العنوان أفريقيا تستطيع أن تقول: «لا» للولايات المتحدة
الكاتب بدر حسن شافعي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1999
مشاهدات 64
نشر في العدد 1345
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 13-أبريل-1999
- أفريقيا التزمت معظم الشروط الأمريكية في الإصلاح الديمقراطي و الاقتصادي .. و لكن الإدارة الأمريكية لم تقدم الدعم المطلوب
- حجم المساعدات الأمريكية لكل دول القارة جنوب الصحراء يبلغ ربع المساعدات الأمريكية للعدو الصهيوني
هل تستطيع أفريقيا أن تقول «لا» للولايات المتحدة؟ سؤال يتردد كثيراً على ألسنة المحللين السياسيين وخبراء الاستراتيجية المعنيين بشؤون القارة السمراء، مع بروز الضغوط الأمريكية على عدد من دول القارة لانتهاج سياسة تحقق المصالح الأمريكية وحدها.
وقد كانت الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي لست دول أفريقية العام الماضي نقطة تحول في التوجه الأمريكي الجديد.
1- فالولايات المتحدة تسعى لتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في القارة بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى - أي بغض النظر عن استفادة القارة من ذلك أم لا؟ هذه المصالح الاقتصادية تتمثل في الأساس في زيادة نسبة المبادلات مع أفريقيا، إذ لا زالت هذه النسبة ضئيلة للغاية (6.7%)، تحتل بها الولايات المتحدة المرتبة الثالثة في حجم المبادلات مع أفريقيا، يسبقها الاتحاد الأوروبي «30%» واليابان «7.2 %».
أما بالنسبة للمصالح الاستراتيجية، فتتمثل في محاولة السيطرة وتأمين النفوذ الأمريكي حول الممرات المائية المتحكمة في حركة التجارة الدولية، مثل منطقة القرن الأفريقي والبحيرات العظمى، وحماية وجود دول حليفة لها عند منابع المياه، بحيث تضمن السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية التي تخدم بالطبع حليفتها إسرائيل. ويمكن من خلالها تهديد دولة المصب (مصر)، ومن هنا يمكن فهم زيارة كلينتون لكل من أوغندا ورواندا.
2- ويرتبط بالنقطة السابقة أن الولايات المتحدة تركز على بعض الدول في أفريقيا.
باعتبارها دولًا محورية لها، خاصة أوغندا التي أصبحت تلعب دورًا خطيرًا بالنسبة لدعم المتمردين في جنوب السودان، ومن ثم تهديد الحكم في الخرطوم.
3- أن الولايات المتحدة تسعى لتحقيق أعلى ربح بأقل تكلفة، وقد ظهر ذلك بوضوح في المبدأ الذي رفعه الرئيس كلينتون أثناء الزيارة، والذي جاء فيه «أن بلاده تسعى لإيجاد علاقة شراكة مع أفريقيا تقوم على أساس التجارة لا المعونة». ومعنى ذلك أن الفترة القادمة ستشهد سحب واشنطن لمعوناتها الأفريقية - الضئيلة أصلاً- والتي لا تتجاوز 700 مليون دولار للدول الأفريقية جنوب الصحراء، والدخول في منافسة حرة بالطبع ستكون لصالح واشنطن.
٤ - الترويج لفكرة الهيمنة الأمريكية العسكرية على أفريقيا، وذلك من خلال التأكيد على إنشاء قوات حفظ سلام أفريقية بإشراف أمريكي لحل النزاعات في القارة. وهو ما يعني الإشراف الأمني الكامل على مقدرات القارة دون أي خسائر مادية أو بشرية، وهو ما يشبه الإشراف الأمريكي على الجانب الأمني من اتفاق «واي بلانتيشن» بين الفلسطينيين وإسرائيل.
5- الرغبة في السيطرة والهيمنة على مناطق النفوذ الفرنسي في القارة، الذي تضاءل كثيرًا بعد خفض ميزانية القوات الفرنسية العاملة في أفريقيا. كما يُلاحظ أن أمريكا ترغب في القفز فوق فرنسا - فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية- إذ لا تزال فرنسا متقدمة على الولايات المتحدة في هذا الشأن.
أسباب الرفض الإفريقي لواشنطن
تتعدد أسباب الرفض الأفريقي لواشنطن؛ هذا الرفض لم يأت في يوم وليلة، وإنما جاء نتيجة خبرة التعامل بين الجانبين طيلة السنوات الماضية، خاصة التجربة الأمريكية في الصومال التي لم تساعد في «إعادة الأمل»، بل في قتل الآمال. ويمكن تلخيص أسباب الرفض الأمريكي لواشنطن فيما يلي:
١ - الإدراك الأفريقي - لدى القادة الموالين وغير الموالين لواشنطن - أن الإدارة الأمريكية تسعى - بكل السبل - لتحقيق مصالحها الخاصة فقط، دون أدنى اعتبار لمصالح القارة ذاتها. هذا الإدراك تأكد في رغبة واشنطن في وقف المساعدات المقدمة لأفريقيا (تبلغ ربع المساعدات المقدمة لإسرائيل وحدها) وإقامة شراكة تجارية. بالطبع ستكون في صالحها.
