; تحت ستار الفكر المستنير- خلفيات ماركسية من أجل إسلام تقدمي | مجلة المجتمع

العنوان تحت ستار الفكر المستنير- خلفيات ماركسية من أجل إسلام تقدمي

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1982

مشاهدات 73

نشر في العدد 597

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 30-نوفمبر-1982

  • من يقف وراء فكرة «اليسار الإسلامي» ومروجيها الجدد في الصحافة العربية؟

  • خطة باسم التقدمية لتعطيل الشريعة وفصل الدين عن تنظيم الدولة.

هل صحيح أن الإنسان يمكن أن يكون مسلمًا ملتزمًا وقوميًا علمانيًا، وشيوعيًا ملحدًا في آن واحد؟ وهل يمكن أن يكون المسلم الملتزم يساريًا أو يمينيًا، تقدميًا أو رجعيًا مستنيرًا أو متزمتًا؟ وهل يمكن التوفيق بين الإسلام كدين سماوي وبين الاشتراكية الماركسية كنظام اقتصادي وضعي؟ وهل يمكن أن يكون العقل البشري حكمًا على مدى صلاحية ما أنزل الله لتحقيق الصالح العام للمجتمع الإسلامي؟ هذه الأسئلة نطرحها بمناسبة ظهور ما يسمى بالتيار الديني المستنير الذي أصدر مجلة في مصر تحمل اسم «اليسار الإسلامي» والذي يعتبر نفسه «ناصریًا» داخل «حزب التجمع الوطني» والذي يجمع بين الإسلام والتقدمية والذي نشط قادته مؤخرًا في عمل الندوات والمحاضرات والتأليف والكتابة في الصحف داخل مصر وخارجها في محاولة للتبشير بمجتمع عربي إسلامي تقدمي اشتراكي!!

• ماذا يقولون؟

يقول أنصار هذا «التيار»: «نحن مع اليسار لأنه يعني الثورة على الأوضاع التقليدية البالية.

والحرب ضد الاستغلال والاحتكار وهي مبادئ وأفكار قامت على أساسها «الدعوة الإسلامية» وهم يتحدثون بلهجة مزورة للتاريخ عن «يسار إسلامي قاده عمر بن الخطاب وأبو ذر الغفاري ويمين إسلامي قاده عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف» لهذه الدرجة وصل الإسفاف بأدعياء الإسلام أن يحاولوا تطبيق مقولات كارل ماركس اليهودي الملحد على الإسلام دين الله الخالد ورجاله الأفذاذ الذين التزموا بالإسلام عقيدة ومسلكًا وما كان يدور بخلدهم أنهم ينهجون يسارًا أو يمينًا.

كذلك في رأي هؤلاء أن الصحوة الإسلامية التي يشهدها العالم هذه الأيام ليست بصحوة ولا هي إسلامية في نظرهم!! لأن الصحوة عندهم «هي النهوض والاستفاقة من النوم أو الغيبوبة والنظر إلى الحاضر بكل أبعاده ليكون منطلقًا إلى المستقبل، أما حين يكون الأمر على صورة الانطلاق من الواقع إلى الخلف فإن هذا لا يمكن تسميته بالصحوة».

أما لماذا يعتبرون هذه الصحوة تخلفًا ورجعية؟ والجواب إن ما تفعله الجماعات الإسلامية- ويسمونها الدينية الآن هو المطالبة بالعودة إلى الشريعة الإسلامية تحت شعار الحاكمية لله أو ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة : 44)

أدعياء الإسلام هؤلاء يرفضون العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ولا يرون أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أقام حكمًا إسلاميًا بل أن ما قام به «هو شيء من إدارة الأعمال» بحجة إنه «رفض أن يكون ملكًا على العرب» وهذه مغالطة مكشوفة فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم رفض أن يكون ملكًا لأنه رفض أن يتخلى عن الرسالة- رسالة الإسلام- «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أوهلك دونه» لقد عرض كفار قريش على الرسول الكريم أن يملكوه عليهم مقابل التخلي عن الدعوة فرفض رفضًا قاطعًا رفض التخلي عن الدعوة فهو ليس طالب حكم وإنما هو رسول من عند الله ليبلغ رسالته إلى الناس حتى إذا ما أمن الناس برسالة الإسلام نشأ عن ذلك المجتمع المسلم الذي يقوده الرسول الكريم نفسه بما يتلقى عن الله فالإسلام إذن دين ودولة عقيدة  وتشريع والرسول هو الحاكم المسئول عن تطبيق شرع الله وهو لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾( النجم : 4) ثم يعود التناقض في أفكارهم مرة أخرى، ففي الوقت الذي يرفضون فيه أن يكون الرسول قد أقام حكمًا إسلاميًا يعودون إلى القول بأنه مع وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وهو آخر المرسلين وخاتم النبيين انقطع الوحي «ومعنى ذلك أن استمداد الحاكم السلطة من الله لن يكون بعد وفاة محمد عليه السلام، فكل من جاء بعد النبي العربي وتولى الخلافة كان يستمد سلطته من الناس وليس من الله».

• نتيجة فاسدة:

وهذه النتيجة الفاسدة التي توصل إليها أدعياء الإسلام نتجت عن مقدمات فاسدة.

فإذا كان الوحي قد انقطع بوفاة الرسول الكريم خاتم الرسل فإن القرآن الكريم كلام الله موجود والسنة النبوية الصحيحة موجودة أيضًا ومدونة والخليفة لا يستمد سلطته من الناس بل أن الخليفة والناس أجمعين ملزمون بتطبيق ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه «تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي» وأما البيعة فهي على تطبيق شرع الله.

ولقد قالها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، «أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم» فالحكم لله، ولشرع الله، والبيعة إنما هي تعاقد بين طرفين الخليفة والشعب على الحكم بما أنزل الله.

 فإن خرج الخليفة على ذلك وجب نصحه فإن لم يرجع وجب خلعه وإن جاهر بعض الناس بالمعصية وجب على الخليفة أن يلزمهم بالطاعة إلزامًا «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».

• تعطيل

وأدعياء الإسلام هؤلاء يوافقون على تقسيم الإسلام إلى معتقدات وعبادات ومعاملات.

أما بالنسبة للمعتقدات فيرون إنها من شؤون الغيب والمسئولية فيها فردية، ولذلك فلا شأن للمسلم «اليساري المستنير» بما يتعلق بالعقيدة.

وأما العبادات فيرون إنها حق الله على عباده والمسئولية فيها أيضًا فردية وكل فرد مسئول عن صومه وصلاته وحجه وكل ما يتعلق بأركان الإسلام ولذلك فالتيار الإسلامي «الناصري القومي الماركسي» لا دخل له بالعبادات أيضًا.

تبقى المعاملات وهي في نظرهم جانب قليل جدًا مما جاء به كتاب الله ويرى هؤلاء أيضًا أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأول في تقرير مثل هذه الأمور أي المعاملات وهم يقولون: «إننا حين نحتكم إلى ما أنزل الله فإننا نحتكم إليه على أساس من قدرته على تحقيق الصالح العام للمجتمع الإسلامي فإذا كان النص غير قادر على ذلك فكرنا بعقولنا وعملنا بما يمكن أن يهدينا إليه العقل البشري».

• إخضاع الدين للعقل والمصلحة

الإسلام: معتقدات وعبادات ومعاملات، المعتقدات والعبادات وهي الجانب الأكبر من الإسلام لا علاقة لهؤلاء «المسلمين اليساريين» بها.

وأما المعاملات وهي الجانب الأصغر من الإسلام فإن النصوص المتعلقة بها تعرضها على العقل فإن رأى العقل إنها تحقق الصالح العام أخذنا بها وإلا تركناها.

 ماذا تبقى من الإسلام إذن يا أدعياء الإسلام؟ وهل أنتم أقدر من الله جل وعلا على معرفة ما ينفع الناس وما يضرهم؟!

• تضليل

وإمعانًا في التضليل يضرب «مفلسو اليسار الإسلامي» مثلًا على أن كثيرًا من الآيات القرآنية معطلة لأنها لا تتفق مع العقل ولا تجاري الزمن ومن هذه الآيات التي يذكرونها من سورة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأنفال :41)  فتوزيع أربعة أخماس الغنائم على المقاتلين لا يصلح في نظرهم في الوقت الحاضر باعتبار أدوات القتال لم تعد فردية وإنما تجهزها الدولة معنى هذا كما يقولون- أن آيات الغنائم والأنفال وهي من آيات المعاملات قد أصبحت معطلة بحكم الزمن فهي تتلى على إنها كلام الله سبحانه وتعالى ولكن الحياة لا تمارس بها.

