; معالم على الطريق-الشجاعة في الحق إيمان ويقين وخلود (1) | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق-الشجاعة في الحق إيمان ويقين وخلود (1)

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 10-يوليو-2010

مشاهدات 50

نشر في العدد 1910

نشر في الصفحة 35

السبت 10-يوليو-2010

د. توفيق الواعي

dar_elbhoth@hotmail.com

الشجاعة من أكرم الخصال التي يتصف بها الرجال، فهي عنوان القوة، وعليها مدار إعزاز الأمة، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، فالشجاعة صفة لا يتحلى بها إلا الأقوياء الذين لا يأبهون الخوف، ولا يجعلون الخور والضعف ديدنهم.

ولقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم  أشجع الناس فقد فرت منه جيوش الأعداء وقادة الكفر في كثير من المواجهات الحاسمة، بل كان يتصدر صلي الله عليه وسلم المواقف والمصاعب بقلب ثابت وإيمان راسخ ولقد كانت مواقف النبي مضرب المثل، ومحط النظر، فهو شجاع في موطن الشجاعة، قوي في موطن القوة، رحيم رفيق في موطن الرفق، فصلوات ربي وسلامه عليه.

وأخيراً نقول، يكفي المؤمن الشجاع شرفاً أن الله يحبه، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ( رواه مسلم)، ويكفي الجبان مذمة أن رسول اللهصلي الله عليه وسلم كان كثيرا ما يتعوذ من هذه الصفة، فقد كان لرسول الله صلي الله عليه وسلم دعوات لا يدعهن، ومنهااللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز

والكسل والبخل والجبن، وغلبة الرجال (رواه البخاري)، والشجاعة كما تكون في الميدان تكون في الثبات على الحق كما بينا. ومن الأمثلة الدالة على شجاعة الدعاة

أيضا وخوفهم من الله دون سواه ما كان من أمر الداعية الفقيه سعيد بن جبير مع الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي ويتلخص الموقف فيما يلي: عندما صمم الحجاج على قتل سعيد بن جبير - مثلما حدث مع كثيرين غيره - أرسل جنودا فجاؤوا به وأدخلوه عليه ودار بينهما

الحوار التالي:

قال الحجاج ما اسمك؟

رد عليه سعيد قائلا: سعيد بن جبير.

قال الحجاج : بل أنت شقي بن كسير.

قال سعيد : بل كانت أمي أعلم باسمي منك.

قال الحجاج: شقيت أنت وشقيت أمك.

قال سعيد : الغيب يعلمه غيرك.

قال الحجاج: الأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى.

قال سعيد: لو علمت أن ذلك بيدك لا تخذتك إلها.

قال الحجاج فما بالك لا تضحك؟

قال سعيد : وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأكله النار.

قال الحجاج: فما بالنا نضحك؟

قال سعيد : لم تستو القلوب.

وفكر الحجاج في أن يستميل قلب سعيد بن جبير بالمغريات والماديات فأمر باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فجمعه بين يدي سعيد بن جبير.

فقال له سعيد: إن كنت جمعت هذا لتفتدي به من فزع يوم القيامة فقد أخطأت وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا .

ثم دعا الحجاج بالعود والناي، فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد بن جبير.

فقال له الحجاج: ما يبكيك؟ أهو اللهو ؟

قال سعيد : بل هو الحزن، أما النفخ فقد ذكرني يوما عظيما يوم ينفخ في الصور وأما العود فشجرة قطعت في غير حق، وأما الأوتار فإنها أمعاء الشياه يبعث بها معك يوم القيامة.

فقال الحجاج: ويلك يا سعيد. فقال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار.

تريد أن أقتلك ؟

فقال الحجاج: اختر يا سعيد أي قتلة

فقال سعيد اختر لنفسك يا حجاج

فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها  في الآخرة.

قال : أفتريد أن أعفو عنك ؟

قال: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا

براءة لك ولا عذر.

قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه فلما

خرج من الباب ضحك، فأخبر الحجاج بذلك

فأمر برده.

فقال: ما أضحك؟

قال سعيد : عجبت من جرأتك على الله

وحلم الله عنك.

قال الحجاج: اقتلوه.

فقال سعيد : وجهت وجهي للذي

فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.

قال الحجاج شدوا به لغير القبلة.

قال سعيد : فأينما تولوا فثم وجه الله.

قال الحجاج: كبوه لوجهه.

قال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم

ومنها نخرجكم تارة أخرى.

قال الحجاج: اذبحوه.

قال سعيد : أما إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأن محمدا عبده ورسوله خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة.

ثم توجه سعيد بن جبير بالدعاء إلى الله قائلا : اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، وقتل سعيد بن جبير يرحمه الله وعاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة يعاني من المرض ثم مات، وكان ينادي بقية حياته

قائلا: ما لي ولسعيد بن جبير، كلما أردت النوم أخذ برجلي.

إنها بوادر القصاص من الظلمة في الدنيا قبل الآخرة، ولا ينفع الظالمون فيها ثناء المهزومين عليهم.

هبني مدحتك بين الناس قاطبة

                           حتى جعلتك بين الناس عملاقا

هبني زعمتك قديسا تباركنا

                            وقلت: إنك خير الناس أخلاقاً 

من ذا يصدقني بين الألى عرفوا

                                 عنك الخداع وسفاحا وأفاقا

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 44

74

الثلاثاء 19-يناير-1971

لعقلك وقلبك (44)

نشر في العدد 300

62

الثلاثاء 18-مايو-1976

من شذرات القلم

نشر في العدد 287

50

الثلاثاء 17-فبراير-1976

جلسة مع ابن قيم الجوزية (287)