; معركة الجنرالات مع بوش.. بسبب حرب العراق | مجلة المجتمع

العنوان معركة الجنرالات مع بوش.. بسبب حرب العراق

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2007

مشاهدات 68

نشر في العدد 1757

نشر في الصفحة 26

السبت 23-يونيو-2007

  • قادة الجيش الأمريكي: فيتنام والعراق وجهان لعملة واحدة.. وتأخير الانسحاب يزيد قتلانا.

  • الجنرال بول إيتون: الرئيس يأخذ جنودنا رهينة لغروره.

  • مدير العمليات الأسبق في هيئة الأركان المشتركة: التزام القوات الأمريكية بهذه الحرب تم باستبداد واستقواء من أولئك الذين يعملون في نطاق «السلطة الخاصة».

  • الجنرال «جون باتيست»: حرص بوش العنيد على «إستراتيجية فاشلة» في العراق أمر لا يمكن فهمه.

  • مديرة الاتصالات بشبكة الأمن القومي: استخدام بوش للفيتو إهمال صارخ للشعب الأمريكي.

     توالي اعترافات بوش ووزير دفاعه وكبار القادة العسكريين بأنهم «لا يكسبون الحرب» أو أن التغلب على المقاومة يتطلب (١٠) سنوات أخرى، فتح الباب أمام مسؤولين برلمانيين وعسكريين للحديث صراحة عن ضرورة الانسحاب من العراق، ووقف المغامرات العسكرية الأمريكية في الخارج، ووصل الأمر إلى حد تأييد العسكريين أنفسهم لمطالب الكونجرس برفض تمويل الحرب في العراق، بعد تحجج الرئيس بوش بأنه استخدم الفيتو ضد قرار الكونجرس ليحمي العسكريين.

       ومع الوقت تحول الأمر إلى ما يشبه معركة بوش والجنرالات حسبما رصدت العديد من مراكز الأبحاث الأمريكية.

       وأبرز ما كتب في هذا الصدد دراسة كتبها «مايكل ديش» Michael C. Desch عضو «منظمة شبكة الأمن القومي» المعنية بشؤون الأمن القومي الأمريكي في دورية «فورين أفيرز» أو «الشؤون الدولية» الأمريكية Foreign Affairs في عددها الأخير (مايو/يونيو ۲۰۰۷م) والتي تتحدث بوضوح عن تنسيق مفقود بين بوش وجنرالات أمريكا، واتهامات من كبار الجنرالات لبوش بعدم الاهتمام بأمن جيشه أو كرامة بلاده واهتمامه بصورته الشخصية لو سحب قواته الخاسرة من العراق، وما قد يقال عن هزيمته.

       بل بدأ العديد من كبار القادة العسكريين في واشنطن التعبير عن غضبهم بسبب استمرار الحرب، وبسبب استخدام الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش لحق النقض «الفيتو» ضد مشروع قانون الإنفاق العسكري الذي قدمه الديمقراطيون في الكونجرس، والذي يقضي بالبدء في سحب القوات الأمريكية من العراق في أكتوبر من العام الحالي كشرط لتمويل القوات الأمريكية.

     وقبل التطرق لتفاصيل تقرير فورين أفيرز نشير إلى أن منظمة شبكة الأمن القومي الأمريكية أصدرت بيانًا يؤكد أن قيادات عسكرية أمريكية اعتبرت أن الرئيس بهذا الفيتو قد حكم على الأمريكيين بتكرار تاريخ مرعب من خلال تكرار تجربة حرب فيتنام، وأوردت آراء معارضة للحرب بين الجنرالات.

     وتبرز أهمية هذا البيان كون منظمة شبكة الأمن القومي معنية بإحياء سياسة الأمن القومي الأمريكية، وتطوير الحلول الخاصة بسياسات الأمن القومي الأمريكي.

جنرالات غاضبون

     ويقول الفريق المتقاعد «روبرت جارد»: «إن الموقف الحالي للرئيس بوش يذكرنا بما حدث في مارس ١٩٦٨م في فيتنام عندما اعترف وزير الدفاع والرئيس في ذلك الوقت بعدم إمكانية الانتصار في الحرب، وهو ما اعترف به القادة العسكريون في العراق، لكن الرئيس الأمريكي جونسون -كي لا يوصم بخسارة الحرب- أمر بزيادة القوات بـ(٢٥) ألف جندي رغم مقتل (٢٤) ألف جندي في العمليات، وبعد خمس سنوات عندما اكتمل انسحاب القوات الأمريكية من فيتنام كنا قد فقدنا (٢٤) ألف قتيل آخرين في الحرب». 

      أيضاً قال العميد المتقاعد جون جونز: «منذ حوالي (٥) سنوات وثق الكونجرس في الرئيس بدرجة تكفي لإعطائه صلاحية تحويل النظام في العراق، لكن بوش انتهك هذه الثقة وخدعنا بإساءة استخدام القوة»، وأضاف جونز «لقد انتهك الرئيس بوش اليوم ثقة الشعب الأمريكي وقواتنا وعائلاتهم باعتراضه على مشروع القانون، وعدم اختيار القيام بهذا لقد خذلنا».

     أما الجنرال المتقاعد «ميل مونتانو» فعقب على قول بوش إن خطاب الكونجرس «لا يدعم قواتنا»، بأنه مجرد كلام تافه وأضاف أن «فيتو الرئيس» (برفض الانسحاب) هو الذي يعد عدم مساندة حقيقية لقواتنا، والاعتراض على هذا القانون يبعث برسالة لقواتنا بأن الرئيس سوف يقوم بتمويلهم، لكنه ليس «معنيًا بعودتهم إلى عائلاتهم».

ولخصت «مويرا ويلان»: مديرة الاتصالات في شبكة الأمن القومي المشكلة بقولها إن الرئيس يتصرف بمفرده ولا يسمع للجنرالات قائله: «إننا نسمع يوميًا من قادة عسكريين يشعرون بخيبة الأمل والغضب من أفعال الرئيس، ومن الواضح أن القائد الأعلى «الرئيس بوش» لا يستمع إلى الجنرالات، ووصفت استخدام بوش للفيتو بأنه الإهمال الأخير والصارخ للشعب الأمريكي، ولمجموعة دراسة العراق وللرجال والنساء الذين يرأسون قواتنا العسكرية مشددة على أن الرئيس بوش يسير في الاتجاه الخطاء».

     والأكثر لفتًا للأنظار أن بيان «شبكة الأمن القومي» الذي صدر في مايو الماضي تضمن آراء اثنين من كبار القيادات العسكرية التي ترأست القوات في العراق عبرا عن غضبهما، بعد قيام الرئيس باستخدام حق الفيتو الذي يرفض تحديد جدول زمني للانسحاب من العراق. 

      حيث وصف الجنرال المتقاعد «جون باتيست» استخدام الرئيس حق الفيتو بأنه «ضد قواتنا وضد الشعب الأمريكي»، وقال: «إن التزامه العنيد بإستراتيجية فاشلة في العراق أمر لا يمكن فهمه»، فيما قال الجنرال المتقاعد بول إيتون إن هذه الإدارة والمجلس التشريعي السابق الذي سيطر عليه الجمهوريون هما أكثر العوامل التي استهزأت بالقوات المسلحة الأمريكية في تاريخها، وأضاف «أن الرئيس يأخذ جنودنا رهينة لغروره، إن الجيش وقوات المارينز (يقفون) في الحرب وحدهم من دون دعم الرئيس».

     ثورة البركان القادمة: وتكشف الدراسة التي نشرتها دورية «فورين أفيرز» الأمريكية في عدد (مايو- يونيو) عمق الخلافات بين قادة الجيش وإدارة بوش، وتأثيراتها مستقبلاً علي الجيش الأمريكي.

     وتبرز أهمية الدراسة من أن كاتبها «مايكل ديش» هو رئيس مكتب وزير الدفاع الأمريكي «روبرت جيتس» لشؤون المخابرات واتخاذ القرار في مجلس الأمن القومي بولاية تكساس ومؤلف كتاب «سيطرة المدنيين على العسكريين»، الذي يرصد أيضًا غضب العسكريين من مدنيي إدارة بوش.

     تؤكد الدراسة أن الصدع بين الجيش الأمريكي والقادة المدنيين لم يبدأ مع جورج بوش، ولكنه تعمق معها، وأن تدخل إدارته في الشؤون الحربية وصرفها النظر عن الخبرة العسكرية للجنرالات جعل الأمر أسوأ. 

     وتشير إلى أن العلاقة بين الجيش الأمريكي والمدنيين في إدارة بوش تدهورت بشكل لافت منذ بداية حرب العراق؛ حيث كشف استطلاع أجرته «ميليتاري تايمز» في ٢٠٠٦م أن حوالي (٦٠%) من العاملين في إدارة بوش المدنية «لم يجعلوا مصلحة هؤلاء الجنود في قلب اهتماماتهم».

      إلا أن التوترات في العلاقات المدنية العسكرية تصاعدت في العراق، فالمستنقع هناك كشف، وببساطة عن الصدع الذي كان موجودًا لعقود منذ حرب فيتنام، ففي فيتنام بدأ عدد من الضباط العسكريون يعتقدون بأن طاعتهم الحتمية وغير القابلة للجدل للقادة المدنيين هي التي ساهمت بالكارثة المفاجئة، وبأن على القادة العسكريين الكبار في المستقبل عدم الإذعان لكل أوامر الحكام المدنيين في واشنطن وقيادتهم إلى خطأ إستراتيجي فادح كما يحدث في العراق حاليًا.

     وعندما تدهور الوضع في العراق بعد سقوط بغداد، وتصاعدت المقاومة؛ احتدم التوتر مرة أخرى، ونادى جنرالات متقاعدون باستقالة رامسفيلد، وزاد القلق بين هيئة الأركان المشتركة بشأن معلومات تسربت حول خطط بوش لاستخدام الأسلحة النووية في هجوم استباقي ضد البنية التحتية النووية الإيرانية، حتى أن بعضًا منهم هدد بالاستقالة احتجاجًا على ذلك.

المدنيون يورطون العسكريين

     ويلفت التقرير الأمريكي الأنظار إلى تجربة فيتنام كمثال على رضوخ العسكريين الأوامر المدنيين في الإدارة الأمريكية ما أدى إلى الهزيمة، وكيف أن هذا النموذج يتكرر في العراق، ويثير غضبًا أكبر للقادة العسكريين، حيث يشير إلى أن القيادة العسكرية العليا كانت غير متحمسة بشأن الالتزام بإرسال قوات برية أمريكية إلى جنوب شرق آسيا، وحتى بعدما قام المسؤولون المدنيون بإقناعهم بأن المصالح الوطنية الحيوية لأمريكا كانت على المحك، كان لديهم تحفظات جدية حول إستراتيجيات واشنطن بالنسبة للحروب البرية والجوية.

       وبحلول صيف ١٩٦٧م، وصل تبرم واستياء قادة الجيش الأمريكي إلى مستوى أكبر بحيث درست هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الاستقالة ككل، لكنهم لم يفعلوا، ويتذكر وزير الخارجية الأسبق كولن باول أنه خلال حرب فيتنام فشل الجيش في التحدث مباشرة إلى من هم أعلى منه من المسؤولين السياسيين وإلى نفسه.

       بعبارة أخرى كانت التجربة الفيتنامية «قنبلة زمنية موقوتة» تنتظر الوقت فقط لتفجر العلاقات المدنية العسكرية، ولكن الحرب الباردة فقط هي التي منعتها؛ حيث كان هناك اتفاق متبادل في ذلك الوقت بأن مهمة الجيش الرئيسة كانت الاستعداد لحرب تقليدية في أوروبا مع حلف وارسو، وأعطى القادة المدنيون الجيش مجالاً كبيراً لتحديد كيفية القيام بذلك.

