; الحركة الإسلامية المغربية تدفع ثمن التفجيرات | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية المغربية تدفع ثمن التفجيرات

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003

مشاهدات 83

نشر في العدد 1554

نشر في الصفحة 20

السبت 07-يونيو-2003

هل يتجه المغرب نحو النموذج الاستئصالي ضد الإسلاميين؟

أدخلت تفجيرات الدار البيضاء ليلة ١٦ مايو الماضي، المغرب حقبة جديدة استيقظ عليها المغاربة في اليوم التالي وكأنها ترسم تحولاً جذرياً لمسار التطور السياسي في البلاد.

 فعلى مدار السنوات الماضية كان المغرب يعد الدولة العربية والمغاربية الوحيدة التي بقيت في منأى من انفجار العنف الداخلي، ومثالاً في التساكن بين الحركة الإسلامية والنظام الذي يستند في مشروعيته إلى الإسلام (كون الملك أميراً للمؤمنين دستورية، لا ينازعه هذه الصفة في الطيف الإسلامي سوى جماعة العدل والإحسان).

وقد تدخل الجوار مع الجزائر التي تعيش منذ أكثر من عشرة أعوام حرباً داخلية طاحنة، وعدم استنساخ النموذج الجزائري في المغرب، ليعطي هذا الأخير صورة البلد المستقر المتعافي من الشروخ السياسية.

لكن هذه الصورة بدأت في السقوط في اليوم التالي للتفجيرات، واتجهت الأسئلة ناحية العلاقة بين الإسلاميين، والنظام الحاكم من جانب، وبينهم وبين الفرقاء السياسيين الآخرين من جانب آخر.

 هل ستظل هذه العلاقات كما كانت تسير نحو التطبيع ومراكمة المزيد من الخبرة في التعايش السياسي؟.

 أم أنها ستتعرض لانتكاسة كبرى تقود البلاد نحو استنساخ النموذج الجزائري الاستئصالي؟.

 ومن هنا طرحت مجموعة من الافتراضات بشأن مدبري التفجيرات، اختلفت بحسب المواقع السياسية لكل طرف.

 فجماعة العدل والإحسان التي يقودها الشيخ عبد السلام ياسين، وجهت الاتهام بعد ساعات على وقوع التفجيرات إلى جهات أجنبية وإن لم تسمها، من أجل المساس بصورة الإسلاميين، وسارت حركة التوحيد والإصلاح المندمجة مع حزب العدالة والتنمية الموجود في البرلمان بـ ٤٢ مقعداً في نفس الخط، وكذا فعلت «الحركة الحركة من أجل الأمة»، «حركة البديل الحضاري».

صدمة الإسلاميين

والواقع أن تفجيرات الدار البيضاء صدمت الإسلاميين بالقدر الذي صدمت به النظام والحكومة.

فهذه أول مرة تقع فيها أعمال عنف بهذا الحجم الكبير وسط كبرى المدن المغربية وفي لحظة سياسية دقيقة، فقد وقعت التفجيرات قبل مرور ساعات فقط على احتفال العاهل المغربي محمد السادس بعقيقة مولوده الأول، وبعد يومين من الذكرى السابعة والأربعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، وفي اليوم الذي احتفلت فيه المملكة بإنشاء الدرك الملكي، وبعد أسبوع واحد من إطلاق وزير الداخلية الأسبق القوي إدريس البصري تصريحات هي الأولى من نوعها له منذ إقالته عام ۱۹۹۹م قال فيها: بأن الملكية مهددة، وتزامنت مع طرح مشروع الأمم المتحدة لحل أزمة الصحراء الغربية الذي يشكل خطراً على وحدة المملكة كونه يجعل سيناريو الانفصال مطروحاً بجدية، والأهم من هذا أنها جاءت في أجواء التحضير لإجراء أول انتخابات بلدية في عهد الملك الحالي يشارك فيها حزب العدالة والتنمية الإسلامي، وهي الانتخابات التي كانت مقررة في شهر يونيو الجاري وتم تأجيلها إلى سبتمبر المقبل؛ تخوفاً من اكتساح الإسلاميين فيها، وقد تميزت فترة التحضير لها بتوتر حاد بين الإسلاميين، والتيار اليساري العلماني الذي كان يحذر من الخطر الإسلامي، وتشكيل جبهة موحدة بين عدد من الأحزاب اليسارية بهدف التصدي لهذا الخطر المزعوم، والاحتقان الداخلي الحاد بين التيارين حول قانون الأسرة الجديد الذي يريده اليساريون علمانياً وقريباً من النموذج التونسي.

هذا السياق السياسي الساخن، جعل التفجيرات تبدو كأول تجربة قاسية للحركة الإسلامية، ولذلك كان مفهوماً أن تسارع جميع مكوناتها إلى إدانتها بشدة وإبداء حرصها على الوحدة الوطنية والتذكير بأدبياتها الرافضة للعنف منهجاً سياسياً.

 وقد عكست بيانات الحركة الإسلامية مخاوفها من إمكان جعلها كبش فداء من طرف جناح داخل الحكم نفسه تمثله الدوائر الأمنية يطلب رأسها، علاوة على التيارات العلمانية واليسارية التي تبحث عن أدنى وسيلة لشن الحرب على الإسلاميين.

هاجس أمني قوي.. هل تعود أيام الرصاص؟

بصرف النظر عن الفاعلين والمدبرين، فإن التفجيرات قدمت مبررات إضافية للدوائر الأمنية، خاصة جهاز المخابرات، لتشديد قبضتها على المجتمع والتيارات الدينية عامة، سواء التي تشتغل في إطار من السرية والتكتم أو خطباء المساجد أو الحركات الإسلامية التي يعمل بعضها في إطار من الشرعية مثل حركة التوحيد والإصلاح، أو ضمن إطار من التسامح مثل العدل والإحسان والبديل الحضاري والحركة من أجل الأمة.

فخلال العامين الأخيرين، شهد المغرب حالة أمنية مشددة، بعد القبض على أفراد «الخلية النائمة لتنظيم القاعدة» في مايو من العام الماضي، وملاحقات واعتقالات ضد أتباع التيار السلفي الممثل في عدة تنظيمات، يقول البعض أنها وهمية فيما يقول آخرون إنها موجودة على هيئة أفراد موزعين على عدة مدن دون تنظيم معين ينظمها، وهي «السلفية الجهادية» و«التكفير والهجرة» و«الصراط المستقيم»، وهي التنظيمات الثلاث التي ألصقت بها السلطات المغربية تهمة تفجيرات ١٦ مايو الماضي.

وقد تعرضت الدوائر الأمنية المغربية، وجهاز المخابرات بالخصوص لعدة انتقادات من طرف هيئات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية المغربية والأجنبية، وقرع الكثيرون ناقوس الإنذار من احتمال العودة بالمغرب إلى ما صار يسمى ب «أعوام الرصاص» في السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي، عندما كان الهاجس الأمني هو السائد في تعاطي الحكم مع اليسار والأحزاب، وكانت أعمال الاختطاف والاعتقال خارج القانون تجري بكل حرية.

 غير أن ذلك لم يخفف من غلواء الدوائر الأمنية، وكانت أنباء الاختطافات والاعتقالات تتواصل كل يوم.

واتضح أن المغرب يتجه نحو المزيد من التعاون والتنسيق الأمني مع الولايات المتحدة ويخضع لإملاءاتها، كما كشف وضع مشروع قانون حول محاربة الإرهاب عن أن الدوائر الأمنية تريد حماية نفسها قانوناً، وإعطاء المشروعية لممارساتها غير المتقيدة بتشريعات معينة، الأمر الذي عمم حالة التخوف من عودة سنوات القمع في الماضي.

وبعد يومين من التفجيرات، دعت الحكومة إلى اجتماع عاجل للجنة العدل والتشريع بالبرلمان قصد إحالة مشروع قانون مكافحة الإرهاب على مجلس النواب «الغرفة الأولى للبرلمان» للمصادقة عليه على عجل.

وكانت المفاجأة التي بعثت رسالة سياسية إلى المجتمع، أن الحكومة فرضت على الأحزاب التصويت على المشروع جملة كمشروع غير قابل للتجزئ، وليس كنصوص وبنود، الأمر الذي يعني تخلي الأحزاب عن التعديلات التي اقترحتها على المشروع.

 وحصل القانون على التصويت بالإجماع؛ لأن الأحزاب كانت متخوفة من نعتها بدعم الإرهاب أو التساهل معه، لكن الملاحظ أن حزب العدالة والتنمية الذي كان يعترض على القانون من قبل، ويطالب بسحبه أصلاً من البرلمان صوت عليه وتراجع عن جميع التعديلات التي كان قدمها في السابق، وقال مصطفى الرميد رئيس الفريق البرلماني للحزب: إن التصويت على قانون خطير ومطعون فيه «تصويت سياسي» أراد منه الحزب توجيه رسالة إلى المسؤولين، مفادها أنه مع خيارات الحكومة ضد الإرهاب، ولم يكن خافياً أن الحزب كان يريد بذلك امتصاص الضربات التي بدأت توجه إليه من كافة الأطراف، سواء خارج أو داخل الحكومة ومحاولة دفع تهمة الإرهاب عنه.

العدالة في قفص الاتهام

خلال جلسة مجلس النواب للتصديق على قانون مكافحة الإرهاب، وجه الوزير الأول (رئيس الوزراء) «إدريس جطو» خطاباً لاذعاً إلى النواب والأحزاب السياسية اتهم فيه بشكل - غير مباشر - بعض الجمعيات الحقوقية والهيئات السياسية والصحف المستقلة بالتحريض على العنف؛ بسبب ما عبرت عنه من انتقادات للحملة الأمنية ضد المحسوبين على التيارات الإسلامية الثلاث المذكورة، لكن الإشارة إلى حزب العدالة والتنمية كانت واردة بطريقة مبطنة، عندما وجه جطو انتقاده إلى بعض الهيئات السياسية. وقد ظهر أن الحكومة تسير في نفس الاتجاه الذي سارت فيه الجماعات اليسارية العلمانية والصحف التابعة لها، فقد قال جطو: إن تفجيرات الدار البيضاء كانت تستهدف المشروع الحداثي للبلاد، ودعا إلى اليقظة ضد «قوى الظلام».

وعلى نفس الوتر عزف وزير العدل الاشتراكي محمد بورّوبع أمام البرلمان، وأطلق تصريحات في لقاء تلفازي اعتبرها الإسلاميون عموماً وحزب العدالة خصوصاً موجهة إليهم، فقد شن حملة على ما سماه التوظيف السياسي للدين، واتهم الإسلاميين عامة بأنهم «غير ديمقراطيين في العمق،» وقال إن حزب العدالة يلعب لعبة خطيرة عندما يتحدث باسم جميع الإسلاميين، وأعلن أن الدولة لن تسمح بتأسيس حزب سياسي على أساس ديني أو عرقي، وأن قانون الأحزاب الجديد الذي سيعرض قريباً على البرلمان سينص على ذلك. وقد شجعت هذه التصريحات الرسمية التيار اليساري على وضع المزيد من الوقود في حملته الإعلامية التي استهدفت حزب العدالة، وحركة التوحيد والإصلاح التي تشكل القاعدة الخلفية له، وبرزت أصوات تدعو علناً إلى حل الحزب أو تحجيمه، وإلى فصل الدين عن الدولة، ووضع الدولة يدها على المساجد، وأعطيت تعليمات صارمة للقناتين التلفازيتين بعدم استضافة ممثلين عن الحزب في البرامج الحوارية حول الأحداث، كما تم منع رئيس الفريق البرلماني للحزب من المشاركة في برنامج قدمته قناة «الجزيرة» القطرية. 

وبدا أن الحكومة والتيار اليساري العلماني الداعي إلى الخيار الاستئصالي ضد الإسلاميين يقفان في صف واحد، وأن هناك طبخة معينة يجري التحضير لها في أفق الانتخابات البلدية في سبتمبر القادم؛ لمحاصرة التيار الإسلامي المشارك في العملية السياسية، وقد استشعر حزب العدالة هذه الخطة المبيتة، فأعلن مصطفى الرميد رئيس فريقه البرلماني أن الحزب يمكن أن يقاطع الانتخابات إذا ما استمرت الحملة ضده، وتساءل: «كيف يمكن للإنسان أن يدخل إلى غمار الانتخابات والدولة تقوم من الآن بحملة ممنهجة ضد حزب العدالة والتنمية وربطته بأمور هو ضدها ؟!»، واستنكر نائب الأمين العام للحزب سعد الدين العثماني استغلال التفجيرات لتصفية الحسابات السياسية معه. وقال:« إننا نستغرب اليوم أن يقوم بعض الخصوم السياسيين باستغلال ألام الضحايا في التفجيرات الأخيرة بل

ألام المغرب في حسابات انتخابية ضيقة».

منع العدالة من المشاركة في المظاهرة

وقد اتضحت نية عزل حزب العدالة والتنمية والتضييق عليه خلال الإعداد لتنظيم المظاهرة الشعبية في الدار البيضاء يوم ٢٥ مايو، التي دعت إليها أحزاب الأغلبية الحكومية وبعض المنظمات والهيئات المدنية، حيث رفض تمثيل الحزب في اللجنة المنظمة، ورغم نشر الحزب بياناً يوم ٢٣ مايو يدعو للمشاركة الواسعة في المظاهر، أسوة بحركة التوحيد والإصلاح وجماعة العدل والإحسان والبديل الحضاري والحركة من أجل الأمة، إلا أنه في اليوم التالي استدعت السلطات قياديي الحزب، وطلبت منهم سحب مشاركتهم بعد احتجاج عدة منظمات وجمعيات مدنية يسارية عليه، مما اضطر الحزب إلى الامتثال ونشر بلاغ يعلن فيه عدم مشاركته، وتدخلت قوات الأمن في يوم المظاهرة لمنع أعضاء الحركات الإسلامية من النزول إلى ساحة التظاهر، وأغلقت جميع المنافذ والسبل المؤدية إلى وسط المدينة، كما تدخل رجال الأمن لاعتقال أي شخص ملتحٍ يشتبه في انتمائه إلى التيار الإسلامي. وحسب المراقبين فإن أي مشاركة واسعة للإسلاميين في التظاهرة كانت ستحول الدار البيضاء إلى حمام دم؛ بسبب أجواء التوتر والغضب الشعبي الذين حاول التيار اليساري توجيهها ناحية الإسلاميين. وخلال المظاهرة رفعت شعارات مناوئة لحزب العدالة والإسلاميين، كما رفعت لافتات كتب عليها مطلب فصل الدين عن الدولة، وارتفعت هتافات ضد الأصولية الدينية مع ربط الإسلام بالإرهاب. وحاول اليسار الركوب على التظاهرة بحيث صورها مظاهرة ضد التطرف الأصولي جملة، وأن خروج عشرات الآلاف ذلك اليوم كان للاحتجاج ضد الجماعات الإسلامية.

خيار الاستئصال... هل هو وارد؟

قد نبهت تفجيرات ١٦ مايو إلى وجود تيار استئصالي قوي بإعلامه وبالدعم الخارجي، الذي يحصل عليه يريد أن يزج بالمغرب في أتون مواجهة طاحنة بين النظام والإسلاميين، ويسعى جاهداً لنسف التراكمات التي تحققت حتى الآن في إطار التعايش المتوازن بين الطرفين. ويتشكل هذا التيار من بقايا اليسار القديم، الذي شكل جبهة موحدة قبل أشهر قليلة ويريد العودة إلى ساحة العمل السياسي من مدخل المواجهة مع الحركة الإسلامية بعد كساد سوق شعاراته، ومن بعض الجمعيات الأمازيغية المتطرفة، التي ترى في خطاب الإسلاميين العقبة الكأداء أمام طموحاتها التمزيقية والتغريبية، وكذا بعض الجمعيات النسوية التي تتخوف من ألا تتضمن مدونة الأحوال الشخصية الجديدة - التي تعكف لجنة ملكية خاصة على وضعها - المطالب التي تنادي بها، وهناك أيضاً جزء محسوب على الدولة يتمثل في بعض الدوائر الأمنية المرتبطة بالتنسيق مع الأمريكيين، وهي لا تريد أن ترى نجاحاً انتخابيا للإسلاميين.

وكانت تقارير فرنسية قد أشارت قبل ثلاث سنوات إلى أن بعض رجال المخابرات المغربية وجنرالات في الجيش مستعدون للقيام بانقلاب عسكري إذا حكم الإسلاميون المغرب، ولعل ذلك التحذير هو الذي دفع وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري إلى القول بأن النظام الملكي مهدد.

غير أن ذلك يبقى مجرد تكهنات غير لصيقة بالواقع. وتؤكد وقائع تاريخ المغرب المعاصر أن الخطر على النظام الملكي منذ الستينيات جاء من حركات اليسار والشيوعيين وليس من الإسلاميين، وأن هؤلاء على العكس من ذلك كانوا يرون مصلحة البلاد في دعم مؤسسة ملكية تستند على الدين كيفما كان الحال، وتحافظ على بعض من التوازن السياسي الداخلي، خصوصاً بالنظر إلى الجوار القريب، حيث لا تخرج النماذج عن سلطة عسكرية تصادر الشعب كما هو الحال في الجزائر، أو سلطة علمانية تصادر الدين كما هو الحال في تونس، أو سلطة شمولية تصادر الدين والشعب كما هو الحال في ليبيا.

وقد أكدت المعركة السياسية والإعلامية في المغرب لما بعد تفجيرات الدار البيضاء، أن المصالحة بين الإسلاميين والنظام في حاجة إلى جرعات أخرى أكبر لتحقيق هدفين رئيسين في إطار المحافظة على الكيان الداخلي للبلاد:

 الأول: القضاء على التطرف الديني الذي يخرج من هوامش الحركات الإسلامية لا من داخلها، ووقف تغذيته بوقف المنع والمحاصرة، وذلك من أجل استيعابه في العمل السياسي الشرعي والعلني.

والثاني: سحب البساط من تحت أقدام التيار الاستئصالي الذي لن يقود البلاد إلا إلى محرقة تحرق أبناء المغرب لحساب المصالح الأجنبية.

الرابط المختصر :