العنوان لماذا غضبت أمريكا على بطرس غالي؟
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996
مشاهدات 72
نشر في العدد 1207
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 09-يوليو-1996
لقد تبنى بطرس غالي بنفسه تحقيق الهدف الأمريكي في احتكار الوضع الأمني الدولي وكانت كلماته في المؤتمرات الدولية تعبر تعبيرًا قويًا عن تبنيه شخصيًا للتصورات والأفكار الغربية.
لم يصدر عن بطرس غالي طوال السنوات الخمس الماضية موقف واحد يتناقض مع السياسة الإسرائيلية الأمريكية باستثناء تقرير «قانا».
هل يبقى بطرس غالي خمس سنوات أخرى أمينًا عامًا للأمم المتحدة بعد بلوغه الثالثة والسبعين من عمره وهو الذي صرح عند استلامه منصبه أنه لا ينوي إعادة ترشيح نفسه لفترة ثانية، ثم تراجع عن ذلك مع اقتراب موعد انتهاء فترة السنوات الخمس الأولى؟.. هل يتم اختيار سواه تبعًا للرغبات الأمريكية؟ أم يتمكن اعتمادًا على ما وجده من تأييد واسع النطاق من «التغلب على الإرادة الأمريكية».
ما يزال يوجد متسع من الوقت إلى موعد القرار النهائي في الموضوع أثناء الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن يبدو من الآن أن اللعبة الأمريكية مع بطرس غالي مجرد مناورة، لتحقيق مكاسب محددة، وهي مكاسب قابلة للتحقيق حتى في حالة تحول اللعبة الدبلوماسية إلى حملة جادة وإسقاط بطرس غالي فعلًا، وتحوله بذلك إلى «ضحية» من ضحايا الهيمنة الأمريكية عالميًا.
الحل الوسطي المؤكد:
في ليون بفرنسا أشاد البيان الختامي لقمة الدول الصناعية السبع بالجهود التي بذلتها الأمم المتحدة على طريق الإصلاحات المطلوبة منها منذ نهاية الحرب الباردة، والتي تزامنت مع استلام بطرس غالي لمنصب الأمين العام للمنظمة الدولية... وشاركت واشنطن بهذه الإشادة، رغم أنها تعلل موقفها الراهن من بطرس غالي بعدم تحقيق الإصلاحات المطلوبة.
وناقش وزراء الخارجية المشاركون في المؤتمر الموضوع دون محاولة الحسم والوصول إلى موقف مشترك فيه، وإن كانت سائر التصريحات الرسمية توحي بالتوصل إلى حل وسطي في الخلاف مع الأمريكيين حول تمديد فترة وجود بطرس غالي في منصبه، ربما دون خمسة أعوام، وعلى جميع الأحوال بشروط تتضمن الاستجابة لعدد من المطالب الأمريكية التي طرحت في صيغة انتقاد الأمين العام في ميدان الإصلاحات المطلوبة على صعيد النفقات المالية للمنظمة الدولية بصورة خاصة.
وكانت وسائل الإعلام الأمريكية قد أشارت إلى ما لم تذكره واشنطن رسميًا بشأن انتقاد بطرس غالي في التعامل مع بعض القضايا الساخنة في الفترة الماضية، كالصومال، والبوسنة والهرسك، ولكن يبدو أن الامتناع الرسمي عن انتقاد سياسة الأمين العام للأمم المتحدة ومواقفه، والاكتفاء بالانتقادات في المجال المالي في الدرجة الأولى كان إشارة ضمنية مقصودة إلى الاستعداد الأمريكي للقبول بحل وسطي، وهو في الوقت نفسه ما يفسر سرعة ردود الأفعال الصادرة عن الدول الأخرى بدءًا بموسكو وبكين، ومرورًا بباريس وبون، وانتهاء بقازاخستان ومصر، وجميعها مواقف تؤيد بصورة مطلقة أو جزئية بقاء بطرس غالي في منصبه فترة أخرى.
لقد أرادت واشنطن من البداية على الأرجح أن تثير القضية كوسيلة من وسائل الضغط على الأمين العام للأمم المتحدة، وهو ما لا يستهدف فقط قطاع الفساد والإسراف المنتشرين انتشارا واسعًا في المنظمة الدولية وأجهزتها الفرعية حسب تقارير جهات محايدة عديدة، بل يستهدف في الوقت نفسه مزيدًا من التطويع للأمين العام للمنظمة الدولية، في حقبة لا تريد واشنطن فيها أن يوجد صوت معترض ولو اعتراضا جزئيًا على المحاور الرئيسة لسياساتها الدولية، كما كان في تقرير المنظمة الدولية حول مجزرة قانا، أو كان أثناء الخلاف على تحديد المسؤولية عن الإخفاق في مهمة السلام الدولية في الصومال، وقد حولها الأمريكيون إلى مهمة قتال.
وبتعبير آخر.. كان في الموقف الأمريكي من البداية ورغم التلويح بما يسمى حق النقض «الفيتو»، فتح باب المساومة، ومع الاستعداد لبقاء بطرس غالي ومتابعة الدور المطلوب منه منذ اختير لهذا المنصب قبل أقل من خمس سنوات.
حصيلة خمس سنوات:
ولا ينبغي للموقف الأمريكي أن يواري عن الأنظار أن بطرس غالي حقق المصالح الأمريكية عبر الأمم المتحدة، أو لم يحاول أن يكون عقبة في طريقها، أكثر من أي أمين عام سبقه، وربما كان من الأسباب الرئيسة لذلك أن فترة وجوده في هذا المنصب تزامنت مع وصول الجهود الأمريكية لفرض هيمنة عالمية مطلقة في ظل ما يسمى النظام الدولي الجديد، إلى ذروة جديدة، لا يكاد يمكن مقارنتها إلا بما كان عقب الحرب العالمية الثانية عندما تأسست - وفق التصورات الأمريكية فقط- هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الرئيسة الأخرى التي أصبحت منذ ذلك الحين من أدوات إضفاء صبغة الشرعية على القرار الدولي رغم اقتصار صناعته على واشنطن وعدد من العواصم المتحالفة معها في الدرجة الأولى.
١- قبل خمس سنوات.. كان المطلوب أمريكيا من الأمم المتحدة على سبيل المثال ترسيخ ما شاع تعبير «العولمة» المبتكر في العلاقات الدولية.. وهو ما يعني في الواقع المنظور فرض الأفكار والتصورات والمناهج والنظم الغربية عبر الضغوط المباشرة، وعبر وسائل التحكم في القرار الدولي ماليًا واقتصاديًا وأمنيا، وهذا بالذات ما كان يمثل الدور الرئيس للأمم المتحدة في عهد بطرس غالي كما تشهد المؤتمرات العملاقة بدءًا بالبيئة في ريودي جانيرو، مرورًا بالسكان في القاهرة، وانتهاء بالإسكان في إسطنبول، وهو ما يحلو لبطرس غالي أن يردده باستمرار.
فبغض النظر عن أن ميثاق الأمم المتحدة يعطي الأمانة العامة دورًا أكبر من ذلك، تتفاوت الاستفادة منها بتفاوت شخصية الأمين العام نفسه، فقد كانت كلمات بطرس غالي في تلك المؤتمرات الدولية تعبر تعبيرًا قويًا عن تبنيه شخصيًا لتلك الأفكار والتصورات والمناهج والنظم الغربية، ولما انبثق عنها من أهداف يراد الوصول إليها عبر المؤتمرات العملاقة وما ينبني عليها من إجراءات لاحقة.. ولا ريب أن ذلك من أسباب وصوله إلى هذا المنصب أصلًا.
٢ - كما كان المطلوب أمريكيا بعد سقوط الشيوعية ترسيخ وضع أمني دولي يعتمد على احتكار مختلف الأسلحة الفتاكة المتطورة في دول معدودة لا تخرج عن الفلك الغربي في نهاية المطاف، وحرمان أية دولة أو منطقة خارج الفلك الغربي، أو يحتمل أن تخرج عنه في قادم الأيام ليس من الأسلحة المتطورة فقط، بل ومن الحد الأدنى من التسلح الرادع ولو جزئيًا عن تعرضها لعدوان خارجي، وكذلك من التقنيات المتطورة حتى في الميدان السلمي، بدعوى إمكانية استغلالها لأغراض عسكرية يومًا ما.. وفي هذا الميدان أيضًا تبنى الأمين العام للأمم المتحدة بشخصه وبمنصبه الإسهام المباشر في تحقيق هذا الهدف عبر مختلف المؤتمرات الدولية التي بدأت قبل عهده أو أثناء عهده، وهذا ما يمكن استخلاصه من الكلمات التي كان يلقيها في المناسبات المختلفة، كما كان عند تمديد معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية إلى أجل غير مسمى، أو أثناء مفاوضات جنيف لوقف التجارب النووية.
٣- وكان للأمريكيين في السنوات الخمس الماضية أولويات محددة على صعيد السياسة الدولية والقضايا الساخنة، لا يمكن التفصيل فيها ولكن يمكن تعداد بعضها وضرب الأمثلة.. فمنها أولًا مسيرة مدريد على أثر كامب ديفيد على النحو الذي سارت عليه مع تجميد دور الأمم المتحدة، وقد افتتح بطرس غالي عهده بتصريحه المشهور في تأويل قرارات مجلس الأمن الدولي أنها لا تلزم الإسرائيليين بالانسحاب من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م على الأقل، ولم يصدر عنه طوال السنوات الخمس موقف واحد يستحق الذكر ويتناقض مع السياسة العدوانية الإسرائيلية والأمريكية باستثناء التقرير الرسمي حول مجزرة قانا.. وقد وصلت وحشية العدوان فيها إلى مستوى صارخ لا يمكن تجاهله.
ومنها ثانيًا أن تستمر حرب البلقان بصورة فتحت ثغرة عودة موسكو إلى الساحة الأوروبية ورسخت العجز الأوروبي من التميز الأمني عن واشنطن، وأوجدت في البلقان واقع التقسيم القائم، مع قيام الأمم المتحدة بالدور الذي قامت به بالفعل في عهد غالي وعكاشي، بدءًا بضبط حظر التسلح عن المسلمين فقط، وانتهاء بعدم عرقلة الحرب الإجرامية على حسابهم.. ومهما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنه لم يكن يملك القرار الحاسم في البلقان، فمن المؤكد أنه شارك على أرض الواقع في اللعبة الدامية، ومن ذلك لتدافع المسؤولية بين قيادة الأمم المتحدة للقوات الدولية وقيادة حلف شمال الأطلسي المكلفة بالمهام العسكرية الجوية.
وبالمقابل.. لم يكن الأمريكيون والغربيون عمومًا يريدون أن تتدخل المنظمة الدولية في قضايا من قبيل طاجيكستان، والشيشان، وقرة باخ، وأبخزيا - وجميعها قضايا إسلامية ساخنة - فلم تتدخل الأمم المتحدة، وتركت المنطقة كما أرادها الغرب للهيمنة الروسية الإقليمية.
وحتى في الصومال الذي تصور واشنطن المهمة الدولية فيه موضع خلاف بينها وبين بطرس غالي، كان هو من وراء طرح هدف «مطلوب القبض عليه حيًا أو ميتًا» تجاه فارح عيديد بعد أن ركزت القوات الأمريكية جهودها على الجانب العسكري بدلًا من السياسي والإنساني.
٤- ومع مطلع التسعينيات الميلادية طرح الأمريكيون في ندوة ميونيخ الأمنية الغربية ثم في حلف شمال الأطلسي هدف «مكافحة الأصولية الإسلامية» مع ربط ذلك بمكافحة «الإرهاب الدولي» وهو ما ينسجم انسجامًا كاملًا مع نظريات «الإسلام هو العدو البديل عن الشيوعية» «وصراع الحضارات»، وهذا ما سار عليه بطرس غالي منذ مسيرته مع السادات في كامب ديفيد وأثناء وجوده في منصبه الدولي، ليس من زاوية تبعية الأمم المتحدة للقوى المسيطرة عبر مجلس الأمن الدولي بل نتيجة الاقتناع الذاتي بأن الأصوليين الإسلاميين لا يحركهم سوى «الحسد والضغينة والتعصب و.....» كما عبر عن ذلك على سبيل المثال في مقابلة مطولة مع القناة الفضائية المصرية يوم ٧/ ٣/ ١٩٩٤م.
٥- وإذا شاع على لسان بطرس غالي وسواه أن اختياره لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة يستند استنادًا رئيسا إلى تبنيه للقضايا الإفريقية وقضايا ما يسمى بالعالم الثالث، فمن الثابت أن القارة الإفريقية لم تصل إلى ما وصلت إليه من الإهمال الدولي بعد استغلال دام عدة قرون لخيراتها وثرواتها، كما هو الحال في الوقت الحاضر، وأن هوة الثراء والفقر والتقدم والتخلف في عالمنا المعاصر، قد ازدادت عمقًا خلال السنوات الخمس الماضية، بما يزيد على أضعاف ما كان في العقود الأربعة السابقة لوجود الأمم المتحدة، بل يمكن القول إن استمرار هذه الهوة أصبح مقننا دوليًا من خلال خطوات عديدة شهدتها هذه الفترة، ومن بينها كمثال الاتفاقية الدولية الجديدة للتجارة والجمارك.
مكاسب واشنطن وغالي:
علام تعارض واشنطن بقاء بطرس غالي في منصبه إذن...؟ الأرجح كما سبقت الإشارة أنها لا تعارض، ولن يصعب عليها العودة عن موقفها في الوقت المناسب إذا حصلت على ما تريد في الميدانين المالي والسياسي وفق حل «وسطي» يدور الحديث عنه، ولكن حتى في حالة الإصرار ونجاح واشنطن في طرح اسم بديل توافق عليه الأطراف الأخرى اقتناعًا أو بالإكراه حسب مجرى المساومات والضغوط، والدولة المطلوبة موافقتها فإن المكسب الأكبر الذي ستحققه واشنطن آنذاك هو حذر أي أمين عام جديد من اتخاذ مواقف تتعارض مع التصورات والمصالح الأمريكية مهما تطلبت الوقائع مثل تلك المواقف.
ولكن بطرس غالي أيضًا لن يخرج من هذه الجولة خاسرًا.. وهذا ما لا تجهله واشنطن نفسها، فبقاؤه في منصبه سيأخذ مظهر تحقيق نصر على الإرادة الأمريكية، يعطيه مكانة خاصة لدى الدول الأخرى، ولا سيما الدول النامية التي يؤكد أنه يتبنى قضاياها.. وحتى خسارته لمنصبه تحت الضغوط الأمريكية لن تكون خسارة جسيمة، فقد أصبح الموقف الرافض لإرادة واشنطن رصيدًا إيجابيًا يمكن الاعتماد عليه في أي نشاط يمارسه بطرس غالي على المستوى المحلي أو المستوى الدولي.
إن اعتراض واشنطن على بقائه - وهو الذي لم يكن يفكر بالبقاء دورة ثانية - يمكن أن يتحول إلى حجة رئيسة لتعزيز ما كان يعطيه من أعذار يلقي بها المسؤولية على الدول صاحبة القرار في مجلس الأمن الدولي عن سائر السلبيات التي لوثت دور الأمم المتحدة في السنوات الخمس الماضية، كلما واجهت وسائل الإعلام بطرس غالي بسؤال محرج عن ذلك الدور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل