا بالسفارة السورية- عمل هناك على نشر العربية وتعليها، وألف في ذلك كتابًا مهمًا، وممن تخرج على يديه الأستاذ خليل أحمد الحامدي «مدير دار العروبة للدعوة الإسلامية بباكستان»، ثم عاد ليعمل في وزارة المعارف يشترك في وضع مناهج التعليم.

 وفي سنة ١٩٥٦ «1» سافر إلى إنكلترا لدراسة الدكتوراه، وكانت له قصة في اختيار موضوع الرسالة، إذ أبى المستشرقون أن يكون موضوعه نقد «شاخت»، فاختار موضوعًا في «معايير نقد الحديث عند المحدثين» «2». 

 وعندما عاد إلى الشام عمل في لجنة التربية والتعليم في وزارة المعارف، ثم أستاذًا في كلية الشريعة في جامعة دمشق، ودرس فيما درس العقيدة ومصطلح الحديث وفقه السيرة، وقد عهدت إليه كلية التربية أن يدرس الطلاب المتخرجين من كلية الشريعة طرق تدريس الدين، وألف كتابًا في الطرق الخاصة للتربية الإسلامية، ليفيد منه الذين يعدون للقيام بالتربية الإسلامية، وتدريس العلوم الدينية في المدارس المتوسطة والثانوية. 

 ثم عمل في الحقل العام، فتعاون مع رابطة العلماء في توجيه الناس ودعوتهم إلى الخير، ثم اتخذ من جامع المرابط في حي المهاجرين بدمشق منطلقًا للدعوة.. إذ كان يخطب فيه الجمعة ويلقى فيه الدروس، وكان النساء يحضرن في مكان خاص بهن، وقد كان لهذا النشاط أثر كبير ولحقه بسببه غير قليل من الأذى. 

 كما عمل أيضًا في خدمة المدارس الشرعية، ولا سيما التي كانت تفتح أبوابها للطلاب الأتراك.

 ثم هاجر إلى الحجاز بعد أن أدرك أن الظروف الصعبة التي قامت في بلده، لا تتيح له أن يعمل ما يريد من أجل خدمة الإسلام، فترأس قسم الدراسات العليا في كلية الشريعة في مكة ثم في المدينة، وحذر من ابتعاث أبناء المسلمين إلى ديار الكفار ليتلقوا دينهم عن اليهود والنصارى، وكان له نشاط مشكور في إذاعة المملكة العربية السعودية وتلفزيونها. 

 وقد تبين له -تغمده الله بواسع رحمته- أنه لا بد من قيام دعوه إسلامية قوية متميزة شاملة، ووجد أن هذا هو السبيل الأوحد لإصلاح المسلمين، وخدمة الإسلام، وكان ينادي بذلك ولا سيما في أيامه الأخيرة.

 كما تبين له -عن طريق التجربة الذاتية- فساد الطرق الصوفية التي تدعي العمل لإصلاح النفس، ومن أجل ذلك كان من أشد الناس حربًا للدجالين القائلين بوحدة الوجود، وكان يحذر من خطرهم أعظم التحذير، ويعلن أن الخير كل الخير في اتباع ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والسلف الصالح لهذه الأمة.

 وكان -رحمه الله- محبًا لخدمة الصالحين، لا يبخل بجاهه ولا يتأخر عن مساعدة يملكها.

 ولا يفوتني أن أذكر مؤلفاته التي بلغني نبأ وجودها: 

  1. كتاب الطرق الخاصة للتربية الإسلامية. 
  2. كتاب تعليم العربية، ويقع في ٤ أجزاء، وهذا الكتاب ألفه خلال تعليمه العربية في باكستان. 
  3. الطفل السوي وبعض حالات شذوذه، وقد ترجم هذا الكتاب عن الفرنسية بالاشتراك مع غيره، ونشر في عدد خاص من مجلة المعلم العربي التي تصدر في دمشق. 
  4. محاضرات في فقه السيرة «مطبوع على الآلة الكاتبة».  
  5. محاضرات في العقيدة «مطبوع على الآلة الكاتبة». 

 وله عدد من المؤلفات التي لم تطبع بعد. 

 وبعد فما أكثر ما لقيت الدكتور أمين في دمشق ومكة والمدينة والرياض، ولكني لم ألقه مثل اللقاء الأخير الذي سبق موته بأسابيع ثلاثة، فقد التقينا في دوسلدورف بألمانيا في مخيم الطلبة المسلمين، كان -غفر الله له- يتألق صفاءً، ويموج حيويةً ويمتلئ نشاطًا، وكانت محاضراته القيمة موضع الاستحسان والإعجاب من السامعين.

 رحم الله الدكتور محمد أمين المصري وأحسن جزاءه، وعوض المسلمين عن فقده، وإنا لله وإنا إليه راجعون. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«1» هذا التاريخ ذكره الأستاذ عبد الرحمن الباني. 

«2» انظر تفصيل هذه القصة في كتاب «السنة ومكانتها في التشريع» لأستاذنا الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله- ص ۱۷ الطبعة الثانية.

 

• ملاحظة:

 إن معظم هذه المعلومات الواردة في هذه الكلمة، استقيتها من رفيق الفقيد وصديقه الأستاذ عبد الرحمن الباني -أحسن الله إليه وبارك في عمره-.

الرابط المختصر :