العنوان رسالة إلى القمة العربية من الشعوب الغاضبة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-2000
مشاهدات 55
نشر في العدد 1422
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 17-أكتوبر-2000
من المقرر أن تنعقد بعد أيام في القاهرة قمة عربية هي الأولى منذ عام ١٩٩٦م، حين تداعت آنذاك الدول العربية لقمة عاجلة في القاهرة بعد نجاح اليمين الصهيوني في الانتخابات العامة التي أجريت في فلسطين المحتلة، ووصل معها بنيامين نتنياهو إلى السلطة.
ومنذ ذلك التاريخ تداعت أحداث جسام كان أهمها المخطط الكبير لوأد القضية الفلسطينية والحصول على اعتراف مزيف من السلطة الفلسطينية يجيز اغتصاب الأرض وطرد أهلها، كما واجه المسجد الأقصى المبارك العديد من المؤامرات التي تستهدف هدمه وإقامة الهيكل اليهودي المزعوم محله، ومع ذلك فلم تحرك تلك الأحداث ساكن القمة العربية. وكانت الحجة الدائمة أنه لابد من التحضير الجيد للقمة حتى لا تتعرض للفشل، وأن الخلافات العربية أكبر مما يسمح بعقد قمة ناجحة، والواقع أن تلك التبريرات لا ترقى إلى مستوى القبول عند الشعوب إذ إن عوامل الوحدة والانسجام بين العرب أقوى من عوامل الفرقة والاختلاف ولكن السياسات غير الصائبة لبعض الحكام أو خضوعهم للضغوط والتهديدات الخارجية هي التي ادت إلى هذا الوضع البئيس للقمة العربية.
إن منظمات ومؤسسات دولية أخرى لا يجمع بين شعوبها مثل ما يجمع بين الشعوب العربية استطاعت أن تحافظ على دورية انعقادها بشكل سنوي، بينما نجد أن القمة العربية لم تنعقد سوى مرتين في عقد كامل من الزمن، إذ إنه منذ قمة أغسطس عام ١٩٩٠م التي انعقدت بعد الغزو العراقي الغاشم للكويت، لم تنعقد القمة إلا في عام ١٩٩٦م، وحين تنعقد القمة بعد أيام سيعتبر البعض ذلك العمل إنجازًا كبيرًا.
إن من المهم أن تباشر القمة الجديدة وضع إلية ثابتة ودورية لاجتماعاتها، وأن يتم تعديل ميثاق جامعة الدول العربية الذي ينص على ضرورة صدور القرارات بإجماع الآراء، هذا النص الذي مثل. مع أسباب أخرى-عقبة كأداء أمام أي قرار فاعل، إذ إنه في سبيل الحصول على الإجماع يخرج القرار خاليًا من أي مضمون، وكان الحصول على الإجماع قد أصبح هدفًا في ذاته.
بيد أنه لا قيمة لأي اجتماع ما لم تصدر عنه قرارات تكون من جانب قابلة للتنفيذ، ومن جانب آخر متوافقة مع الرغبة الشعبية العربية، ومحققة المطالب الشعوب العربية وآمالها وتطلعاتها.
لقد أثبتت ردود الفعل الشعبية في العالم العربي منذ انتفاضة الأقصى المبارك أن الشعوب العربية كالجسد الواحد. يشتكي طرفة بالمغرب ما يحدث في فلسطين، ويتألم طرف ثان بالخليج، وبين طرف ثالث في مصر، ورابع في الجزيرة العربية أو الشام.
بل إن الأطراف النائية، التي ظن البعض أنها قد فصلت عن الجسد العربي أو انشغلت بقضاياها المحلية البنت أن مراكز الإحساس فيها مازالت حية إذ تحركت المظاهرات في أقصى الغرب في موريتانيا، وأقصى الجنوب في الصومال.
وإذا كانت الشعوب العربية على هذه الحال من التواصل والتفاعل والمعايشة، فمن الضروري أن تكون قرارات القمة العربية على القدر نفسه من الحيوية، إن المظاهرات التي تطالب بالجهاد تعني أن الشعوب لا تقبل بأي تسوية مع العدو الصهيوني تكون على حساب مقدرات الشعب الفلسطيني وأبنائه وأرضه.
والمظاهرات التي أحرقت العلم الإسرائيلي وصور رئيس الوزراء الصهيوني، ونددت بممارساته البشعة بأهلنا في فلسطين تعني أن الشعوب ترفض كل أشكال التطبيع مع العدو، وتطالب بوقف كل الإجراءات التي تمت بهذا الصدد من بعض الدول العربية المتخاذلة، والمظاهرات التي أحرقت الإعلام الأمريكية تعني أن الشعوب تطالب حكوماتها بموقف حازم من الولايات المتحدة التي ترتبط مصالحها الاقتصادية بشكل كبير بالعالم العربي، لكنها جعلت من نفسها الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني الذي يمده بكل أشكال المساعدة المالية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية.
لقد شبعت الشعوب العربية من عبارات الشجب والتنديد وإذا جاز للشعوب أن تعبر عن غضبها بالتظاهر، أو الشجب والتنديد، فالأمر على خلاف ذلك بالنسبة للحكومات التي من واجبها ترجمة رغبات الشعوب وأمانيها وتطلعاتها إلى قرارات تجد طريقها إلى التنفيذ وسياسات يتم تطبيقها.
إن من المؤسف أن نجد أن هناك حالة من الفصام بين بعض الشعوب وحكامها. وقد غذى الاستعمار ومن حل محله من القوى الغربية المتسلطة تلك الحالة ليعيش أولئك الحكام في عزلة عن شعوبهم وحتى يحال بين الشعوب وأمانيها المشروعة.
وهذه الحالة يجب أن تزول وأن يسود الوصال بين الطرفين بدلًا من الفصام. والوئام بدلًا من الخصام، والثقة بدلًا من التربص والاحتراز.
إن منطقتنا تواجه مخططًا صهيونيًا مكشوفًا يبغي السيطرة وبسط النفوذ من النيل إلى الفرات، وقد وجد ذلك المخطط العون والمساندة المادية من قوى الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة، ولا يمكن أن نتمكن من مواجهته في ظل حالة الضعف والتخاذل والهوان التي نعيشها الآن، وبعد أن تخلينا عما نملك من أسلحة كثيرة أهمها الاعتصام بالله سبحانه وتعالى، ثم ما وهبنا إياه من ثروات وموارد بشرية وطبيعية.
وقد شاء القدر أن يكون الحكام الحاليون في موقع المسؤولية في هذا الظرف العصيب، ونحن ندعوهم أن يحملوا المسؤولية بقوة، وأن ينهضوا للمهمة الصعبة، وسيجدون الشعوب العربية جميعًا معهم على قلب رجل واحد. أما من تقاعس أو تهاون أو مد يده للعدو فنقول له: إن عليه أن يعتبر مما حدث في يوغوسلافيا ومن قبل في رومانيا. وما ذلك من الظالمين ببعيد.