; ماذا بعد أن سارت منظمة التحرير في طريق «التسوية»؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا بعد أن سارت منظمة التحرير في طريق «التسوية»؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1985

مشاهدات 85

نشر في العدد 705

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 19-فبراير-1985

● الولايات المتحدة تشترط على منظمة التحرير أن تعترف «بإسرائيل» حتى يسمح لها بالمشاركة في المفاوضات.

في غمرة نشاط سياسي فلسطيني وأردني وعربي مكثف وبعد زيارات ولقاءات واجتماعات ومباحثات مطولة ومتعددة الأطراف أعلن في عمان عن اتفاق تم التوصل إليه بين رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وبين الملك الأردني «على صيغة التحرك الأردني الفلسطيني المشترك لتحقيق التسوية السلمية العادلة للقضية الفلسطينية»، كما نشرت ذلك وكالة الأنباء الأردنية «بترا» ولم تشر الوكالة إلى تفصيلات عن الاتفاق الذي أرسل على الفور إلى واشنطن حيث يتباحث الملك فهد مع الرئيس الأمريكي ريغان.

ولكن صحيفة الواشنطن بوست نشرت على لسان مصادر أمريكية ما أسمته بالنقاط الخمس التي تضمنها اتفاق حسين - عرفات و يمكن إجمالها فيما يلي:

-الأرض مقابل السلام.

-حق الفلسطينيين في تقرير المصير ضمن كونفدرالية أردنية فلسطينية.

-حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين طبقًا لقرارات الأمم المتحدة.

-حل مسألة القضية الفلسطينية من جميع جوانبها.

-متابعة المباحثات تحت مظلة مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط يتضمن مشاركة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والأعضاء الثلاثة الدائمين في مجلس الأمن الدولي إلى جانب جميع أطراف النزاع.

أما عرفات في مقابلة له مع الإذاعة الأردنية فقد اكتفى بالقول إن التحرك الأردني الفلسطيني المشترك يقوم على «أساس الشرعية الدولية التي تمثلها قرارات الأمم المتحدة والتي تنُص بوضوح على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإن أي عملية لتحقيق السلام العادل والشامل يجب أن تتم من خلال المؤتمر الدولي للسلام الذي يشارك فيه الشعب الفلسطيني كطرف أساسي ممثلًا بمنظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي والدول المعنية بقضية السلام في الشرق الأوسط».

ويبدو أن الاتفاق المبدئي الذي جاء بعد اجتماع دام أربع ساعات بين الوفدين الأردني والفلسطيني والذي أرسل إلى واشنطن على عجل قبل إقراره من قِبَل المؤسسات الفلسطينية الرسمية، وقبل الإعلان بصراحة عن كامل نصوصه، هذا الاتفاق جاء بعد إلحاح شديد من بعض الأطراف العربية ليكون ورقة ضغط في يدها تطرحها أمام المسئولين الأمريكان الذين يصرون على ضرورة اتفاق الفلسطينيين مع الأردنيين على طريق واحد. وعلى ضرورة تخلي الفلسطينيين عن «الإرهاب» أي الكفاح المسلح لتحرير وطنهم، وأن يعلنوا عن اعترافهم «بحق إسرائيل في الوجود».

ويبدو أن الاتفاق الذي تسربت بعض بنوده لا يبتعد كثيرًا عن مبادرة الملك حسين التي طرحها أمام المجلس الوطني الذي عُقد مؤخرًا في عمان ولعل نقاط الخلاف التي جرى عليها الجدل فيما يتعلق بمبادرة الملك حسين في موضوع القرار ٢٤٢ الذي اعتبر قاعدة للمبادرة الأردنية وهذا القرار لم ينُص على حق تقرير المصير بالنسبة للشعب الفلسطيني ولم يتضمن إنشاء دولة فلسطينية مستقلة ولم يشر إلى منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

