العنوان الشرعية الباطلة لحزب البعث
الكاتب ماجد العامري
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2000
مشاهدات 60
نشر في العدد 1411
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 01-أغسطس-2000
من أشد ما يدهش المثقفين الأحرار في العالم العربي ما يسمعون من تصريحات رسمية وتحليلات سياسية، تتناول الحزب الحاكم في كل من سورية والعراق، وتجعل منه الجهة الشرعية للشعب في هذين البلدين، فقرارات مؤتمراته شرع ملزم للشعب، وقيادته هي صاحبة الحق الوحيد في السيطرة على البلاد والتحكم في شؤونها، كأن هذا الحزب يمثل أمرًا إلهيا أو إرادة شعبية، استمدها من إجماع الشعب على توليته وقيادته.
ولو أن الحزب احتكم في عمره مرة واحدة لشعبه، وأجمع الشعب على انتخاب رجالاته في انتخابات حرة نزيهة بعيدة عن التزوير والإكراه قلنا: إنه حقًا الحزب الشرعي الذي ارتضاه الشعب.
أما أن يأتي الحزب إلى السلطة بانقلاب عسكري، ليكون غطاء لحكم شمولي فردي عسكري، يئد الحريات، ويكسر الأقلام ويقطع الألسنة، ويكمم الأفواه ويلقي الرعب في نفوس الناس، ثم يعلن أنه الحزب الوحيد الذي يمثل الشعب، وإذا وجدت أحزاب أخرى إلى جانبه, كالتي تسمى بالجبهة الوطنية التقدمية، فهي تحت قيادته، وتحت أمره، لا تملك من الأمر شيئًا، فإن هذا كله يعني شيئًا واحدًا، لا مجال للجدال فيه هو أنه حزب مغتصب للسلطة، مزور لإرادة شعب لا يملك من الشرعية شيئًا.
إن نظرة متأنية فاحصة للتاريخ، واستعراض للأسباب والعوامل التي دفعت بذلك الحزب إلى استلام السلطة في هذين البلدين، بل إلى استلابها على الأصح تثبت أنه حزب لا يملك شيئًا من الشرعية البتة، لأنه جاء إلى الحكم على دبابة في ظروف اكتنفتها عوامل ومؤثرات كثيرة لا مجال لبسطها في هذه العجالة، وهي معروفة لجميع من عاصر هذا الحزب منذ نشأته حتى يوم.
منها في سورية ما زرعه أكرم الحوراني من فتن وأحقاد بين ريف حماة وحاضرها باسم حزبه «العربي الاشتراكي»، ثم سعيه لضم حزبه إلى حزب ميشيل عفلق «حزب البعث العربي» تحت اسم «حزب البعث العربي الاشتراكي»، ومابث بعد ذلك بين صفوف ضباط الجيش من فتن وفساد وتآمر على الحكم الديمقراطي المدني.
ومنها الدعم الذي تلقاه من جمال عبد الناصر يوم جلب إلى المنطقة العربية «أيديولوجية» غريبة عن عقيدة الأمة وتراثها وهويتها هي «الاشتراكية» رفع لواءها وفرضها على الشعب العربي في مصر وسورية، فحطمت اقتصاد البلدين، وأخرت تقدمهما سنين طويلة، وأذاقتهما ألوانًا من جحيم الحكم الفردي الشمولي، لا يزالان يتجرعان غصصها إلى اليوم ولم يجد عبد الناصر من يصفق له ويؤيده في دعوته هذه سواهم، ولا سيما أيام الوحدة.
