; الشورى في خلافة (۳من ۳) - سليمان بن عبد الملك - قناة العامة تعطي الخليفة صورة عن الوضع الطبيعي للأمة ومدى نجاحه فى إدارته | مجلة المجتمع

العنوان الشورى في خلافة (۳من ۳) - سليمان بن عبد الملك - قناة العامة تعطي الخليفة صورة عن الوضع الطبيعي للأمة ومدى نجاحه فى إدارته

الكاتب د. رعد محمود البرهاوي

تاريخ النشر السبت 15-مارس-2008

مشاهدات 118

نشر في العدد 1793

نشر في الصفحة 38

السبت 15-مارس-2008

شورى موظفي الدولة الكبار: إن مسؤولي الدواوين والدوائر الحساسة كانوا يشكلون ما يشبه مجلس الوزراء في الوقت الحاضر، حيث يقومون بتسيير شؤون الدولة اليومية ويقدمون مشورتهم إلى الخليفة عندما يطلب منهم ذلك، أو عندما يعتقدون أن الخليفة بحاجة إليها وبالتالي كانوا يساهمون في صنع القرارات المهمة. وهؤلاء الموظفون يشملون كتاب الرسائل والخراج والجند، والخاتم، والنفقات والبريد، وقادة الشرطة والحرس والحاجب. فكاتب الرسائل كان يمارس صلاحيات الوزير في العصر العباسي (١). 

أما كاتب الخراج والجند سليمان بن سعد الخشني الذي سبق وأن نقل دواوين الشام من اليونانية إلى العربية ويتمتع بخبرة طويلة في عهدي عبد الملك وابنه الوليد (۲) فقد وظف هذه الخبرة في خلافة سليمان، وكان مسؤول النفقات وبيوت الأموال والخزائن والرقيق عبد الله ابن عمرو بن الحارث (۳). أما مسؤول الأمن الداخلي والذي كان على اتصال مباشر بالخليفة فقد كان كعب بن حامد العبسي ذا الخبرة الطويلة منذ عهدي عبد الملك والوليد (٤) والذي بفضل تعاونه تم نقل السلطة بسلام بعد وفاة سليمان (٥).

أما الحاجب فقد كان سليمان بن أبي عبيد، وهو من جند فلسطين، وقد وصف بالخير والعبادة (٦) والحاجب هو القناة التي يتم من خلالها إيصال من يريد مقابلة الخليفة إليه فهو رئيس التشريفات (۷)

شورى الولاة

ولاة الأقاليم كانوا يمارسون سلطاتهم في ولاياتهم كممثلين للخليفة وسياساته وبالتالي فقد كانوا يشاركون في صنع القرارات التي تمس مصلحة الدولة العليا من خلال مراسلاتهم أو عبر زياراتهم الشخصية، وأحيانًا كانوا يسألون الإذن في القدوم على الشام لكي يشافهوا الخليفة بما يحبون (۸).

القادة العسكريون

إن القرارات العسكرية الخطيرة لم تكن تتخذ بصورة ارتجالية أو تعبيرًا عن طموحات شخصية، بل كان الخليفة يسأل أهل الخبرة والدراية في الشؤون العسكرية وعرف عن خلفاء بني أٌمية أنهم أداروا منذ عهد معاوية بن أبي سفيان دفة حروبهم من خلال اتكائهم على قادة أكفاء، سواء من خارج الأسرة - وهو على الأغلب - أو من داخل الأسرة التي أنجبت عددًا ليس بقليل من القادة الأكفاء ورغم أن المصادر تصوّر لنا حملة القسطنطينية الرابعة عام ۹۷ هـ / ٧١٥م على أنها مشروع شخصي لسليمان (۹) وليس استمرارًا لخطة طويلة الأمد منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه من خلال الحصار الأول عام ٣٢ هـ / ٦٥٢م بقيادة معاوية بن أبي سفيان ومن خلال الحصار الثاني في عهد خلافة معاوية بن أبي سفيان ما بين ٥٠ ٥٢ هـ / ٦٧٠-٦٧٢م والحصار الثالث ما بين ٥٤ – 60ه/673-697م(10).

تشير المصادر إلى أن الخطة التي وضعت الحملة القسطنطينية شارك فيها قادة أكفاء مثل موسى ابن نصير بطل فتوح المغرب والأندلس، والذي استشاره سليمان في الخطة المثلى لدحر الإمبراطورية البيزنطية وقد أشار عليه موسى بأن يوزع نصف قوات الحملة لحماية خطوط مواصلاته على طول الطريق المؤدي إلى القسطنطينية ويحاصر المدينة بالنصف الآخر، وقد عرض سليمان على مسلمة بن عبد الملك قائد الحملة هذه الخطة (١١) ويشير الذهبي إلى أن سبب تردد مسلمة في تأييدها أولاً يعود إلى أن تنفيذها يحتاج إلى وقت طويل قدره مسلمة بـ ١٥ سنة، كما نجد أن سليمان استشار قائداً عسكرياً آخر هو مغيث الرومي في تعيين طارق بن زياد الولاية الأندلس، فقال له: كيف أمره بالأندلس، فقال: لو أمر أهلها بالصلاة إلى أي قبلة شاءها لتبعوه، ولم يروا أنهم قد كفروا!!. ورغم روح المبالغة التي تسود هذه الرواية إلا أنها جعلت سليمان يعدل عن تعيين طارق.

الوفود

تعتبر وفود الأمصار والتي كان معظمها بعد من قبل الولاة، إحدى القنوات المهمة لإيصال حاجات الأقاليم إلى شخص الخليفة. ويشير الحنبلي (۱۲) إلى أن وفود الأمصار جاءت إلى بيت المقدس لمبايعة سلیمان سنة ٩٦هـ / ٧١٤م فلم تكن وفادة كانت أهني من الوفادة إليه.

وقد يكون الوفد مكونًا من شخص واحد كما حصل في وفادة عبد الله بن الأهتم إلى سليمان، وقد وصفه يزيد بن المهلب في كتابه إلى سليمان بأنه خبير بأوضاع العراق وخراسان، وقد حفل الاجتماع الذي ضم سليمان وابن الأهتم بأسئلة وجهها الخليفة عن أوضاع خراسان، ومن يصلح لولايتها وهنا رجا ابن الأهتم الخليفة أن يقترح أسماء ويقيمها له، فسمّى له رجالًا من قريش، فأجابه أین الاهتم: إنهم ليسوا من رجال خراسان و طرح اسم عبد الملك بن المهلب الذي كان الخليفة يهوى تعيينه إلا أنه أشار إلى عدم صلاحيته، وطرح اسم وكيع التميمي فوصفه بالشجاعة إلا أنه طموح، وأخيرًا طرح ابن الأهتم اسم يزيد بن المهلب وبين خبرته الطويلة فوافق الخليفة (١٣)، وأشير إلى وفادة أيوب بن بشير العدوي من البصرة (١٤) من غير تفاصيل.

 كما أشير إلى وفادة عبد الرحمن الغافقي من مصر، ويشير صاحب أخبار مجموعة إلى أن سليمان بن عبد الملك بعد أن جلب له وفد إفريقية خراجها، أمر الوفد أن يحلفوا بالله الذي لا إله إلا هو - وكانوا عشرة من وجوه إفريقية وأجنادها أن المال المجموع، لا يوجد فيه دينار ولا درهم إلا أخذ من حلال وأنه ما بقي من عطيات إفريقية من المقاتلة والذرية، بعد أن أخذ كل ذي حق حقه، وهكذا نجد أن هذه الوفود كانت تشكل قناة مزدوجة فهي تعبر عن رأي ولاة المصر من جهة، وعن رأي أهل المصر من جهة أخرى.

لشورى العامة

مصطلح العامة يتسع لكل من هو خارج الاتصال المباشر بالخليفة بصورة أو بأخرى، وهو يشمل الفقهاء والعباد والشعراء وعامة الناس والشورى المقدمة من هؤلاء، قد تثمر بصورة أو بأخرى، وقد يكون تأثيرها في الأحداث غير مباشر فتساهم في إنضاج القرارات المهمة، فقد ألتقى سليمان مع طاوس اليماني في موسم الحج عام ٩٧ هـ / ٧١٥م وعندما طلب منه أن يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار له حديثًا في حجم الأمانة التي يتحملها الحاكم أمام الله: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمه (١٥)، وكان الخليفة يلتقي مع الشعراء في مجلس مفتوح، ومن المعروف عن الشعراء أنهم إحدى القنوات الإعلامية ما بين الرأي العام والسلطة (١٦) وأشير إلى أحد الأعراب الذي دخل مجلس سليمان وحذر الخليفة بصورة علنية من بعض المحيطين به والذين وصفهم بأنهم من طلاب الدنيا وأشير إلى أعرابي آخر سأله سليمان عن سقوط الأمطار في بلاده وهنا نجد الخليفة يطلع على أحد العوامل المؤثرة في الاقتصاد الزراعي وهو المطر. كما أشار ابن قتيبة إلى قدوم رجل لم يشر إلى اسمه على سليمان وعندما سأله سليمان عن سبب قدومه قال له: إنه لم بأنه رغبة ولا رهبة وإنما قدم للتعبير عن شكره لحُسن سيرته. ومن الطبيعي أن قناة العامة تعطي للخليفة صورة عن الوضع الطبيعي للأمة، ومدى نجاح الخليفة ورجال إدارته في تخفيف المعاناة عنهم وهو الهدف النهائي الطموحات الحاكم المسلم بعد رضا الله تعالى عنه.

المراجع

(۱) خليفة، تاريخ، ص ۳۱۲۲۲۸، ٤۰۸. 

(۲) خليفة، تاريخ، ص ۳۱۹؛ الذهبي، تاريخ الإسلام أحداث ۱۰۱ - ۱۲۰، ص ۹۸. 

(۳) الجهشياري، المصدر السابق، ص ٤٩ 

(٤) خليفة المصدر السابق، ص ۳۱۹

(5) الطبري، تاريخ: ٥٥١/٦ ويقارن الدينوري، الاخبار الطوال، ص ۲۲۹ -230

(6) الفسوي المعرفة والتاريخ: ٤٠٢/٢ خليفة المصدر السابق، ص ۳۱۹

(۷) الخربوطلي. الاسلام والخلافة، ص ۱۳۱۰

(۸) الطبري، تاريخ: ٠٥٤٥/٦

(۹) ابن قتيبة الإمامة والسياسة :٧٣/٢. 

(۱۰) البرهاوي: أجناد الشام من ١٤٠ - ١٤٤.

(۱۱) سير أعلام ٤١٢/٥.

(۱۲) الأنس الجليل ص ٢٤٢

(۱۳) الطبري، تاريخ: ٥٢٦٠٥٢٥/٦. 

(١٤) الذهبي، تاريخ الإسلام حوادث ۱۰۱ ۱۲۰: ص ۷۹

(۱٥) ابن بكار، الأخبار الموفقيات: ص ۸۲.

(١٦) الطبري، تاريخ: ٥٤٧/٦ 

الرابط المختصر :