وموضوع آخر جرى الاختلاف عليه يتعلق بالوفد المفاوض، هل يكون وفدًا أردنيًا يتضمن فلسطينيين كما يقترح الطرف الأردني، وكما تريد الولايات المتحدة؟ أم يكون وفدًا أردنيًا فلسطينيًا بحيث يكون للمنظمة حضورها الرسمي الفاعل كما يقترح الطرف الفلسطيني؟

ويبدو أن بعض الأطراف العربية المتعاطفة مع منظمة التحرير تبنت رأي الطرف الفلسطيني، ولكن التشدد الأمريكي بهذا الصدد جعلها تنصح منظمة التحرير بإعادة النظر في هذا الأمر وضرورة الوصول إلى اتفاق مع الأردن بهذا الصدد وإلا أفلتت فرصة الوصول إلى تسوية.

أما الطرف الأردني فقد خيَّر الطرف الفلسطيني بين أن يتحركا معًا بموجب المبادرة الأردنية، وبين أن يسير كل في الطريق الذي يراه مناسبًا، وهنا شعرت منظمة التحرير بحراجة الموقف فالباب السوري أصبح مغلقًا تمامًا في وجه المنظمة والباب الأردني مفتوح بشروطه الخاصة، والأبواب العربية الأخرى ترى ضرورة أن يلج الفلسطينيون باب الأردن وإلا...

وذهب خالد الحسن -أحد قادة فتح- إلى عمان وسأل: هل يوافق الأردن على تعديل القرار ٢٤٢ بإضافة بند ينُص على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، كقاعدة دولية معترف بها؟ فأجاب المسئولون الأردنيون بأنهم لا يمانعون في ذلك، بل يطالبون به، ولكن الأمر ليس في يد الأردن أو العرب، إنه قرار دولي وبعد أن تتحرر الأرض فإن الأردن مستعد لأن يجيب على كل التساؤلات الفلسطينية، والأردن يرى أن كل ذلك يحتاج في النهاية إلى موقف عربي موحد وإلى تحرك أوروبي وإلى دفع سوفيتي.

وفيما كان الخلاف محتدمًا بين وجهتي النظر الأردنية والفلسطينية حول: 

● النص على الدولة الفلسطينية المستقلة كما ترى المنظمة أو النص على الاتحاد الكونفدرالي كما يرى الأردن.

● النص على وفد عربي مشترك كما ترى المنظمة أم وفد أردني فلسطيني مشترك كما يرى الأردن.

في هذا الوقت جاءت رسالة من واشنطن تفيد بأن الوفد عاجز عن مطالبة ريغان بشيء محدد في ظل الخلاف الأردني - الفلسطيني فأعلن الطرفان المتحاورات في عمان عن اتفاقهما يوم 11/2/1985 وأرسلاه على الفور إلى واشنطن.

ويبدو أن هناك نصًا في الاتفاق لم تشر إليه الصحيفة الأمريكية وهو: 

● يعلن الطرفان قبولهما بجميع قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والصراع العربي - الإسرائيلي مع التأكيد على الالتزام بعودة جميع الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس.

ومن الجدير بالذكر أن عرفات أثناء حصار بيروت وقّع على وثيقة تتضمن القبول بجميع قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية وهذا يعني ضمنًا قبول القرار ٢٤٢ ولكنه يربطه بقرارات أخرى ربما تعارضت معه في بعض الأحيان. ومن السابق لأوانه معرفة ما توصل إليه الوفد مع الوفد الأمريكي بهذا الشأن، ولكن من المؤكد أن الوفد وجد في الاتفاق الأردني - الفلسطيني شيئًا يقوله للأمريكان، ودعمًا لموقفه إلا أن ريغان الممثل العجوز المتصلب صديق اليهود وصف اتفاق عمان بأنه «خطوة أولى نحو المفاوضات واشترط الاعتراف «بإسرائيل» أولًا قبل إشراك أي ممثلين بالمفاوضات». وهو بالطبع يعني أن تعترف منظمة التحرير بالكيان اليهودي في فلسطين مقدمًا حتى يسمح لها بالمشاركة في المفاوضات. 