ولما حدث الانفصال بين سورية ومصر، وكان من أكبر المصائب التي نزلت بعبد الناصر، أوحى إلى الضباط الناصريين في الجيش أن يتعاونوا مع الضباط البعثيين لاسترداد سورية بانقلاب عسكري، وتم هذا الانقلاب بأيد ناصرية، إذ كانت الغلبة فيه للضباط الناصريين، وللتمويه اختير صلاح البيطار «البعث»، ليكون رئيسًا لوزراء سورية، ومنذ ذلك الحين بدأ البعثيون يعملون على التخلص من الضباط الناصريين واحدًا إثر واحد، فيلجأ هؤلاء إلى مصر، وقد حدثني غير واحد من هؤلاء بهذه الحقيقة واستتب الأمر للبعثيين في سورية بقوة الجيش لا بإرادة الشعب، وحكم الحزب بقيادة أمين الحافظ، ونشطت الطائفية في الحزب، وكان هناك صراع بينها وبين أمين الحافظ تغلب فيه جناح صلاح جديد الذي انتهى من خصمه ليلتف إلى خصمه من طائفته، فكانت الغلبة في النهاية لحافظ الأسد.
وهكذا انقلب الحزب إلى كتل من ضباط الجيش الذين انغمسوا في الطائفية إلى آذانهم، وحكموا البلاد حكمًا عسكريًا فرديًا تحت مظلة البعث العربي الاشتراكي الذي غلب فيه التكتل الطائفي.
وفر مؤسس الحزب الأول ميشيل عفلق إلى العراق، وكذلك أمين الحافظ، وعاش أكرم الحوراني بقية عمره متنقلًا في بلاد أوروبا، ووقعت الواقعة بين الحزب في العراق والحزب في سورية، وحكمت سورية حكمًا شموليًا مدة ثلاثين سنة، كما تسلم عرش العراق الحاكم العسكري الفرد صدام حسين، وكل ذلك باسم حزب «البعث العربي الاشتراكي».
ويذكر المثقفون الذين عاصروا هذه الأحداث أن هذا الحزب لم يكن له شعبية أيام الحكم الديمقراطي، وعدد نوابه في البرلمان السوري كان محدودًا جدًا، وكبير زعمائهم صلاح البيطار ما كان ينجح في الانتخابات إلا بشق الأنفس، وفي الدورة الثانية «البالوتاج» في كل دورة برلمانية رشح فيها نفسه للانتخابات، ذلك أن الشعب كان معرضًا عنهم، شاكًا فيما استحدثوه من دعوة قومية علمانية تناهض الإسلام وتدعو إلى عروبة أبي جهل وأبي لهب، حتى إن أحدهم سمى ابنه «لهب»، ليكنى بأبي لهب.
هذه قصة الحزب باختصار ما كان ليصل إلى ما وصل إليه من سلطة إلا بالاغتصاب والإكراه ووأد الحريات العامة، ومن هنا كان فاقدًا للشرعية التي يتذرع بها الحكام المتسلطون، الذين جعلوا منه مجمعًا لعدد من المنتفعين المصفقين، لا رأي له ولا وجود، وباسمه يحكم الحاكم الفرد، موهمًا الناس أنه يستمد شرعيته من الحزب الحاكم الذي لا شرعية له في الأصل، شأنه في ذلك شأن مجلس الشعب الذي يصطنعه الحاكم الفرد وينفذ عن طريقه ما يريد وبالإجماع.
ومن هنا تبدو مقولة القائلين: إن من يرشحه الحزب لمنصب رئيس الجمهورية هو وحده صاحب الحجة في هذا الترشيح، وأن عضوية الحزب شرط في شخص رئيس الجمهورية وغيره من أصحاب المناصب العليا في الدولة تبدو هذه المقولة لا أساس لها من الشرعية، لأن الحزب الذي تستند إليه هذه المقولة لا أساس له من الشرعية، وينتج عن هذا كله أن النظام الحاكم غير شرعي، ولا يكسبه الشرعية إلا عودة إلى الشعب في استفتاء حر نزيه، يتم في جو نقي من الحرية والتعددية والتمثيل الصحيح وليس على شاكلة المهازل الانتخابية التي تتم بين حين وآخر.