الرفض الإفريقي لهذه الشراكة يستند إلى عدة أمور:
أ - أنه لم يسبق هذا التحرك اتخاذ أي خطوات إيجابية بشأن إلغاء الديون أو تخفيضها.
ب - الخوف من تحول هذه الشراكة إلى ورقة ضغط أمريكية.
ج - التجربة المريرة التي تعاني منها هذه الدول مع المؤسسات المالية الدولية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.
د - ارتباط الشراكة ببعض الشروط السياسية والاقتصادية، إذ تنص على منح التسهيلات للدول التي تقبل إجراء تعديلات تتعلق بالديمقراطية وأخرى تتعلق بحرية التجارة الدولية.
هـ - الخوف من تحول أسواق هذه الدول إلى أسواق استهلاكية للمنتجات الأمريكية.
2- رفض معظم قادة الدول الأفريقية فكرة الهيمنة الأمريكية على القارة من خلال الإشراف على قوة حفظ السلام الأفريقية، وقد تمثل هذا الرفض في موقف منظمة الوحدة الإفريقية التي ترى أن مثل هذه القوة - إضافة إلى أنها تتيح الفرصة لواشنطن للهيمنة على مقدرات القارة - ستجعل مجلس الأمن يتقاعس عن أداء مهامه الرئيسة لحفظ السلام والأمن الدوليين فيما يتعلق بأفريقيا.
3- إدراك القادة الأفارقة أن واشنطن تعمل على إذكاء الصراعات العرقية في القارة بما يتماشى مع مصالحها الخاصة، ومن ثم لا ينبغي إعطاؤها مثل هذه الفرصة، خاصة في المناطق الاستراتيجية كالقرن الأفريقي والبحيرات العظمى، ومن هنا يمكن فهم أسباب استمرار الصراع بين التوتسي والهوتو، والحديث عن وجود خرائط أمريكية لإقامة دولة كبرى للهوتو وأخرى للتوتسي تضم أبناء هذه القبيلة أو تلك الموجودين في دول الجوار. ولا شك في أن إيجاد مثل هذه الدويلات الجديدة سيساهم في إحداث قلاقل لدول مثل مصر والسودان.
٤ - بالرغم من تسليم أفريقيا بمعظم الشروط الأمريكية - سواء تلك التي وضعتها المنظمات الاقتصادية الدولية كالبنك والصندوق الدوليين اللذين يخضعان لهيمنة أمريكية، أو تلك التي تضعها واشنطن فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي - قامت ٣٠ دولة من إجمالي ٤٨ دولة جنوب الصحراء باتباع تعليمات صندوق النقد الدولي بالنسبة لعملية الإصلاح الاقتصادي وفي المقابل إجراء انتخابات ديمقراطية تعددية في ٢٥ دولة خلال السنوات القليلة الماضية، بالرغم من ذلك فإن الدعم الأمريكي للقارة بقي ضئيلاً جدًا (٧٠٠ مليون دولار).
بل إن الولايات المتحدة لم تقدم سوى ٤٠ مليون دولار فقط من أجل إنهاء النزاعات الممتدة والمنعقدة في البحيرات العظمى!!
مظاهر الرفض الأفريقي لواشنطن
أفريقيا التزمت معظم الشروط الأمريكية في الإصلاح الديمقراطي و الاقتصادي .. و لكن الإدارة الأمريكية لم تقدم الدعم المطلوب
لقد تجلى هذا الرفض الأفريقي للإدارة الأمريكية في عدة مواقف، وجاءت الاعتراضات من دول مختلفة، سواء كانت صديقة أم غير ذلك.
- وربما كانت الصومال صاحبة السبق في ذلك، عندما قاومت القوات الأمريكية التي نزلت بأرضها تحت مظلة الأمم المتحدة.
ثم تجلى الرفض في زيارة كلينتون الأخيرة، ومن قبلها زيارة وزير خارجيته الأسبق وارين كريستوفر للقارة عام ١٩٩٦، فقد عمت التظاهرات جامعات جوهانسبرج في جنوب أفريقيا أثناء زيارة كريستوفر، مطالبة الإدارة الأمريكية برفع يدها عن أفريقيا.
وترفض جنوب أفريقيا فكرة الشراكة التجارية غير المرتبطة بتقديم المساعدات، حيث يعتبرها الرئيس مانديلا بمثابة قيود مفروضة على حركة الدول الأفريقية مع دول الجوار والعالم الخارجي.
وتجلى الرفض الأفريقي - أيضاً - في إعلان كل من الرئيس الراحل ساني أباتشا والرئيس الكونغولي كابيلا - حليفي واشنطن - عن رفضهما للضغوط الأمريكية بشأن قضايا حقوق الإنسان في بلديهما.
وفي أوغندا أعلن موسيفيني رفضه لموقف واشنطن من أزمة لوكيربي، وطالب بضرورة تفهم الموقف الليبي
في الحقيقة، هناك محاولات أفريقية عديدة للتخلص من هذه التبعية سواء للغرب عمومًا أو لواشنطن خصوصًا، سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري. فاقتصاديًّا، نلاحظ أن الدول الأفريقية تسعى الآن إلى تعميق الروابط الاقتصادية فيما بينها سواء أكان ذلك بصورة ثنائية أو جماعية عن طريق المنظمات الاقتصادية. ويعكس طرح فكرة الوحدة الاقتصادية الأفريقية مدى الإدراك الأفريقي المبكر لخطورة التبعية، تلك الخطورة.
التي عبر عنها الرئيس الغاني السابق كوامي نكروما في مؤتمر القمة الثاني الذي عقد في القاهرة عام ١٩٦٤م حينما قال: «لن نتمكن من قطع الروابط مع الاستعمار الجديد، ولن نتمكن من إعادة بناء اقتصاداتنا إلا إذا أمكننا أن نتحد وأن نقوم بتخطيط اقتصادي يتم تنسيقه داخل إطار الوحدة السياسية الأفريقية». وبالفعل ظهرت بوادر الوحدة الاقتصادية الجزئية منذ السبعينيات بظهور عدد من المنظمات الاقتصادية الإقليمية.
وقد تدعمت هذه الجهود في مؤتمر رؤساء وحكومات الدول الأفريقية الذي عقد عام ۱۹۸۰ في نيجيريا، إذ تم خلاله إقرار ما عُرف بخطة لاجوس من أجل تنمية القارة عام ٢٠٠٠م. وفي عام ۱۹۹۱م تم التوقيع على اتفاقية أبوجا من أجل إقامة الوحدة الاقتصادية الأفريقية في مدة أقصاها ٣٤ عامًا من تاريخ إيداع وثائق التصديق على الاتفاقية. وحددت الاتفاقية ٦ مراحل لذلك، تبدأ بمرحلة تدعيم التجمعات الاقتصادية القائمة مرورًا بإنشاء مناطق تجارة حرة واتحادات جمركية لكل جماعة إقليمية وإنشاء السوق الأفريقية المشتركة، وانتهاء بإقامة الاتحاد الاقتصادي وتأسيس البنك المركزي الأفريقي، وإصدار عملة أفريقية موحدة، وتأسيس برلمان أفريقي على نمط البرلمان الأوروبي.
أما عسكريًّا، فإن هناك بعض المحاولات الأفريقية لإقامة جيوش أفريقية خالصة، وأن تقتصر المعونات الخارجية على تقديم المساعدات المادية فقط من دون تدخل خارجي. ويلاحظ أن هذا التصميم الأفريقي ظهر في دعوة بوركينا فاسو أثناء جولة كلينتون، إذ أعلنت استعدادها لاستضافة أول مناورات عسكرية أفريقية من دون أدنى مساعدة أجنبية، ويشارك فيها ثلاثة آلاف جندي أفريقي من ٨ دول أفريقية هي بنين، وكوت ديفوار، وغانا، والنيجر، ونيجيريا، وتشاد، وتوجو، وبوركينا فاسو.
علاوة على ذلك، فإن اتفاق القادة الأفارقة عام ۱۹۹۳م على إنشاء آلية فض المنازعات- بالرغم من الصعوبات التي تواجهها، وبخاصة فيما يتعلق بالنواحي المادية- يُعد محاولة أفريقية لحل النزاعات الأفريقية من دون تدخل أجنبي.
ومن ناحية ثالثة، فإن نجاح بعض القوات الأفريقية - كقوات الأيكوموج التابعة لمنظمة الإيكواس «الجماعة الاقتصادية لغرب أفريقيا» - في عودة الاستقرار إلى ليبيريا وسيراليون يُعد نموذجًا جيدًا لإمكان اعتماد أفريقيا على الذات في هذه الجزئية.
وهكذا، يمكن القول إن هذه الخطوات التي اتخذتها القارة السمراء تُعد بداية موفقة من أجل تحقيق هدفها الرئيس وهو الاستقلال عن الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا. صحيح أن هذا الهدف يحتاج إلى وقت طويل، ولكن أول الغيث قطرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل