العنوان تــونــــس: ثورة الياسمين في ربيعها الخامس.. هل ما زالت تراوح مكانها؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الاثنين 01-فبراير-2016
مشاهدات 78
نشر في العدد 2092
نشر في الصفحة 38
الاثنين 01-فبراير-2016
يأتي شهر يناير كل عام محملاً بذكريات جميلة لكل الحالمين إلى الحرية، والتواقين إلى العدل والمساواة الاجتماعية، ذكريات قريبة منا جميعاً، عشناها وتعايشناها، وتفاعلنا معها في أكثر من بلد، ومنها تونس التي تعد مفجرة ثورات «الربيع العربي» التي انتقلت شرارتها بعد ذلك في أكثر من بلد آخر، ما زالت تداعياتها وارتداداتها لم يعرف لها قرار بعد.
ففي الذكرى الخامسة لثورة الحرية والكرامة التي انطلقت شرارتها الأولى عقب إقدام الشاب البوعزيزي على حرق نفسه في ديسمبر 2010م بسبب مشكلة اجتماعية اقتصادية، والتي توجت بفرار الطاغية «بن علي» في 14 يناير 2011م.. تعيش تونس فترة حرجة من تاريخها، حيث عادت الاحتجاجات إلى واجهة الأحداث بصورة توحي باستعادة الحالة الثورية مرة أخرى، وذلك على إثر انتحار الشاب رضا اليحياوي في منتصف يناير الماضي؛ احتجاجاً على حذف اسمه من قائمة المرشحين للعمل في حادثة تذكِّر بما حدث في نهاية عام 2010م مع البوعزيزي، وكأن الأيام تستنسخ أحداثها.
والآن بعد مرور 5 سنوات يحار المرء في الإجابة عن هذا السؤال بصورة واضحة: يا ترى هل ما تشهده تونس الآن ربيع خامس حقاً، أم أنه شتاء محمل بالعواصف والأعاصير؟
الياسمين.. والربيع العربي
مقارنة سريعة بين ثورة الياسمين وما تبعتها من ثورات في بلدان عربية أخرى، ربما تأتي في صالح الأولى من ناحية التوافق السياسي الكبير بين فرقاء وأخلاط متباينة الأيديولوجية والمنطلقات الفكرية وربما العقدية، لكنهم نجحوا فيما خسر فيه آخرون ربما كانت فرصتهم في التوافق أكبر؛ كانت الفوارق بينهم ضيقة، لكنهم وقعوا فريسة التجاذبات والتناحرات التي استغلها أعداء الثورة؛ فأعادوهم إلى ما قبل نقطة البداية، والحديث هنا منصبٌّ على مصر (التي كانت ثورتها في يناير أيضاً)، وليبيا بصورة كبيرة، أما الثورة السورية واليمنية فلهما شأن وظروف أخرى.
ربما يدل على ما أشرنا إليه سابقاً في تونس ذلك الحدث الدولي الكبير المتمثل في جائزة «نوبل للسلام» التي حازها الرباعي الراعي للحوار في تونس، والذي أثمرت جهوده هذه الحالة من التعايش والتوافق المعلنين – على الأقل - سياسياً ودستورياً.
أيضاً لا يخفى على أي مراقب للوضع التونسي بعض المكاسب الخاصة بالحريات العامة، المتمثلة في إطلاق حرية الرأي والتعبير، وعودة النشاط للمجتمع المدني، والتخلص من الدولة البوليسية، وكتابة دستور يجمع بين الحداثة والجذور التاريخية، إضافة لتحقيق التبادل السلمي للسلطة.
ولكن لا يمكن الاطمئنان الكبير لما سبق؛ فالوضع السياسي الآن في تونس يبدو أنه متجه إلى تغيرات دراماتيكية نتيجة الانشقاقات في حزب «نداء تونس» المسيطر على الحكومة بعد تصدره للانتخابات التشريعية الأخيرة؛ حيث استقال منه ربع أعضائه في البرلمان تقريباً.
الوجه الآخر
لكن على الجانب الآخر، هل حققت الثورة التونسية ما كان يصبو إليه الناس الذين خرجوا في ديسمبر 2010 ويناير 2011م، وما حرق من أجله بوعزيزي نفسه في 17 ديسمبر 2010م؟
أظن أن نظرة سريعة على باقي مكونات الحياة التونسية تدل على أن ذلك ما زال دونه طريق طويل على التونسيين قطعه حتى يجنوا ثمرة الدماء التي أريقت.
فالحريات السياسية التي حدثت وحرية التعبير التي أطلقت جاءت في عامها الخامس بأحد رموز النظام القديم ومكنته من الحكم، بصورة ديمقراطية وشرعية لا يستطيع أحد التشكيك فيها أو معارضتها!
بين إخوان مصر وإخوان تونس
ربما يغري الحديث السابق عن التوافق بين التونسيين البعض إلى مقارنته بالوضع المصري، من خلال المقارنة بين النواتين الصلبتين المؤثرتين في كل منهما، وهما الإخوان المسلمون في مصر، وربيبتهم «حركة النهضة التونسية»؛ ولكن تعقيدات الوضع في البلدين جعلت هؤلاء المقارنين يتجهون اتجاهين متعاكسين.
ففي الوقت الذي يرى فيه بعضهم أن حكمة إخوان تونس فاقت حكمة آبائهم التنظيميين (إخوان مصر) في تجنيب البلاد ويلات الدماء والحروب، وأنهم استطاعوا الحفاظ –بحنكتهم - على العملية الديمقراطية والمسار السياسي، وتجنبوا ببراعة الصدام مع الدولة العميقة وأذرعها الأمنية.. يذهب آخرون إلى أن ما حدث في تونس هو تمكين للنظام القديم الذي ثار عليه الناس ومن أجله أريقت الدماء بصورة شرعية، لا يستطيع أحد الاعتراض عليها أو المطالبة برحيل النظام؛ لأنه جاء بإرادة شعبية حرة، ويرون أن المواجهة بين الثورة والثورة المضادة لم تنتهِ بعد، لكنها مؤجلة وقابلة للانفجار في أي وقت.
ويرى هؤلاء أن ما حدث في مصر ربما يكون علاجاً جذرياً للأزمة من خلال فتح كل الجروح معاً لتضميدها، والنفاذ إلى أصل الداء بصورة مباشرة؛ حتى يتم الشفاء الذي لا يغادر سقماً في مفاصل الدولة، حتى وإن كان الألم كبيراً.
الوضع الاقتصادي والأمني
يُعد الملفان الاقتصادي والأمني المؤشرين الرئيسين على اقتراب أي نظام سياسي من خط الاستقرار أو ابتعاده عنها؛ ذلكم أنهما يمسان عموم الناس؛ فالفقير الكادح ربما لن يجدي معه كثيراً الانفتاح السياسي والحرية الكبيرة إذا لم يجد ما يسد به رمق أولاده، أو إذا لم يشعر بالأمن على نفسه وأهل بيته في غدوته وروحته.
والمراقب للوضع التونسي سيجد فجوة لا تضلها عين منصفة بين الوضع السياسي وما حدث فيه من تقدم في الحريات العامة وتداول السلطة من جهة، والوضعين الاقتصادي والأمني من جهة ثانية.
فعلى الصعيد الاقتصادي، يبدو المأزق الكبير الذي عليه الاقتصاد التونسي بعد 5 سنوات من ثورة اجتماعية وشعبية كانت ترنو إلى الرفاه الاجتماعي والاقتصادي؛ فلغة الأرقام ومؤشرات الاقتصاديين التي لا تخضع لوجهات النظر في التحليل تؤشر إلى تراجع النمو مع نهاية السنة الماضية إلى حدود 0.5%، بعد أن كانت خلال حكم الترويكا 2.5%، في حين كانت في آخر العهد السابق 5%؛ وهو ما أثر بدوره على الاستثمار الداخلي والخارجي والبطالة والديون والأسعار.
أما على الصعيد الأمني، فلم تغب عن الذاكرة بعد ما حدث خلال هذا العام فقط من تفجير متحف «باردو» المحاذي للبرلمان؛ وهو ما خلف عشرات القتلى والجرحى، وتم احتجاز 200 سائح، ثم تبع ذلك بثلاثة أشهر تقريباً العملية التي استهدفت فندقاً سياحياً في مدينة سوسة، والتي قتل فيها 28 شخصاً وجرح 26 آخرون، معظمهم بريطانيون.
وبعد هذه التطوافة السريعة في ذاكرة 5 أعوام من ثورة الياسمين، يظل السؤال معلقاً بانتظار ما سيسفر عنه قابل الأيام: هل هو ربيع خامس، أم شتاء عاصف، أم خريف انتقالي بينهما؟>