وكل المجتمعات الإسلامية اليوم تعطل هذه الآيات فالحكومات هي التي تنفق على الحروب وهي التي تأخذ الغنائم، وهذا يعني أن موضوع تطبيق العدل القرآني قد تغير فتغير تبعًا له الحكم الشرعي».

ولقد انتقى «فقهاء اليسار» هذه الآية بالذات لأنهم يعلمون أن بين الروايات المأثورة والآراء الفقهية خلافًا طويلًا حول مدلول الغنائم والأنفال وحول الخمس الذي يتبقى بعد الأخماس الأربعة وحول خمس الخمس الذي لله والذي لرسوله والذي لذوي القربي... ونحن لا نريد أن ندخل في هذه التفريعات الفقهية باعتبار المنهج الإسلامي واقعيًا لا يشتغل بقضايا ليست قائمة بالفعل. 

فأين هو المجتمع الإسلامي الذي يتحدث عنه اليساريون وهل كل ما جاء في القرآن الكريم مطبق باستثناء ما جاء في سورة الأنفال؟! وهذه الآية من سورة الأنفال؟ وحين ينشأ المجتمع الإسلامي ويواجه جهادًا فعليًا تنشأ عنه غنائم تحتاج إلى أحكام وحسبنا هنا كما يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله «أن نتتبع الأصل الإيماني في السياق التاريخي الحركي والمنهج القرآني التربوي فهذا هو العنصر الثابت الذي لا يتأثر بالزمن في هذا الكتاب الكريم وكل ما عداه تبع له وقائم عليه» أن الحكم العام لهذه الآية يتلخص في رد أربعة أخماس الغنيمة إلى المقاتلين واستبقاء الخمس يتصرف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة المسلمون القائمون على شريعة الله المجاهدون في سبيل الله من بعده في هذه المصارف «الله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل» بما يواجه الحاجة الواقعة عند وجود ذلك المغنم.

• مجرد أحكام خلقية:

ومن المفاهيم التي يطرحها «هؤلاء المعتدون على الشريعة الإسلامية» أن الإسلام لا يرسم لنا الطريق وإنما نختاره نحن بعقولنا وتجربتنا وما ننقله عن التجارب الأخرى وهم يرون أن الإسلام في جوهره هو مجموعة أحكام خلقية إما أمور تنظيم الدولة والمجتمع فلا علاقة للدين بها هل يختلف كلامهم هذا عن مضمون العبادة التي قتلت السادات لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين؟!

• الكفر الاعتقادي والكفر العملي:

يقول بعض العلماء إن الكفر نوعان: كفر اعتقادي وكفر عملي، أما الكفر الاعتقادي فهو عدم الإيمان بالله وتكذيب أحكامه ورفض أوامره عن إصرار واستخفاف بها وصاحبه في النار خالدًا مخلدًا فيها. وإما الكفر العملي فهو عدم تنفيذ أحكام الله رغم إيمان الإنسان بالله وتصديقه لأحكامه وتشريعاته والحكم على صاحبه لا يعلمه إلا الله وذلك استنادًا لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨) ولذلك يفسر بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤4) بأن المقصود هنا الكفر الاعتقادي.

وسواء كان الكفر اعتقاديًا أم عمليًا فالنتيجة العملية واحدة وهي عدم تطبيق شرع الله.

ولذلك «فالمسلم» الذي يصف نفسه بأنه مستنير لأنه يساري أو ماركسي أو ناصري أو قومي وإنه يدعو لنظام اقتصادي وسياسي واجتماعي مغاير تمامًا للتصور الإسلامي الذي يؤمن به كل من يؤمن بالله هذا «فالمسلم» هل هو مسلم حقًا؟

لا شك أن القوى الكبرى تبذل جهدًا مضنيًا حتى لا يعود الإسلام إلى واقع الحياة فيقود هذه الأمة إلى العزة والنصر ولذلك فهي تطرح في الأسواق نماذج من «الإسلام والمسلمين» تعب المخرج كثيرًا ليظهرهم بأنهم نبت محلي أصيل.

الرابط المختصر :