; معالم على الطريق.. أمة لن تموت | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. أمة لن تموت

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2003

مشاهدات 66

نشر في العدد 1547

نشر في الصفحة 49

السبت 19-أبريل-2003

نعم، تتعرض الأمة لما يندك منه الجبال، وتنخسف له الشم الرواسي، ولكنها لن تهن ولن تستسلم.

نعم، تعيش الأمة حوادث تتقطع منها القلوب، وتذوب من هولها الأكباد ولكنها لن تياس أو تقنط.

نعم، يلف الأمة سواد قائم وليل بهيم، ولكنها عصية القناة شيمتها البأس.

 نعم، تتكاثر على الأمة السهام، وتثخنها الجراح، ولكنها لن تركع أو تنهار. 

نعم، تتجرع الأمة اليوم الصاب والعلقم، وتبتلع الشوك والحنظل، ولكن لن يرغم لها أنف أو يضعف لها ساعد.

نعم، تزلزل الأمة اليوم الفتن والدواهي، ويسودها الهرج والمرج، ولكنها قادرة - بإذن الله- على كشف الغمة ودفع الضر، ورد الصاع صاعين إن شاء الله.

 نعم، تتعرض الأمة للخيانة والضيم، والسفاهة والظلم، ولكنها ليوث غاب، إذا انتفضت، وخواضة غمرات إذا حميت، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (الشعراء:227).

 نعم، إن أمة ينهاها دينها عن اليأس أو القنوط لمنصورة إن شاء الله، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (يوسف:87)، إذن فليس الياس من أخلاق المسلمين، ولا القنوط من صفاتهم ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (الحجر:56)، أمة إذا انتفضت لا تعرف الخوف أو ترهب العدو، وإن كانت مثخنة بالجراح، وملفعة بالكوارث، 

﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ  إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران: 172-175).

أمة لا تعرف- إذا قامت- الضعف أو الاستكانة، ويصاحبها قرآنها في معاركها وفي صولاتها ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران: 139)  ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (النساء:104)، ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (آل عمران:146).

 أمة بهذا القدر من العزم والقوة النفسية والروحية لا تموت أو تهن، أمة لا ترضى بغير العزة سبيلًا، ولا بغير الريادة بديلًا، عزتها من عزة الله وعزة رسوله ﷺ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (المنافقون:8)، ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا (فاطر: ۱۰)، أمة يتنافى إيمانها مع الذلة والمسكنة، ومع الضعة والخنوع والانكسار والخذلان في الحرب أو السلم ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (الأنفال:16)، وقال ﷺ «من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس منا»، والقوة أجمل ما تكون مع الحق، والضعف أقبح ما يكون أمام الباطل، والثبات أفضل ما يكون في طاعة الله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (إبراهيم:27).

يعرف المؤمن الحق أن السنن لا تحابي أحدًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، وأنه لابد أن يستفيد من الدروس، ويأخذ العبرة من الحوادث، وأنه لابد من فرز وتمحيص ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا (آل عمران: ١٤١)، وأن جنود النصر ورجال الفوز شيء، وغثاء الكسالى وحطام العمالات شيء آخر، لابد أن يظهر للعيان، وتنجلي عنهم المواقف ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (آل عمران:۱۷۹) لابد أن تخرج من الحريق لبنات صلبة متينة تتحمل الضغوط الشديدة والأثقال العظيمة ولا يذيبها الماء أو تذريها الرياح، وحتى لا يحسب الناس أن كل ورم شحم وأن كل جبان فارس مقدام، ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (العنكبوت:2-3). 

نعم، ينظر البعض إلى المحن على أنها عواصف تهشم وتحطم وتقضي على كل مظاهر الحياة. ولم لا، وهم يرون حصون الأمة تتهاوى من الظلم والفساد والقتل والاستعباد، ويرون الغزاة يسرحون ويمرحون ويرفعون ويخفضون ويعزون ويذلون، ولكن هذا– وللحقيقة- يحمل في طياته مخايل النصر وإرهاصات الحركة والحياة إن هذا العملاق الإسلامي الذي أريد له أن يستسلم ويخنع، والذي نام حتى مل النوم، وتقرح جنباه، لن تحركه إلا الحوادث الجسام والنوائب العظام، كلنا يشاهد قوة البخار التي يولدها الماء الذي يغلي على النار فيرفع غطاء الغلاية هذه الظاهرة هي هي نفسها التي ستحرك هذا العملاق ليكبح جماح المعتدين المستبيحين للأمة، ومن ثم فإنني أعتقد أن هذه القوة إذا أمكن استخدامها بإحكام ونظام، فإنها كافية الدفع الة ضخمة تحمل الركاب والبضائع مثل القطارات هذا- في الحقيقة- هو منطق السنن والحوادث، ومنطق الإسلام نفسه الذي كان يرى أن الحوادث هي التي تدفع إلى التفكير في الخلاص ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ (البقرة: ٢٤٦).

نعم، قد يكون القول واهنًا في بادئ الأمر، ولكنه لا يلبث أن يكون أول العاصفة ومقدمة الفيضان ولابد للمكبوت من غليان ولابد لليل من فجر وإصباح، وأمتنا قد نهضت بعد غفوات عدة، وأزالت عن كاهلها العظيم فقاقيع واهنة، وعن وجهها الصبيح خونة وعملاء، وأنجاسًا وأركاسًا لا حصر لهم وما وهنت وما استكانت بل صابرت وصبرت وأفلحت وفازت وفرحت بعد حزن، وانتصرت بعد يأس، ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (يوسف:110).

ولكن للحقيقة أمام أمتنا الكثير الكثير حتى تزال هذه الأصنام والأبالسة، وينقشع هبل. وينهدم ود وسواع، ويغوث ويعوق ونسر، وإنه لقريب إن شاء الله ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف:21)

الرابط المختصر :