; سياسة المصلحة بين أميركا والروس والفرنسيين | مجلة المجتمع

العنوان سياسة المصلحة بين أميركا والروس والفرنسيين

الكاتب أبو أسعد

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1980

مشاهدات 103

نشر في العدد 482

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 27-مايو-1980

    في أول مؤتمر صحفي عقده وزير الخارجية الأمريكية الجديد «أدموند موسكي» وهو واحد من الوزراء اليهود في حكومة الرئيس جيمي كارتر- أجمع المراقبون السياسيون بأن الإشارات التي أوردها وزير الخارجية تؤكد بأن مساعي الوفاق الدولي مع الاتحاد السوفياتي قد دخلت إلى مدار التسوية، ففي حديثه أثناء المؤتمر ركز موسكي على «اتفاقية السالت» لاعتقاده بأنها تمثل نقاط الارتكاز الرئيسية في العلاقات الأمريكية -السوفياتية، وعلى محور آخر فقد أجمعت التحليلات السياسية في الغرب على أن العلاقات الأمريكية- الفرنسية قد دخلت في مطب هوائي معقد، ولنا عند هذا الاتجاه من الوفاق ملاحظات.

أولًا- أميركا والسوفيات:

  1. لقد جيء بموسكي إلى وزارة الخارجية بعد استقالة فانس على اعتباره واحدًا من أبرز المتعاطفين مع سياسة الوفاق مع الروس في وقت تصاعدت فيه الأزمات الأمريكية مع العالم الثالث. 
  2. إن الإعلان عن هذه السياسة «الوفاق الروسي الأميركي» يؤكد الموقف الحقيقي للأمريكان من غزو الروس لأفغانستان الإسلامية، وهو موقف لا يتعدى سياسة الوفاق واقتسام مناطق النفوذ والاستعمار في العام. 
  3. إن رجال كارتر يشعرون بأمس الحاجة لاستمرار الوفاق مع الروس؛ بسبب ما يعانيه البيت الأبيض في مطب هوائي من ظروف داخلية وخارجية مثل الانتخابات الرئاسية، والأزمة مع إيران، ومحاولة انفلات بعض الأنظمة في العالم عنها باتجاه الاتحاد السوفياتي. 
  4. نقل عن بعض المراقبين للأوضاع الدولية أن الأمريكان يستعدون للفعل البديل الموازي للغزو السوفياتي لأفغانستان ضمن سياسة الوفاق على المصالح الدولية بين الدولتين. 

ثانيًا- أميركا وفرنسا:

     إن دخول العلاقات بين فرنسا والبيت الأبيض في مطب هوائي يرجع إلى أسباب أساسية، منها:

  1. محاولة الأليزيه الفرنسية إسقاط مبدأ التشاور مع الأمريكان في المسائل ذات الحساسية الدولية، وهذا ما حصل لدى اجتماع القمة بين ديستان وبريجنيف في الأسبوع الماضي. 
  2. مراهنة الفرنسيين على سقوط كامب ديفيد وجهود حكومة ديستان لطرح مبادرة أوربية تسقط كامب ديفيد من ناحية وتدخل الأطراف العربية الأخرى في الصلح مع اليهود من ناحية أخرى، وهذا يتيح للفرنسيين بعض الامتيازات التي يقررها مثل هذا الصلح. 
  3. محاولة الفرنسيين إيجاد كتلة أوروبية ذات نزوع استقلالي تقف فرنسا على عرش زعامته إكمالًا للمخطط الديغولي الاستقلالي المعروف.

     بعد هذا لا بد من القول إن لعبة الوفاق هي محاولة لتنسيق اقتسام مناطق النفوذ في العالم، وما يحدث بين أميركا وروسيا وفرنسا إنما هو فعل مصلحي لا غير، بينما العالم الآخر ما زال في فلك هذه الدولة الطامعة أو تلك. 

  • فالاتحاد السوفياتي الذي دخل لعبة الوفاق بعد الحرب العالمية ورسخها مع الأميركان في عهد الرئيس نيكسون مازال يحاور الأميركان بخاصة، والغرب بعامة دائمًا في متابعة دائبة للمتغيرات الدولية التي قد تؤثر على الميزان الاقتصادي لصالح دول العالم الثالث المغلوب، ولهذا فتح الحوار مجددًا بين الروس الأميركان فيما يسمى باتفاقيتي «سالت ۱» و «سالت ۲»، وكان انسحاب قسم كبير من القوات والآليات الروسية التي كانت متمركزة على الحدود بين ألمانيا الشرقية، وألمانيا الغربية ليتبع ذلك بعد أيام قليلة غزو الروس لأفغانستان، الذي ذكر بعض المراقبين المسلمين أن الهدف منه عدم تمكين قيام حكومة إسلامية في أفغانستان، تكون فيما بعد هي الحكومة الرائدة للحركات الإسلامية الطامحة لتحكيم الإسلام في دول العالم الإسلامي.
  • والفرنسيون الذين سنوا خطة النزعة الاستقلالية منذ عهد الرئيس شارل ديغول يحاولون في هذه الفترة تعميق محورهم المصلحي في العالم، وبالفعل فقد دخل الفرنسيون لعبة المصالح في كل من أفريقيا وآسيا؛ حيث شاركت العسكرية الفرنسية في قمع كثير من حركات التمرد على الأنظمة الأفريقية التي ارتبطت بفرنسا عبر مصالح اقتصادية، كما تمكن الفرنسيون على جانب آخر من الحصول على امتيازات اقتصادية تتعلق بالنفط في الخليج العربي، وباليورانيوم في مواقع استراتيجية على الخارطة الأفريقية، وليس أدل على دخول فرنسا اللعبة الدولية من الحشود العسكرية البحرية في المحيط الهندي والخليج، وقد اعتبرها بعض الإستراتيجيين قوة ثالثة، تأتي بعد الحشود الأميركية والروسية مباشرة، ولعل السلوك الفرنسي هذا سيعمق سياسة الوفاق بين كل من الروس الأميركان في المستقبل.
  • أما رجال البيت الأبيض فهم اليوم محكومون للرأي العام اليهودي؛ بسبب اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، وهذا يعني أن اليهودية الدولية دخلت سياسة الوفاق بين العملاقين، وليس أدل على هذا من تعيين اليهودي «موسكي» وهو من أنصار سياسة الوفاق مع الروس وزيرًا للخارجية، كما أسلفنا أعلاه، ويبقى كل من الأميركان والقوى اليهودية مرتبطين في سياستهم بالمصلحة الاستعمارية «الأميركية- اليهودية» التي تسعى إلى إحكام الضربة في الشرق الأوسط، والخليج، وأوروبا الغربية، وشرق آسيا، وأميركا اللاتينية، ويبدو أن هذا الإحكام سيكون أكثر متانة، وأشد رسوخًا إذا كان ضمن سياسة الوفاق مع الروس الذين يمكنون لمصالحهم في أجزاء أخرى من هذا العالم.
الرابط المختصر :