العنوان الحداثة: حقًائق ووثائق: الحداثيون يشتمون الله في شعرهم باسم الحداثة!!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1988
مشاهدات 85
نشر في العدد 883
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 20-سبتمبر-1988
أدونيس بالنسبة للحداثيين من المعصومين الذين تعتبر أقوالهم بمنزلة لا يمكن أن يصل إليها النقد!!
أدونيس يقول: الله في التصور الإسلامي التقليدي نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الإنسان!!
مبدأ الحداثة هو الصراع بين النظام القائم على السلفية والرغبة العاملة على تغيير هذا النظام.
في العدد الماضي سردنا بعض الشواهد والأمثلة من أشعار دعاة الحداثة ونصوصهم النثرية، وبينا أن مذهبهم الأدبي لا يتعلق بالشكل وإنما يتجاوز ذلك إلى طرح المضامين المشتركة الصادرة عن فكر وجودي أو ماركسي أو علماني إلحادي، وفي هذا العدد نبدأ ببيان طرائقهم في الأخذ من التراث القديم، مستعرضين أقوالهم... ومن ثم نستعرض أفكار كاهنهم أدونيس.
الحداثة ورموز التراث:
إن أدعياء الحداثة يجعلون القرآن والسنة من التراث ويجعلون الحلاج وابن سبعين والأسود العنسي ومهيار الديلمي من التراث! والدليل على ذلك ما كتبه أحدهم في اقرأ عدد ٢٥٣ في 12\3\1402 ه من شاعر يمني يسمى إسماعيل الوريث، فقال: من هذه الدوائر الشاعر الشاب إسماعيل الوريث يحاول من خلال الشخصية التاريخية ميمون القداح أن يكتب أمثالاً من المواقف الشجاعة، تتزامن مع الكلمة والمعنى التي تؤديه وحدات القصيدة من هموم ميمون القداح.
وقد قال إسماعيل الوريث في قصيدته:
يا ريحًا صارخة في أكواخ القش
مضى زمن مغلقة فيه المدن العباسية
هذا زمن الدعوة تحتضن البسطاء
نزلت الليلة في قلبي مدينة من أهواه
أنصت إلى الهمسات المسموعة
عانقني شوق ناري في أعماق المقهورين
تحدر من عيني الدمع
الألق الموحى بالفجر
میمون القداح رمز إيجابي!!
وهذا تمجيد صريح وعلني باليهودي مؤسس المذهب الإسماعيلي ميمون ابن طبان القداح، الذي لا يشك في كفره مسلم. ونسأل الكاتب: هل أصبح المروق عن الدين واتخاذ الأساليب الباطنية الغامضة المعتمدة على الرموز والإشارات المبهمة، شجاعة تستحق هذه الإشادة؟ ثم لماذا هذا النقل لهذه القصيدة التي تصور ميمون القداح وهو ينقذ المقهورين والكادحين من تسلط الخلافة الإسلامية السياسية؟
ولعل هناك قواسم مشتركة بين الشاعر والكاتب وميمون القداح. وهذا عند الحداثيين رمز من التراث، كما أن مهيار الديلمي والحلاج رموز من التراث عند أدونيس، وصلاح عبد الصبور، والبياتي، وإضرابهم!!
ولا نريد هنا أن نسرد قائمة بأسماء أولئك في الخليج بخاصة لكي نكون بعيدين عن أي منزع من منازع التشهير، ولعل توبة يفتح الله أبوابها أمامهم.
وللنصارى دور في الحداثة:
ولكن لا بد أن نذكر دور النصارى ورموز الصليبية الذين يجدون في مذهب الحداثة مجالًا مفتوحًا للذكر والإشادة، ويجدون في المقابلات الصحفية والمقابلات الثقافية مجالًا كذلك، من أمثال: يوسف الخال وخليل حاوي، وتوفيق صايغ، ولويس عوض، وغالي شكري وهؤلاء وإن كانوا من ذوي الانتماءات المختلفة، إلا أنهم يحاولون تعميق الرموز النصرانية في الشعر والأدب والفكر الحديث. وتجد معظم هذه الأصوات مختلطًا في فكره بين الشرق والغرب، والرموز اليونانية والإغريقية والرموز النصرانية، وتوزع شبابنا تبعًا لهذا الاختلاط إلى مذاهب فكرية أدبية تحمل الأدوات والأساليب الفكرية والأدبية من جهة وتحمل القيم والتصورات والأفكار والعقائد من جهة أخرى.
إن المطلع على كتب وأعمال هؤلاء الذين وجدوا لهم مكانًا مرموقًا في صحفنا وملاحقنا الأدبية ليجد أنهم يعمدون إلى العبث بالمفهومات والمقومات الدينية ويستخفون بمقام الألوهية ويهزأون بالقدر وينكرون سائر الغيبيات، وإذا ذكروها فعلى أساس أنها أساطير توظف توظيفًا أدبيًا لخدمة غرض ما.
الحداثيون يمجدون كهنتهم:
ونرى أيضًا تمجيدًا برموز الحداثة كقولهم عن «محمد الجابري في «نحن والتراث» وآخرين كالطيب التيزيني ومهدي عامل أنهم هم «الذين أعادوا قراءة التراث العربي برؤية جديدة وعميقة وأكثر موضوعية، وبمناهج علمية استفادت من منجزات في العلم المعاصر وذلك إنصافًا للتاريخ وإنصافًا لهذا التراث، لا تلك التي كنا نقرؤها في المدارس» ويقولون عنهم أيضًا: «حقًا لقد أعاد الجابري وأدونيس ومروة ثقتنا بأن ثمة من يقرأ تراثنا بشكل جميل ضمن رؤية مستقبلية تتجه نحو هذا الأفق لا أن تقف بنا في الماضي دون أن تضيء لنا هذا الماضي».
ومن أجل أن نعلم من هؤلاء الذين أعادوا الثقة الثقافية وأعطوا الوعي العميق والموضوعي والمنهج العلمي والرصين أنهم من أصناف رفاعة الطهطاوي الذي أرسل إلى فرنسا إمامًا وواعظًا مع بعض الشبان الذين أرسلتهم الحكومة المصرية إلى باريس سنة ١٢٢٥ ه ورجع إلى مصر إمامًا ومعلمًا فرنسيًا، كان من دعواته:
الدعوة إلى الحرية المطلقة مثل حرية فرنسا، فنادى باختلاط النساء والرجال، والدعوة إلى المسارح والملاهي، وجعل مرافقة النساء للرجال من الفنون الجميلة التي تعين على تحريك دقائق الأعضاء.
ومن أفكاره الخطيرة دعواه إلى مدنية أوروبا الحديثة التي تقوم على العقل فتحقق النتائج نفسها التي تهدف إليها مدنية الدين، بل لقد جعل الفقه والأصول عند المسلمين نتاجا عقليا يشابه قوانين فرنسا. وقد سلك مسلك الطهطاوي، طه حسين خريج السوربون وداعية التغريب، إلا أنه زاد عليه اقتراف القذارات حتى أصبح بمثابة القاعدة الأولية التي تنطلق منها شكوك وشبه أمثال حسين مروة وأدونيس والجابري والتيزيني وغالي شكري وغيرهم.
مروة الماركسي:
أما حسين مروة- الذي سنتحدث عنه في العدد القادم إن شاء الله- فماركسي لبناني تنضح كتبه صراحة بأفكار ماركس، ولينين، وليس سوى أداة نقل لها من لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية، مثله في ذلك مثل الماركسيين العرب الذين يمثلون أذناب الخنازير كما يقول جورج أورويل في روايته (١٩٨٤)، وقد كان جورج أورويل مارکسيًا في الحزب الشيوعي الإسباني، وتدرج في دركات الماركسية، ثم تركها وعلق عن حقيقتها في روايتين وهما: «مزرعة الحيوانات» ورواية «سنة ١٩٨٤»، وسيأتي الكلام بنوع من البسط عن حسين مروة وموقف شباب الحداثة منه.
أدونيس:
وأما أدونيس فهو بالنسبة للحداثيين من المعصومين الذين تعتبر أقوالهم بمنزلة لا يمكن أن يصل إليها النقد فضلا عن الاعتراض فهو عندهم مثل «هبل» في الجاهلية الأولى بل مثل كهان المعابد الوثنية لا تعرف الهمهمات والثلثمات الحداثية إلا من خلاله باعتباره الكاهن الأكبر!!
هل هذه مبالغة؟ أم هي حقيقة؟ للإجابة عن هذا السؤال لنستمع لكلام الحداثيين لنجد منزلة هذا الوثني الأكبر، وليس هذا رأينا فقط، بل هو رأي النقاد الذين كتبوا في هذا الموضوع، ومنهم- على سبيل الحصر- الدكتور أحمد كمال زكي في كتابهالذي طبعته ونشرته دار العلوم بالرياض، هذا الكتاب جاء بطريقة فيها الإشادة والمديح للشعراء المذكورين أكثر من أي شيء آخر، أي أن كاتبه لم يتعمد وهو حداثي مشهور أن يسيء إلى أحد قد ذكره في كتابه، بل كان العكس هو المقصود. يقول أحمد كمال زكي ص ١٦: «وهذا الجيل الذي ذكرت لم يستطع كله أن يتخلص من تأثير على أحمد سعيد «أدونيس» فمنهم من تأثر موضوعاته تارة، ومنهم من قلد صياغته أو أسلوبه تارة أخرى، ومنهم من ظن أن سرياليته هي في الغوص إلى الباطن».
موضوعات أدونيس:
وهنا نتساءل: ما هي موضوعات أدونيس؟ التي يزعم أحمد كمال زكي تأثرهم بها؟
لنقرأ هذه الموضوعات التي لولا المقتضيات الضرورية لهذا البحث لما أوردناها وقد جاء في القرآن ذكر أقوال اليهود والنصارى عن الله عز وجل . وهنا سوف يأتي كلام تلميذ من تلامذتهم الأوفياء مع أن قاعدة ناقل الكفر ليس بكافر كافية في هذا المجال.
كفر بواح:
يقول أدونيس في ديوانه المسمى الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس «الجزء الأول» ص ١٦٢ يقول:
رباه کم تزلزل الجدار في عظامنا
وأنطفأ السراج والصباح في عيوننا
وجمدت صلاتنا على اسمك القديم
ونسيت قلوبنا اللذائذ الخطايا
آملة بوعدك الكريم
إلى أن يقول باستهزاء:
ربي هيئ موضعًا مباركًا لعبدك الذليل
هب لي مقعدًا منعمًا أكوابه من ذهب وفضة
ولدانة مخلدون
هب لي الخلود في جوارك الحبيب يا إلهي
ثم يقول:
تقول إن الأرض أبشع الأكر
صورها الإله تحت عرشه
من عسل دحرجها
خطيئة كأنها البشر
يا ويل من كفر!!
يا ويل من كفر!!
الإنسان والله والطبيعة:
ويقول أدونيس في كتابه «مقدمة للشعر العربي» حينما يتحدث عن الشاعر وعلاقته بالأحياء، يقول: «الإنسان هنا لا الله هو مقياس الأشياء وما الطبيعة إلا مجال لفعله ومرآة لتجاربه»!!
ويقول عندما تحدث عن تأثر الشعر الحديث بالباطنية ووحدة الوجود يقول:
«علم الباطن، أي علم الحقيقة، مقابل الشريعة، تعني الخلاص من المقدس والمحرم وإباحة كل شيء للحرية.
الله في التصور الإسلامي التقليدي نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الإنسان.
التصوف ذَوب ثبات الألوهية، جعله حركة النفس في أدوارها، أزال الحاجز بينه وبين الله وبهذا المعنى قتله «أي الله» «تعالى لله عما يقول» وأعطى للإنسان طاقاته.
المتصوف يحيا في سكر، يسكر بدوره العالم وهذا السكر نابع من قدرته الكاملة على أن يكون هو والله واحدًا صارت المعجزة تتحرك بين يديه».
أدونيس والتراث:
ويقول أدونيس في «ذيل الشعر» ص 87:
"كان لينين يأخذ على الديمقراطيين البرجوازيين الصغار تقليدهم الذليل للماضي، وهذا ما يمكن أن نأخذه على ممثلي الثقافة السائدة في الحياة العربية".
يمكن يا أخي أن تتذكر ما ورد قبل من كلام الذين يتحدثون عن السائد والنمطي في ثقافتنا. يقول أدونيس ص ٢٣٩ من نفس الكتاب:
«كما أن العصر واحد متعدد في آن كذلك هناك ماض وماض. ولنا نحن ماضينا العربي، هذا الماضي الثقافي لا نتلمسه في الغزالي وأحمد شوقي وأمثالهما؛ وإنما نتلمسه في امرئ القيس وأبي نواس والشريف الرضي والمتنبي وأبي العلاء المعري والحلاج والرازي وابن الراوندي، وشبلي الشميل وفرح أنطوان، ومئات العقول الخلاقة الأخرى في تراثنا العربي التي غيرت ورفضت وتمردت على الأليف والموروث والعادي والتقليدي والتي خلقت وجددت وأضافت ولسوف نكمل ما بدأه هؤلاء فنشك ونرفض ونغير إذا استطعنا إيقاعات الخليل، ونثور ونهبط ونهدم ونعلن الفوضى، وسنأمل أن نكون أغنى وأعظم مما كانوا».
الأصل الماركسي:
هذا الكلام ليس حصرًا لكلام أدونيس الذي كان نصيريا ثم تحول إلى الماركسية، وحصل بينه وبين الماركسيين خلاف، أخذوا على إثره زوجته خالدة سعيد والتي تعد شاعرة ومفكرة فأعلن انفصاله عن الماركسية كتنظيم وبقي فيها فكرًا وشعورًا، وهذه الكتب التي نقلت منها هذا الكلام ليست ببعيدة عن أيدي الشباب أنها تباع في مكتباتنا للأسف، وهذا الرجل الذي نقلنا بعض كلامه هنا يطالعنا كل أسبوع في الملاحق الأدبية وقد وشي اسمه بعبارات التبجيل والثناء ، وقد علقت على أفكاره كل نياشين التعظيم فهو للأسف كما قال أحمد عائل فقيه إلى الذين أعادوا الثقة إليه وإلى أمثاله بأن هناك من يقرأ التراث بشكل علمي وموضوعي جميل.
الحداثة والنظام السلفي:
إننا نجد الانتساب لأدونيس واضحًا وبلا مواربة وقد ذكر أحمد عائل فقيه أن «كتاب الثابت والمتحول لأدونيس من الكتب الموضوعية التي درست التراث» ونحن نقول إن هذا الكتاب وهو يقع في ثلاثة أجزاء مليء بالأفكار الملحدة، وهو إنجيل الحداثيين كما سماه الكاتب المسلم والنبيل الفاضل محمد عبد الله المنيباري، يقول أدونيس في كتابه الثابت والمتحول «الجزء الثالث» ص 9 إلى ١١ يقول:
«ومبدأ الحداثة هو الصراع بين النظام القائم على السلفية، والرغبة العاملة على تغيير هذا النظام وقد تأسس هذا الصراع في أثناء العهدين الأموي والعباسيحيث نرى تيارين للحداثة الأولى سياسي فكري ويتمثل من جهة بالحركات الثورية ضد النظام القائم بدءا من الخوارج وانتهاء بثورة الزنج، مرورًا بالقرامطة والحركات الثورية المتطرفة، ويتمثل من جهة ثانية بالاعتزال والعقلانية الإلحادية في الصوفية على الأخص.
من جهة بالحركات الثورية ضد النظام القائم بدءًا من الخوارج وانتهاء بثورة الزنج، مرورا بالقرامطة والحركات الثورية المتطرفة، ويتمثل من جهة ثانية بالاعتزال والعقلانية الإلحادية في الصوفية على الأخص.
«أما التيار الثاني ففني وهو يهدف إلى الارتباط بالحياة اليومية، كما عند أبي نواس، وإلى الخلق لا على مثال خارج التقليد، وكل موروث عند أبي تمام، أبطل التيار الفني قياس الشعر والأدب على الدين، أبطل بتعبير آخر القديم من حيث إنه أسلم للمحاكاة أو النموذج.
«أخذ الإنسان يمارس هو نفسه عملية خلق العالم. هكذا تولدت الحداثة تاريخيًا من التفاعل والتصادم بين موقفين أو عقليتين في مناخ من تغير الحياة ونشأة ظروف وأوضاع جديدة. ومن هنا وصف عدد من مؤسسي الحداثة الشعرية بالخروج».
أدونيس وتمجيد الشواذ:
وهو يعمد كطبيعته الباطنية إلى تبجيل جميع الفرق الإسماعيلية والباطنية والثناء عليها وتبجيلها، وكذلك إلى استخراج كل شاذ ومنحرف من الشعراء والأدباء في التاريخ القديم الذين كان لهم خروج ومروق عن الإسلام في بعض قيمه ومبادئه، كبشار بن برد وأبي نواس، وعمر بن أبي ربيعة، وغيرهم... وقد جمع أفكارهم وجمع شذوذهم وانحرافهم وجعلها أساسًا لدراسة التراثية كما يزعمون في كتابه هذا. يقول عن بعضهم:
«إن الانتهاك أي تدنيس المقدسات هو ما يجذبنا في شعرهما» «يتحدث عن أبي فراس وعن عمر بن أبي ربيعة، يقول وهو يمثل صوت الحداثيين طبعًا» «إن الانتهاك أي تدنيس المقدسات هو ما يجذبنا في شعرهما. والعلة في هذا الجذب أننا لا شعوريًا نحارب كل ما يحول ضد تفتح الإنسان، فالإنسان من هذه الزاوية ثوري بالفطرة الإنسان حيوان ثوري».
هذا في كتابه الثابت والمتحول في الجزء الأول ص ٢١٦ ونظن أن هذا كاف لمعرفة أدونيس الذي تتردد أفكاره وتتردد ذكراه على ألسنة وكتابات شبابنا في الملاحق الثقافية والأدبية، وفي النوادي الأدبية وفي الأمسيات الشعرية والنقدية!!!
وفي العدد القادم سنتحدث إن شاء الله عن «حسين مروة».