العنوان الحركة الإسلامية في الهند.. المثقفون أوسع مجال لنشاط الجماعة الإسلامية في الهند
الكاتب وي – عبد الله عمري
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1971
مشاهدات 87
نشر في العدد 57
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 27-أبريل-1971
عندما استولى الاستعمار الغربي على بك والهند وخضعت لحكم رقاب الملوك والأمراء المسلمين وغير المسلمين، وسلط الغرب على أهل الهند نظام تعليمهم وثقافتهم الغربية وأثر ذلك في عقائد المسلمين ودينهم وثقافتهم أثرًا كبيرًا؛ لأن نفرًا قليلًا منهم رحبوا بهذا النظام وهذه الثقافة فأورثت فيهم الشكوك والشبهات في أمر الدين وعقائده الإسلامية كوجود الخالق وبعثة الرسل والبعث والنشور والحساب والجزاء، ومن جهة أخرى فإن الذين خافوا من الثقافة الغربية وابتعدوا عن نظام تعليمها نشأ عندهم فكرة التبري والتباعد عن ميدان السياسة وعن كل ما جاء به الغرب، و آثروا الزهد وترك رفاهية الدنيا والتزموا زوايا المساجد وكانت عامة المسلمين مع هذا الصنف، فبقى الإسلام في نظر أولئك الزاهدين وأتباعهم اسمًا لعبادات مخصومة ورسوم جارية لا علاقة لها بالمجتمع ولا بمرافق الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
لا محالة أن الإسلام الذي جاء هداية للبشر في جميع مرافقهم الحيوية ولقيادتهم في الدنيا وفق قوانين الله -سبحانه وتعالى- دين كامل جامع لجميع الشئون المعاشية والفردية والاجتماعية والسياسية، فهذه الفكرة التي تحد الدين في الحياة الفردية فكرة تحريف للإسلام وتبديل له، لكن من فضل الله أن نبه الأمة إلى ما هو الحق والفلاح في مثل هذه الأوقات؛ تطبيقًا لقوله -صلى الله عليه وسلم- أن الذي يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها طبقًا لهذه القاعدة الإلهية تنبه رجال المسلمين في الهند وأمامهم القائد الكبير محمد علي جوهر، والشاعر الأعظم محمد إقبال والخطيب المصقع أبو الكلام أزاد إلى حقيقة الأمر ووضعوا الإسلام أمام المسلمين على أنه نظام كامل جامع للحياة بخطبهم الجذابة ووسائلهم المقنعة وقيادتهم المطاعة، فانتبه المسلمون عمومًا إلى حقيقة الأمر ونشأت فيهم حركة الخلافة وهذه الحركة أيقظت الأمة المسلمة في الهند إلى أن دينهم دين كامل جامع لجميع مرافق الحياة، وبقي هناك بيان فلسفة الإسلام من حيث عقائده وعباداته وأحكام تشريعاته من حيث السياسة الاقتصــادية والاجتماعية؛ لأن هذا العمل عمل يحتاج إلى زيادة تحقيق وتأمل لم يكن لأولئك المبلغين فرصة لهم في بيئتهم الراهنة، هذه الحركة حركة الخلافة كانت وليدة لفكرة الاستقلال وتحرير الهند من قبضة الاستعمار الغربي وعبوديته، فاشترك فيها غير المسلمين بالكثرة مع المسلمين الذين كانوا قادتها في بادئ الأمر، وهذا الاشتراك أفسد هذه الحركة وحرَّفها عن محجتها حتى اعتزلها كثير من المسلمين وأسموها باسم الجامعة المسلمة، وكانت للاستعمار الغربي يد لا تحمد في إنشاء الشكوك والشبهات بين المسلمين وغير المسلمين في هذه البيئة؛ لتدوم لهم الحكومة باختلاف الشعب وعدم اتفاقهم على تحصيل الاستقلال و الحرية، وهذا الشقاق بين الشعب كان سببًا لخمود «حركة الخلافة»، وتوجيه نظر المسلمين إلى الفكرة القومية المسلمة بدل العقيدة والنظرية الإسلامية، وكل هذا يجري حوالي سنة ۱۹۳۱ - ۱۹۳۰ ميلادية.
تشكيل الجماعة الإسلامية
في هذا الوقت نفسه كان الأستاذ السيد أبو الأعلى المودودي يصدر مجلة ترجمان القرآن، وينشر فيها مقالات قيِّمة مبنية على حقائق الإسلام وفلسفته من حيث أنه عقيدة ودين وشريعة، ورَدَّ بذلك الشبهات التي أثارها الغرب ضد الإسلام والمسلمين، وبين أن لا حاجة للمسلمين ولا للعالم إلى أي قانون وضعي مستورد من الغرب ولا من الشرق، بل الإسلام كان للفلاح الدنيوي والأخروي مع سلامة قوانينه عما تحتوي عليه القوانين الوضعية من الانحراف عن طريق العدل وتناسي حقوق الخالق القدير، وبين أن ليس الفلاح لأهل الهند في الوطنية ولا في القومية بل الفلاح كله في الإسلام الذي هو دين الله لخلقه أجمعين.
هذه الدعوة المتتابعة من الأستاذ المودودي على وجه التحقيق والبيان فتحت عيون رجال صالحين في أنحاء الهند، وكتبوا إليه وأظهروا الاتفاق معه في الرأي، وطلبوا منه نداء للاجتماع للموافقين لهذه الدعوة، بُناءً على هذا الطلب من كثيرين دعا الأستاذ السيد أبو الأعلى المودودي أولئك النفر الذين أظهروا الاتفاق له؛ ليجتمعوا بمدينة لاهور غرة شعبان من سنة 1360 هـ الموافق الخامس والعشرين من أغسطس ١٩٤١ م، فاجتمع خمسة وسبعون من رجال الدين وفكروا وتشاوروا في الأمر وشكلوا الجماعة الإسلامية اليوم الثاني من الاجتماع، وقرروا قانونًا للجماعة لوائح عمل تسير عليها الجماعة في سيرها إلى الأمام، وانتخبوا الأستاذ السيد أبا الأعلى المودودي رئيسًا للجماعة وقسموا أعمالها تطبيقًا للائحة عملها إلى أقسام لا بد منها حسب الظروف والأحوال.
تابعت الجماعة الإسلامية سيرها، ونشرت الدعوة الإسلامية بين أهل الهند بطرائق متعددة بالرسائل والمجلات والجرائد والخطب والاجتماعات، وحصل لها أعضاء من بدايتها ضحوا بكل ما لهم للجماعة ودعوتها ابتغاء رضوان الله وكان أمام الجماعة في هذا الوقت حزبان لا بد من مقاومتهما في سيرها إلى الأمام حزب المؤتمر الوطني وحزب الجماعة المسلمة؛ لأن فكرة تحرير الهند من قبضة الاستعمار الغربي بلغت ذراها، فمن البديهي أن يكون نظر الشبان موجهًا إليهما، لكن الجماعة قاومت في هذه المرحلة الهائلة الخطيرة بكل حذر وثبات، ولفتت نظر نفر غير قليل إلى حقيقة الإسلام ونظرياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، سارت الجماعة سيرها هذا إلى أن حصلت الهند على الحرية، وقُسِّمت إلى دولتين: الهند وباكستان سنة ١٩٤٧م.
الجماعة الإسلامية الهندية
لما قسمت الهند مع استقلالها إلى دولتين الهند وباکستان انقسمت الجماعة الإسلامية أيضًا إلى قسمين كسائر الجماعات التي تعمل في البلاد الهندية، ولم يبقَ للجماعة الإسلامية التي تعمل في المهند بعد التقسيم علاقة ما بجماعة باكستان التي يرأسها الأستاذ السيد أبو الأعلى المودودي، فاجتمع أعضاء الجماعة الإسلامية في الهند بلدة الله آباد سنة ١٩٤٨، وانتخبوا الأستاذ أبا الليث الندوي رئيسًا للجماعة في الهند وعين مقرها في ملیح آباد ثم في رامبور وأخيرًا في دلهي سنة ١٩٦٠ قاعدة الحكومة الهندية لبعض الوجوهات التي اقتضت هذا التعيين، وكان مجموع عدد أعضاء الجماعة قبل انقسامها ٩٣٥ وبقى في الهند بعد التقسيم 3٤٠ عضوًا مع ما لها من المعاونين والمؤيدين عدد كبير في طول البلاد وعرضها، وكان من الضروري بعد استقلال الهند وتغير أحوالها أن يبدل القانون الذي جرت عليه الجماعة الإسلامية في أعمالها، فقرر قانون جديد تسير عليه الجماعة في سنة ١٩٥٦ م، وقررت لوائح أعمال الجماعة وحكمتها العلمية تحقيقًا لهدفها المرموق من إقامة الدين وإظهاره على الدين كله طبق هذا القانون الجديد.
هكذا تعمل الجماعة الإسلامية في الهند وتجتهد جهدها البالغ في إقامة الدعوة الإسلامية في الشعب عمومًا وفي المسلمين خصوصًا، تدعو المسلمين إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وترك ما يخالف الإسلام من العقائد والأعمال والرسوم، وأنه لا يقبل الله غير الإسلام دينًا، وإلى تزكية أخلاقهم وأعمالهم وعاداتهم بالتحلي بالأخلاق الحسنة التي علمها سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد -صلى الله عليه وسلم-، وتدعو غير المسلمين إلى أن الإسلام دین خالق السموات والأرض أرسله على يد آخر الأنبياء محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ ليدعو الناس كافة إلى الله الذي هو خالقهم ورازقهم لا إله غيره ولا رب سواه، وهذا الدين ليس خاصًّا بالعرب ولا بالمسلمين بل هو للعالم أجمعين، وكل ما سواه من العقائد والأديان كلها ضلالة وهلكة، وأن الحياة الدنيوية حياة فانية يجرى فيها جزاء أعمال الإنسان في هذه الحياة الدنيوية، فمن أجاب هذه الدعوة سلم دنياه وآخرته، ومن عصى فقد ضلّ وغوى.
تلاحظ الجماعة الإسلامية في تبليغ هذه الدعوة كل صنف من أصناف الشعب رجالهم ونساءهم شبانهم وشيبهم خواصهم وعوامهم طلبتهم وعمالهم، بجانب ملاحظتها في ميدان الدعوة والتبليغ تطبيقًا لقوله -تعالى-: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ﴾
(سورة النحل: 125)، وتصدر الجماعة لتحقيق مهمة الدعوة والتبليغ جرائد أسبوعية ويومية ومجلات شهرية فوق الكتب التي نشرتها في مختلف أنحاء البلاد، ويبلغ عدد أعضاء الجماعة في هذا الوقت أكثر من ألفين وعدد المؤيدين والمتفقين ألوفًا مؤلفة تنتشر في طول البلاد وعرضها.
المسائل التي يواجهها المسلمون
التي غرس بذورها الغرب في قلوب الأكثرية غير المسلمة في الهند لا زالت تتوالى نكباتها وجورها على مسلمي الهند خلال السنوات الأربعة والعشرين الماضية في عدة أماكن من البلاد، وسفكت في سبيلها دماء ألوف من النساء والصبيان والشبان والشيب وأهلكت الأموال والمنازل والمتاجر والمعابد، فصار بها الأغنياء فقراء والصبيان يتامى والزوجات أرملات، كما أن الصهيونية العالمية واليهودية الظالمة تنتقم من إخواننا المسلمين العرب في أراضينا المقدسة فلسطين وسيناء وغزة وغيرها من البلاد الإسلامية العربية، ولمواجهة تلك الطائفية الخطيرة تجتهد الجماعة الإسلامية بحسب استطاعتها بدفع الشكوك والشبهات لغير المسلمين من الإسلام والمسلمين وبنصح الأمة المسلمة بالصبر والثبات والرجوع إلى الله وبالمدد المالي بجمع التبرعات وتوزيعها بين المنكوبين.
حركة توحيد الثقافة:
هذه الحركة يقودها الطائفيون في الهند يدعون بمحو كل ثقافة مخالفة للثقافة الهندية، هدفهم الأول بهذه الحركة محو الثقافة الإسلامية التي هي في نظرهم ثقافة أجنبية بالنسبة إلى الهند، هذه الحركة مما يجب مقاومتها ببيان أن ليس للهند بل ولا لأي بلد من البلدان ثقافة خاصة بل الثقافات تابعة للأديان، والهند مشتملة على أهل أدیان شتى ومِلل مختلفة، فثقافتها أيضًا مختلفة ومنها الثقافة الإسلامية المبنية على دين الله الحق لجميع الخلق سواء فيه العرب والعجم، فهو الجدير لأن يكون ثقافة عامة شاملة وهذا مما تهتم به الجماعة في دعوتها.
تغيير القوانين الشخصية:
التي كان المسلمون يعيشون عليها في نكاحهم وطلاقهم وتوريث تركاتهم، فقد دعا طائفة منهم من ينتمي إلى الإسلام بالاسم بأن تكون القوانين واحدة لكل شعب سواء فيها المسلمون وغيرهم، وهذا أيضًا مما يجب مخالفته ومقاومته بجميع آراء المسلمين خلافها وبيان أن ليس لأحد حق لتغيير أحكام الله التي شرعها لعباده، وهذا ما تفعله الجماعة في هذه المسألة.
التعليم الديني:
الحكومة الهندية حكومة علمانية لا دينية لا علاقة لها بأي دين من الأدیان بمعنى أنها لا تتدخل في أمر دين الرعية، وكذلك التعليم الديني لا يحصل له مدد ولا نصرة من جانب الحكومة، فالمسلمون في الهند تعود عليهم مسئولية التعليم الديني لأولادهم ومسئولية إنشاء علماء يحملون علوم الدين من السلف إلى الخلف، وهذه المسئولية ألقت على كاهلهم عبئًا ثقيلًا؛ لأنهم أنشأوا مدارس دينية في كل قرية يقيم فيها المسلمون خصوصًا في كيرالا التي هي أهم الولايات في الهند بالنسبة إلى المسلمين ويؤدون نفقات التعليم من عند أنفسهم، وهذه المدارس الدينية كلها صباحية لأن طلبتها مضطرون للذهاب إلى المدارس الرسمية الحكومية للتعليم العصري، وتتولى إدارة هذه المدارس الدينية في كيرالا لجان محلية تحت جماعات دينية تعمل في الإسلام منها الجماعة الإسلامية، ولكن هذه المدارس الابتدائية لا تفي بحاجة الأمة المسلمة ولا يُؤدى بها مسئولية إنشاء الجيل الصالح الذي يخلف السلف ويقدر على مواجهة تيارات العصر ونزاعاته؛ لأن نظام التعليم للحكومة العلمانية اللادينية يكاد يفسد العقائد الدينية إلى بما تنفثه الأحزاب السياسية المضلة من الإلحاد والكفر في النشء الجديد.
بناء على هذه الحقيقة الواضحة وجهت شعبة الجماعة الإسلامية بكيرالا نظر المسلمين إلى أهمية إقامة المعاهد الثانوية العليا التي تقاوم هذا الأمر الخطير، وتعين على إنشاء جيل صالح يجتهد لإقامة الدين ومواجهة تيارات العصر، نتيجة لهذا التوجيه تعمل في كيرالا لجنات ذات أهمية كبرى في ميدان التعليم:
1- اللجنة الإدارية للكلية الإسلامية كتيادي.
٢-لجنة تبليغ الإسلام التي تتولى إدارية الكلية الإسلامية بشانت برم.
3- اللجنة الإسلامية التي تتولى رعاية المعاهد الأربعة الكلية الإصلاحية والمدرسة الإسلامية الابتدائية والثانوية التي تساير المدرسة الرسمية الابتدائية والثانوية ومدرسة البنات -بسند منغلور- كاليكوت، وتؤدي هذه المعاهد مهمة كبرى نحو الإسلام والمسلمين في كيرالا؛ لأن كثيرًا من الطلبة والطالبات المتخرجين من هذه المعاهد يجاهدون في سبيل الله بتبليغ دينه في داخل كيرالا وخارجها فيهم الخطباء والمدرسون والصحافيون والكتاب، وفّقنا الله وإياهم للعمل بما يحب ويرضى.
عبد الله عمري