; في مستوصف الجهراء | مجلة المجتمع

العنوان في مستوصف الجهراء

الكاتب أبو هالة

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1971

مشاهدات 104

نشر في العدد 68

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 13-يوليو-1971

في مستوصف الجهراء

فوضى الزحام يمكن أن تنظم ويتسع المكان!

وبلا معجزات شيء من الاهتمام يرد للمستوصف حقه المشروع من النظافة!

قلة الأطباء تؤذي الطبيب بالعنت والمريض بعدم العناية!

تحقيق: أبو هالة

سر الرسالة الصغيرة!

-  رسالة قصيرة، كتب سطورها القليلة مواطن رمز لنفسه باسم « ابن الجهراء رقم ٢ ».

قال فيها: عزيزي، لا تضيع وقتي ووقتك، أرجو أن تزورنا في مجمع الوحدة الصحية لقرية الجهراء ذات السبعة آلاف نسمة، لترى بعينيك دون حاجة إلى شرح منا أو إيضاح، قد تجدني في صفوف المراجعين للطبيب، أو يكون الله قد شفاني وأغناني بالمعافاة، ومعذرة من عدم استقبالك.

وشكرًا لك لو استجبت «إمضاء»

رحلة السابعة صباحًا

ـ لقد أحسست وأنا أقرأ الرسالة أنها، برقية هاتفية من شخص يطلب الإسعاف أو شرطة النجدة!! وشعرت بكلماتها نداءات مستعجلة في طريق حياة مهددة!!

ـ فهرعت إلى القرية الرابضة على طريق «المطلاع» أبحث في شوارعها وأسال،

حتى هديت في نهاية خطوط المواصلات إلى المكان، وبينما أوقف سيارتي في الساعة السابعة والنصف صباحًا بعد جهد في البحث عن مكان قريب، إذا بي أجد الزحام الذي أحاول المرور فيه بصعوبة.

ـ وأخذت أتلفت لعل صاحب الرسالة يعرفني، فكانت نظراتي تلتقي بالكثيرين دون هداية.

وحضر الأطباء، ووقفت على شباك التذاكر ليكون رقمي ۱۱۳ وحشرت نفسي وسط المئات ليأتي دوري بعد ساعة بالتمام ولشد ما كانت دهشتي لما رأيت وسمعت!!

حجرة لا يمكن أن تكون لطبيب!

ـ وحينما يفتقد النظام، ويتصايح المرضى، ويفقد الحارس قدرته على تنظيم الدخول يندفع العديد ليملأ حجرة الطبيب!!

ـ والمكتب الذي يجلس أمامه أخنى عليه الزمن، وكأنه مستورد للتو واللحظة من مخلفات سوق حراج الأثاث، والمنضدة التي بجواره تستوي معه في القدم وحوض الغسيل كأن لم تمتد إليه يد التنظيف من أيام، والستائر الممزقة على النوافذ بلونها الباهت تدل على عمرها المديد بإذن وزارة الصحة، وناقوس المكتب سلك مربوط في درجه!! ومنضدة الكشف بلا حاجز «بارافان»!!

ـ حجرة مقبضة لا تسمح لطبيب أن يوجد فيها ليمارس أسمى عمل إنساني، من أهم عوامل العلاج فيه المنظر الجميل والشعور بالارتياح لدى الطبيب والمريض.

 

معركة من أجل الكشف

وأراد الطبيب أن يفحص مريضًا في مكان حساس، فنادى حارسه ليخرج الزبائن الذين امتلأت بهم الحجرة فعجز عن ذلك وتعالت الصيحات، كل واحد يدعي الاستعجال والانشغال، وأخيرًا حضر أمين المستوصف الذي استعمل كل سلاح حتى أخرجهم لتتعالى أصواتهم في الخارج مما لا يمكن أبدًا سماعة الطبيب أن تلتقط النبضات وتميز الأصوات!!

العين الميكروسكوبية!

فتى دخل على الطبيب يفحص جرحًا في قدمه، حاول أن يتفحصه من خلال التراب المتجمد عليه، لم يفلح، قال له: يا بني اغسل قدمك وتعالى لأفحصك، فليست عيني ميكروسكوبية! ألم أقل ذلك لك بالأمس حينما جئتني؟!

فانصرف الفتى ينظر إلى الطبيب دهشًا من الإحراج أو الطلب كأنه يستغرب كيف لا يتولى غسله وفحصه وعلاجه، أليس طبيبًا؟!

كرسي واحد غير موجود!

وسمعت ضجة وحركة، وتدافع الناس كموج هادر، وتلفت نحو المصدر لأرى عجوزًا يحمله جمع من أهله، يزحمون الطريق ويتعبون المريض، ودخلوا على الطبيب، وكل واحد منهم يريد أن يتكلم، يريدون أن يجاملوا بعضهم، وهذا يسكت الآخر وذاك يسكته الآخر؟!

ورأى الطبيب الإرهاق البادي على العجوز فسأل الممرض ألا يوجد «عربانة» المقعد ذو العجلتين؟ فأجابه: ولا واحد في الوحدة!!

زفة العائلة!

ومن المناظر المعتادة أن يأتي الرجل أو المرأة بمريض واحد، ولكنهم يصحبون جميع الأولاد ويدخلون بالجميع على الطبيب وتصور أطفالًا في مكان جديد غريب عليهم ماذا يفعلون؟!

وقد يصل الأمر بالوالد أو الوالدة للصياح على الأولاد أو ضربهم، وقد يلزم الأمر ما داموا موجودين عند الطبيب أن يطلبوا منه أي حاجة للأولاد مقوي، أسبرين، إلخ. وسألت الحارس: كيف تسمح لهذا العدد أن يدخل على الطبيب فقال: «نجعد كل ساعة نتهاوش ونطج» هل من المعقول أن أظل طول الوقت في عراك معهم، الطبيب يتصرف!!

ثلاثة في الدقيقة الواحدة!

لم أكن أصدق نفسي وأنا أنظر الساعة في يدي وأرقب المارين أمام الطبيب أو المراجعين، ومع أن الشكاوى مختلفة ومتباينة، والمرضى آهات وأنات، إلا أن السرعة التي يتم بها سماع شكاواهم وتشخيص أمراضهم ووصف العلاج لهم، لا يمكن أن يتصورها إنسان مهما شط به تفكيره أن تصل إلى حد أن المريض الواحد يشغل في المتوسط ۲۰ ثانية.

 

5۰۰ خمسمائة مريض على طبيب واحد!

وتبلغ نسبة المراجعين للطبيب في المتوسط 500 خمسمائة في الدوام الواحد يوميًا، ويمكن لأي إنسان ذي تقدير أن يحدث ولا حرج عن معاناة الطبيب بين ضميره ووقته، بين مهنته الإنسانية التي تستلزم منه أن يسمع لكل ما يشكو به مريضه وأن يعطيه من نفسه ما يشعره بالاهتمام والأمل ويساعد على العلاج وسرعة الشفاء.

الثقة المفقودة!

ورأيت مريضًا يتسلم دواءه من الصيدلية، ويحمل زجاجات الدواء في ضجر، فقلت له: بالشفاء إن شاء الله!! فنظر إلى قائلًا: هل استطاع الطبيب أن يسمع مني كل ما أريد أن أقول له، حتى يعطيني الدواء الناجع؟!

أنا أعلم أنه لا فائدة!!

الكي بالنار للأطفال!

وحضر رجل بطفله يشكو من إسهال، وبينما يفحصه الطبيب وجد جرحًا في بطنه فسأل عنه فقيل له: كي بمسمار محمي، لعله يشفى، وثار الطبيب في وجه الوالد، حرام عليك «لا يعذب بالنار إلا رب النار» وهذا تعذيب للطفل لا علاج!!

النظافة

وإذا كانت الكثرة تأتي بأولادها، لم تمسس وجوهها بالماء ولم تعرف طريق النظافة لهم، فإن المؤلم حقًا أن تضطرك الظروف لدخول دورة المياه بالوحدة!! الأحواض مكسرة والحنفيات المعطلة والقاذورات على الأرض والرائحة الكريهة والمجاري المسدودة، فكيف تتأتى لهم النظافة؟!

حجرة أمين المستوصف

حتى حجرة أمين المستوصف التي لا يدخلها مرضى لم تكن بأحسن حالًا من حجرة الطبيب.

التحويلات

وإذا كان الطبيب في حاجة إلى تعلم الاختزال ليسعفه فإن طلب التحويلات والتحليلات لا ترحمه، فعديد من المرضى يتقدمون إليه بطلب التحويل على المستشفيات دون إعطائه فرصة الكشف عليهم، ومثلهم طلاب التحاليل والإجازات، وهلم جرا.

وهذه هيَ اقتراحاتنا.. من أجل التقدم خطوة إلى الأمام

التافه والخطير

وكل ذي ألم تافه يمر على الطبيب يعطل كل ذي مرض خطير ويزحم طوابير المراجعين ويكون له صوت عال وعضلات قوية، تتقدم كل المحتاجين وتكونت بالتالي طبقة من هواة المرور على الطبيب في كل أمر صغير وتافه لا يمنعهم عن ذلك مانع فقد يكون عند طبيب أول النهار وعند طبيب آخر النهار!!

النساء والحوامل

ولم أشأ أن أدخل إلى جناح النساء الذي ألقيت عليه نظرة خاطفة، لأجد طرقاته على آخرها تعج بالجالسات على الأرض بأطفالهن والجالسات على المقاعد الجماعية، ولندع قلة التهوية لتشيع انتشار الأمراض في هذه التجمعات!!

المضمدون والمضمدات

وكانت إحصائية الذين يترددون على المضمد في غيار ومستلزماته.. ۱۳۰ مائة وثلاثون، والذين يكرمون بهم زميله ١٥٠ يتعاطون الدواء عن طريق الحقن «الإبر»، وذلك أيضًا في الدوام الواحد!!

الحل عند وزير الصحة

وإذا كان السيد الدكتور عبد الرزاق العدواني وزير الصحة قد قال لنا معشر الصحفيين في مؤتمر لوزارته يومًا إنه يريد النقد البناء وإنه يفسح صدره لذلك، فإن مجلة «المجتمع» وهي التي أخذت على نفسها هذا العهد منذ إنشائها، لتتجاوب معه، وتنقل له من خلال مرآتها الصادقة هذه الصورة وتضع الحلول المقترحة أمامه ليأخذ ما يرتئيه، طريق التنفيذ، ونحسب أنه قادر على ذلك ونحسب أنه حريص عليه في نفس الوقت.

وصفة الدواء.. بعد تشخيص الداء!!

أولًا: لينطلق قسم الإرشاد والتثقيف الصحي من برجه العاجي ووسائله العتيقة التي لا تتجاوز ملصقات هنا وهناك إلى هذه المنطقة:

1- بآلات السينما وأفلام التثقيف والدعاية الصحية ويقيم فترة من الوقت أسبوعًا أو أكثر، في هذه المنطقة بين سكان العشيش أولًا، التي تعتبر أكبر مصدر للأمراض وأعظم مدد للمراجعين وفي السوق وساحات اللعب، إلخ.

2- وبأطبائه وممرضيه ليدخلوا هذه العشيش والمساكن ويتولون الإرشاد والنصح

ومباشرة التنفيذ.

3- وبعمال الصحة الوقائية ومستخدميها ليقوموا بدورهم الحامي والوقائي.

ثانيًا: ضرورة اعتماد بطاقات التسجيل الصحي في حالات المرض العادية كي يكون الأمر محصورًا ومحدودًا ولا يتكرر ذهاب المريض ومراجعته وليكون الطبيب عالمًا بتطورات حالة المريض، وهو ما تأخذ به الوزارة في جميع المستوصفات تقريبًا.

ثالثًا: ألا يكتفى بالنصـح كلامًا أو إعلانًا، بل تكون مباشرة التنفيذ عمليًا ولو أدى الأمر إلى إنشاء حمامات يتعلم فيها المواطنون كيفية تنظيف أولادهم ويرون الأثر لذلك عيانًا، مما يؤدي بالقطع إلى نتائج طيبة.

رابعًا: لا يكفي في مثل هذه الوحدة طبيب وطبيبة فالأطفال وحدهم في حاجة إلى أكثر من طبيب والوزارة لا يمكن أن تضن على هذه المنطقة وأمثالها برجالها.

خامسًا: أن يوجد ولو طبيب واحد كويتي في هذه الوحدة حتى يكون أقدر في معاملة إخوانه المواطنين هناك بالنصح والحزم.

فقلة الوعي الصحي هي المصدر الأساسي للمشكلة.

 

نموذجية المبنى

وإذا كنا قد أوضحنا حال المبنى وأثاثاته فإن الأمر لا يعدو أن ميزانية الوزارة قد لا تتحمل تجديده، وهنا يلزم فتح باب التبرعات لذلك بين أهل المنطقة، مع العلم بأن مشروع مراكز الضاحية لـم يدرج فيه مبنى للوحدة الصحية خلافًا لنظرائه أما نظافته فهي تحتاج إلى زيادة عدد «الفراشين» فيه ومباشرة الرقابة والتوجيه، حتى تكون وزارة الصحة قدوة ومثلًا ومحاسبة المقصرين ومكافأة الممتازين.

الاستعانة بالمساجد

وفي سبيل الإصلاح لا بد أن يتم التعاون بين الوحدة الصحية والمسجد فيتم التلاقي بين إمام المسجد ومسئول الصحة ليزوده بالمعلومات التي يجب أن يسهم معهم بدوره في دروسه وخطبه.

الهلال الأحمر

ويتم الاتصال بجمعية الهلال الأحمر لينظم متطوعوها أيامًا في الأسبوع أو الشهر أو السنة يقومون بحملاتهم الدعائية العملية في هذه المنطقة.

النادي الصيفي

ويتم التعاون مع وزارة التربية عن طريق النادي الصيفي الذي افتتحته في الجهراء لتأخذ التوعية الصحية طريقها بين رواده وتنظم من النادي حملات تجوب القرية مسهمة في هذا العمل الخير.

 

مجالس العرب

ويتم الاتفاق أيضًا مع المشرفين على برنامج «مجالس العرب» في التليفزيون أن يتضمن الشعر الهادف والحديث الجاد بدلًا من خيالات الحب وشطحات البطولات!! ولدى إدارة التثقيف الصحي بالوزارة المادة التي تشغل كل وقت البرنامج إن أرادوا!!

نادي الشهداء الرياضي

وإذا كان نادي الشهداء الرياضي بالجهراء يعلم يقينًا أن طريق إمداده بالأطفال والرياضيين هو طريق العناية الصحية، فقد وجب عليه الإسهام مع وزارة الصحة ولو عن طريق مجلته التي يصدرها متضمنة أبوابًا كثيرة، إلا باب الصحة!! 

§ وعدت في منتصف النهار من القرية التي خرجت وزير الشئون الاجتماعية والعمل حمد العيار والتي قدمت لمجلس الأمة النائب المسلم النشيط فلاح الحجرف ومحمد الجحص، متمنيًا على الله أن يزوروا الوحدة الصحية المجمعة ببلدهم وأن يلتقوا بالمسئولين في كل ناحية باسطين لهم الأوضاع متعاونين معهم في العلاج، أداء لحق المسئولية التي ألقيت على عاتقهم.

                                                                                   أبو هالة

الرابط المختصر :