      وعندما جاء الرئيس بيل كلينتون -كأول رئيس بعد انتهاء الحرب البادرة عمليًا- زادت أيضًا العلاقات بينه وبين الجيش سوءًا؛ لأنه قلص الموازنة العسكرية، ثم جاء نشره للقوات الأمريكية بشكل متعجل في الصومال، وهاييتي، والبوسنة ونقاط مضطربة عالمية أخرى، ليجعل الأزمة أكثر سوءًا.

      وقد توقع كثيرون أن يؤدي انتخاب بوش عام ٢٠٠٠م إلى عصر ذهبي من الوئام والتعاون المدني العسكري، خاصة أن بوش قام بحملة سياسية للحصول على أصوات العسكريين مع وعد بأن المساعدة آتية وذلك بعد ثماني سنوات من الإهمال المفترض لآراء قادة الجيش.

     إلا أن بوش دخل البيت الأبيض أيضًا مع أجندة سياسة دفاعية طموحة لم تؤد سوى إلى جعل الصراع المدني العسكري أمرًا حتميًا، وعجل بالصدام وزير دفاعه رامسفيلد الذي ضحي به بوش لاحقًا ليرضي العسكريين.

      وقد فرضت هجمات 11 سبتمبر ٢٠٠١م والمراحل الأولى للحـرب على ما يسمى «الإرهاب» هدنة مؤقتة بين رامسفيلد والقيادة العسكرية العليا، لكن ما إن أوضحت إدارة بوش أنها كانت تعتبر العراق الجبهة المقبلة «للحرب على ما يسمي الإرهاب» -وهي رؤية لم يتفق معها معظم العسكريين المهنيين- حتى خرقت هذه الهدنة، وزاد غضب الجيش تجاهل مسؤولي الإدارة وبعجرفة المتطلبات الجيش الأساسية التي وضع تقديراتها الجنرال إيريك شينسيكي رئيس هيئة الأركان في الجيش.

      وعندما بدأت مشكلات عمليات ما بعد الحرب، أدت أصابع الاتهام والاتهامات المتبادلة بين الجنرالات المتقاعدين والقادة المدنيين في إدارة بوش إلى إبراز التصدعات في العلاقات المدنية العسكرية إلى الواجهة حتى إنه الفريق غريغوري نيوبولد مدير العمليات الأسبق في هيئة الأركان المشتركة كتب مقالة لاذعة في مجلة التايم، يقول فيها: «إن التزام القوات الأمريكية بهذه الحرب قد تم بعفوية واستبداد واستقواء من قبل أولئك الذين يعملون في نطاق السلطة الخاصة».

تحفظات على ضرب إيران

      أهمية تقرير فورين أفيرز تكمن في کشفه بالتفصيل معركة الجيش مع السياسيين الأمريكيين لتوريطه في حروب خاسرة، وكيف أن تحفظات الجيش على قرارات السياسيين لا تزال تمثل عقبة كبيرة أمام طموح بوش وإدارته في شن حرب على إيران لدرجة حصول تهديدات. بالاستقالة بين أفراد هيئة الأركان المشتركة في حالة الإصرار على ضرب إيران ما عرقل هذه الخطط ضد إيران وأوقف خطط استخدام أسلحة نووية ضد المواقع النووية الإيرانية.

      أما الأهم فهو أن بركان غضب العسكريين الأمريكيين على بوش يقترب بسبب إصراره على مواصلة الحرب رغم خسارتها، لمجرد الحفاظ على ماء الوجه، وكي لا يقال إنه خسر الحرب.

اقرأ نص الدراسة:

http://www.foreignaffairs.org/20070501faessay86309-p10/michaelc-desch/bush-and-the-generals.html

الرابط المختصر :