وأعلن الناطق بلسان الخارجية الأمريكية لاري سبيكس «أن ظهور أي نيات لتسوية الصراع في الشرق الأوسط تسوية سلمية سوف يكون خطوة إيجابية، ولكن من المهم أن تستمر جهود التسوية على مائدة المفاوضات المباشرة على أساس قرار 242».

أما الملك حسين فقد توجه إلى الجزائر بعد يوم واحد من إعلان البيت الأبيض أن الرئيس الجزائري سيقوم بزيارة رسمية لواشنطن في ١٧ أبريل «نيسان» المُقبل يجتمع خلالها بالرئيس ریغان لبحث قضايا ثنائية بالإضافة إلى بحث الوضع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. 

وهكذا تدور رحى «التسوية» بسرعة مذهلة وهنا تثور مجموعة من التساؤلات: 

-هل يستطيع عرفات ومن معه أن يقتحموا مائدة «التسوية» وأن يجدوا لهم مكانًا مؤثرًا فيها بعد أن استطاعوا الإفلات «بجلدهم» من مجزرة محققة في طرابلس لبنان؟ وحين تعجز منظمة التحرير عن أن تكون «رقمًا صعبًا» في معادلة التسوية هل تقبل بأن تكون رقمًا سهلًا لينًا طبعًا يقبل الترويض؟ وإذا افترضنا ذلك جدلًا فهل يحصل الفلسطينيون على «الأرض مقابل السلام»؟ بل هنالك تساؤل أكثر تساهلًا هل يحصل العرب وبالتحديد الأردن على الأرض مقابل السلام؟ وهل المقصود بالأرض في الضفة والقطاع أم الضفة فقط بما في ذلك القدس الشريف؟ وبعد ذلك: ما هو مصير بقية فلسطين التي قامت منظمة التحرير أصلًا ومنظمة فتح تحديدًا من أجل تحريرها من البحر إلى النهر؟ هل توقع المنظمة بقيادة فتح صك التنازل عن بقية فلسطين إلى اليهود؟ وهل تملك هي هذا الحق باعتبارها «ممثلًا شرعيًا وحيدًا» للشعب الفلسطيني؟ وهل يكون ممثلًا شرعيًا لشعب فلسطين من يتنازل عن حق الشعب الفلسطيني في كل وطنه فلسطين؟ 

حين يجلس طرفان للتفاوض فلا بد أن يتنازل الطرفان ليصلا إلى اتفاق. فهل يتنازل اللصوص اليهود عما سرقوه من فلسطين -كل فلسطين- لصالح المسروقين من شعب فلسطين بمحض اختيارهم ودون أن يشعروا بأن وجودهم مهدد بالفناء أو الهزيمة المحققة؟ وهل تلوح هزيمة اليهود في الأفق حتى يتنازلوا لمن يجلسون معهم على طاولة المفاوضات عن أرض احتلوها، كل الأرض، كل فلسطين؟ أم أن «الصُلح» لدى الطرف العربي الرسمي أصبح غاية في حد ذاته حتى ولو لم تنسحب «إسرائيل» من الضفة والقطاع باعتبار أن الصُلح يضع حدًا لاحتلال مزيد من الأرض العربية حسب منطق البعض؟

إننا نطرح هذه التساؤلات للتاريخ، ونقول لكل الراغبين في السلام: إن الإسلام ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم إلا لتحقيق السلام على الأرض وبين بني البشر، ورغم علم اليهود قديمًا أن محمدًا رسول من عند الله إلا أنهم حاولوا قتله فكان تحقيق السلام في المدينة بإجلاء اليهود. واليوم لن يتحقق السلام في فلسطين وفي كل ديار العرب ما دام لليهود في فلسطين وجود سياسي عنصري استيطاني توسعي مبني على عقيدة زائفة من طرفهم وعقيدة حقة ولكنها غائبة من طرفنا، فهل نبحث عن هويتنا من خلال عقيدتنا فنعرف طريق العزة وطريق السلام؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي» ولعل المجاهدين في جنوب لبنان عرفوا الطريق وساروا فيه. فهل نقتدي؟ 

الرابط المختصر :