العنوان لماذا رفض المسلمون في البوسنة والهرسك خطة فانس وأوين؟!
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993
مشاهدات 97
نشر في العدد 1039
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 23-فبراير-1993
مقال الأسبوع
مأساة البوسنة والهرسك: مؤامرة
التقسيم وخطة فانس وأوين
دخلت مأساة إخواننا في البوسنة والهرسك مرحلة جديدة، وانكشفت خيوط
أخرى من خيوط المؤامرة الدولية ضدهم، وكما كانت قرارات الأمم المتحدة بحظر الأسلحة
على الطرفين «الصرب المسلمين» لصالح الصرب الصليبيين الحاقدين، حيث كانوا- ولا
يزالون- يملكون من الأسلحة المتطورة وأسلحة الدمار الشامل الكثير والكثير، بينما
المسلمون كانوا ممنوعين من الدخول في الجيش، وليس لديهم أسلحة، بل هم شعب أعزل،
كذلك الأمر في القرارات الأوروبية، فكلاهما من مشكاة واحدة.
وفي هذه المرة نشاهد مثل هذا القرار من خلال خطة أوروبية محكمة تبناها
اليهودي لورد أوين وفانس، يتلخص مؤداها في القضاء التدريجي على دولة إسلامية في
أوروبا، وفي تكريم الصرب على جرائمهم البشعة التي يندى لها جبين الإنسانية،
ومكافأتهم على هذه الخدمات لأوروبا المسيحية!!
الضغط
على المسلمين
ومفاوضات جنيف
وكان من المتوقع أن تمارس الضغوط على الصرب المعتدين؛ لكنه ظهر أن
الضغوط كلها كانت على المسلمين، ففي البداية مارس الوسيطان الدوليان ضغوطًا على
الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش؛ حتى يجلس على طاولة المفاوضات المباشرة مع زعيم
الصرب، ومجرم الحرب رادوفان كاراجيتش الذي لا تزال أيديه غارقة في دماء المسلمين
وانتهاك أعراضهم، وقد كان هذا الجلوس معه صعبًا، أُريد به أن يرفض الرئيس البوسني،
وحينئذ يقال: إنه السبب في عدم نجاح المفاوضات، وهذا ما صرح به علي عزت في المؤتمر
الصحفي قائلًا: «إن رفض المشاركة والجلوس مع مجرم الحرب سيحملني أمام العالم
مسؤولية استمرار الحرب في بلادي».
وحينما اطلع رئيس البوسنة والهرسك على الخطة الأوروبية في جنيف اندهش
فرفضها، وأعلن رفضه للتقسيم، وسافر إلى أمريكا لمطالبتها بأداء دورها في حل هذه
المشكلة، غير أن فانس اتصل بوزير خارجية أمريكا إيجلبورجر ومستشاري الرئيس
الأمريكي بيل كلينتون؛ فطالبهم بأن لا يسمحوا بلقاء الرئيس البوسني بالرئيس
الأمريكي، حيث برر فانس بأن دعمه الآن سيضر بالخطة الأوروبية، وبخطة الأمم المتحدة
في حل هذه المشكلة.
توقيت
الخطة الأوروبية
وقبل أن ندخل في تفاصيل هذه الخطة الاستسلامية من قبل فانس وأوين، قد
يتبادر إلى الأذهان التساؤل حول ظهور هذه الخطة في هذه المرحلة، ولماذا لم تقدم
منذ بداية الحرب؟؟
للجواب عن ذلك يمكننا القول بأن توقيتها قد جاء في وقت مناسب للمؤامرة
الدولية على المسلمين في البوسنة والهرسك، فقد قدمت في وقت لم يبق شبر يذكر
للمسلمين، فالبلاد قد دمرت، والمعالم الأثرية قد أبيدت، والمساجد والجوامع
والمدارس قد هدمت، وقُضي عليها، وقد قتل خيرة الدعاة والمثقفين والمفكرين، وانتهكت
أعراض عشرات الآلاف من النساء.
فجاءت الخطة بعد القضاء على كرامة المسلمين وأموالهم وحرماتهم؛ حتى لا
تبقى لهم قوة قائمةٌ في المستقبل، فقد صرح الزعيم الصربي في 24/9/1992 بأنه قد
استشار الأوروبيين في حربه ضد البوسنة والهرسك، وأن الصربيين اليوم يقفون بحربهم
المقدسة ضد الأصولية الإسلامية، وأنهم لو قدموا مليون جندي صربي فداءً ودفاعًا عن
المسيحية، فهم الفائزون المنتصرون إذا قضوا على المسلمين في أوروبا قضاءً مبرمًا.
هذا من جانب، ومن جانب آخر كان الصربيون «ووراءهم الأوروبيون» يتوقعون
الانتصار الحاسم على المسلمين في البوسنة والهرسك من خلال حرب الإبادة التي قام
بها الصربيون منذ أكثر من ثمانية أشهر، بل كان الزعيم الصربي قد حدد لها أربعة
وعشرين يومًا على أقصى تقدير، ولذلك كان هجومهم عنيفًا لا هوادة فيه، وقد شاء
الله- تعالى- أن يثبت أقدام المسلمين على الرغم من تضحياتهم الكثيرة، وما حدث لهم
من مآسي، بل إنهم اليوم يسيرون نحو الأحسن- بفضل الله تعالى- حيث عززوا مواقعهم
العسكرية، حيث تمكن اللواء الأول البوسني من السيطرة على مرتفع إستراتيجي في محيط
«فوجوتشا» وكرامولينا، بل يلاحظ تقدم بوسني على جبهة «سراييفو» يهدف لفك الحصار
المضروب عليها، وتمكنت القوات المسلمة خلال هذا الشهر من الدفاع والصمود أمام
القصف الصربي على «جرادات وبهايتش»، بل استطاعت إحكام القبضة على جيوب صربية في
منطقة «جرابيج» و «تشان».
فأمام هذا التقدم الملحوظ من الجانب العسكري في البوسنة والهرسك،
والصياح الإسلامي في العالم الإسلامي كله، بل تذمر الشرفاء في كل مكان، وتكوين رأي
عام عالمي حول المأساة، وبشاعة الجرائم الصربية، وأخطر من ذلك غضبة الجماهير
المسلمة، ومطالباتهم الشديدة بتدخل دولهم.
وأمام هذه الحيثيات والخوف من أن هذه المأساة التي كشفت أوراق الغرب
والأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد، وموازينهم المختلفة ومكاييلهم المتعددة
للمسلمين ولغيرهم.. ارتأى الأوروبيون أن يحلوا هذه القضية بطريقتهم الخاصة من خلال
خطة أوين وفانس، بحيث إذا فشلوا في القضاء على المسلمين عن طريق الحرب الصربية،
فإنهم يقضون على دولتهم الإسلامية، بالتدرج من خلال خطة السلام المقترحة.
تفاصيل
خطة أوين
وفانس الاستسلامية
وحتى لا يكون كلامنا بعيدًا عن الواقع، وحتى لا يُتهم كلامنا هذا
بالمبالغة، فلنلق على خطة فانس وأوين نظرات، لتتبين لنا الحقيقة، فهذه هي الخارطة
المقترحة لتقسيم البوسنة والهرسك إلى عشر مقاطعات.
فلنلق نظرة إلى هذه الخارطة؛ لنرى فيها تفكيك المسلمين حيث جعلت لهم
مقاطعة (1). (5)، (9) تتخللها المقاطعات الصربية والكرواتية، مع ملاحظة أن
الصربيين لهم دولتهم الكبيرة بجوار البوسنة والهرسك، وكذلك الكروات، فماذا تفعل
ثلاث مقاطعات إسلامية مفككة مفرقة بين كل هذه المقاطعات؟ ناهيك عن الطوق الحديدي
من خلال الصرب والكروات، وأما سراييفو العاصمة فقد جعلت مقاطعة محايدة منزوعة
السلاح.
وإن تعجب من هذا التقسيم الغريب، فأعجب من ذلك بعض نصوص الاتفاقية
التي تنص على أن البوسنة والهرسك دولة غير مركزية، تتكون من عدة مقاطعات لتمثل «هوية
دولية»، ولا يحق لها عقد اتفاقيات خارجية، وأن الوحدات العرقية الثلاث تعتبر وحدات
مكونة بصفة أساسية للدولة، ثم ينص أحد بنود مشروع الاستسلام الباقية على أنه لا
يجوز تغيير أي بند من بنوده إلا باتفاق وإجماع الشعوب الثلاثة، وتكون للمقاطعات
المختلفة برلماناتها الخاصة، بينما ينص بند آخر على النزع التدريجي للأسلحة من
البوسنة والهرسك!!
والغريب أن هذه الخطة لم تلاحظ حتى الوجود الفعلي وأكثريتهم ساحقة في
بعض المقاطعات، ولم تلاحظ نسبة السكان المسلمين وتناسبها مع الأرض، فعلى سبيل
المثال تحصل الصرب بموجب هذه الخطة على 41.4% من أراضي دولة البوسنة والهرسك بينما
عددهم لا يتجاوز 33%، وتحصل الكروات على 27.1% من أراضي البوسنة والهرسك في حين أن
نسبتهم حوالي 17%، أما المسلمون الذين تصل نسبتهم إلى أكثر من 44% من عدد السكان
يعطى لهم 27.9% من مساحة بلادهم، مع العلم أن هذه النسب حديثة، جاءت بعد محاولات
دولة يوغسلافيا المستمرة لصهر المسلمين، وغرس الصرب والكروات في وطنهم.
ومن ناحية يعيش 56.1% فقط من المسلمين على أرضهم، أما البقية فيكونون
في ظل الصرب والكروات، ناهيك عن أن هذه الخارطة الاستسلامية تمنح الصرب أراضٍ كان
يعيش عليها المسلمون، مثل «بريدور» و «بيلينا»، لكن الصربيين الحاقدين قاموا
بتهجير المسلمين عنها بالعنف والإرهاب، ولذلك اندهش الرئيس علي عزت، وقال: «إن
المجتمع الدولي يكافئ الصرب على جريمتهم، ويمنحهم الشرعية»، والأدهى من ذلك أن هذه
الخارطة تمنح الصرب حق الهيمنة على معظم الأراضي التي احتلوها عنوة، مع أن نسبتهم
في أكثرها لا تتجاوز 2% «قضايا دولية العدد 159».
المواقف
المختلفة من
الخطة
وهذه الخطة رحبت بها الكروات، حيث حصلت على مكتسبات كبيرة؛ حتى أشادت
الصحف الكرواتية بموقف الرئيس الكرواتي وموافقته عليها، أما المسلمون فحق لهم أن
يرفضوها رفضًا مطلقًا مهما كان الثمن؛ لأن قبولها يعني الانتحار والقضاء على دولة
اسمها «دولة إسلامية في قلب أوروبا»، بل القضاء على هويتهم وتضحياتهم الجسام، أما
الصرب فلماذا رفضوها؟ لأنهم يريدون المزيد والمناورة، وهم في الأخير يوافقون عليها
ربما عند عرضها على الأمم المتحدة، وحينئذ ينفرد المسلمون في البوسنة والهرسك برفض
الخطة، وآنذاك ليس ببعيد أن يصدر قرار من الأمم المتحدة ضدهم ويعاقبهم لأنهم
يرفضون قرار الأمم المتحدة، إذا لم تتحرك الدول الإسلامية التحرك المطلوب، ولم تعِ
هذا الدور المشبوه، ولم تستوعب هذه الخطة الخبيثة الماكرة التي يراد بها القضاء
على البقية الباقية من مسلمي البوسنة والهرسك، فهل من مجيب لـ«وا معتصماه»!
والله المستعان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل