العنوان كيف صارت القاديانية أقليَّه غير إسلاميَة في باكستان؟
الكاتب البروفيسور عبد الغفور أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1975
مشاهدات 68
نشر في العدد 235
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 04-فبراير-1975
كيف صارت القاديانية أقليَّه غير إسلاميَة في باكستان؟
وفي غمرة من الشعور بالقوة شنوا هجومًا على الطلبة المسلمين وضربوهم بكل همجية وقساوة. وذلك في الوقت الذي كان هؤلاء الطلبة مروا في القطار بمحطة مدينة ربوة.
والسبب والوحيد للهجوم القادياني على الطلبة ليس إلا أن هؤلاء الطلبة كانوا مروا بنفس المحطة قبل الهجوم بأسبوع فأطلقوا فيها الهتافات الإسلامية التي تضمنت الإيمان بعقيدة ختم النبوة وتكذيب كل عقيدة تخالفها.
وما إن بلغ المسلمون خبر هذا الحادث ثارت ثورتهم، وقاموا متكاتفين متضامنين يطالبون السلطات بمعاقبة الأفراد الذين اشتركوا في هذه الجريمة وأعلنوا عدم لجوئهم إلى الهدوء ما دامت القاديانية لا تعتبر نحلة هدامة غير مسلمة.
وفي شهر مايو عام ١٩٧٤م حينما حدث هذا الحادث كان البرلمان المركزي الباكستاني في جلسته الدورية فطلب جميع أعضاء الأحزاب المعارضة في البرلمان تأجيل المواضيع المدرجة في جدول الأعمال، وتناول هذا الحادث بالبحث والنقاش لكونه أمرًا مستعجلًا في غاية من الأهمية. ولكن قائد البرلمان المستر بوتو وعد أعضاء البرلمان بطرح هذا الموضوع في البرلمان بعد تقرير ميزانية الدولة بدون تأخير.
وهكذا؛ إن البرلمان الباكستاني بدأ بدراسة المسألة القاديانية من ٣٠ يونيو عام ١٩٧٤م. وفي أول يوم من البحث تقدم سبعة وثلاثون من أعضاء البرلمان بقرار يقول:
- نظرًا للواقع الذي لا ينكره أحد هو أن الميرزا غلام أحمد القادياني ادعى النبوة مع أن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- هو آخر الأنبياء ولا نبي بعده.
- ونظرًا لأنه بادعائه الكاذب، ومحاولاته في تحريف الآيات القرآنية وإبطاله حكم الجهاد قد خالف أحكام الإسلام مخالفة صريحة.
- ونظرًا لأنه صنيعة الاستعمار ومهمته تحطيم الوحدة الإسلامية.
- ونظرًا لأن الأمة الإسلامية بكاملها مجمعة على أن أتباعه سواء أكان الذين يؤمنون به نبيًّا، أو يؤمنون به زعيمًا دينيًّا أو مصلحًا خارجون عن الإسلام.
- ونظرًا لأن أتباعه على اختلاف أقسامهم وأسمائهم قائمون بالأعمال الهدامة في داخل باكستان وخارجها. مع أنهم يعدون أنفسهم طائفة من المسلمين ويعاشرونهم لتضليلهم ولتغطية التخريب القادياني.
- ونظرًا لأن مؤتمر المنظمات الإسلامية الذي مثل مسلمي العالم، وعقد في مكة المكرمة من ٦ نيسان لغاية ١٠ نيسان عام ١٩٧٤ تحت إشراف رابطة العالم الإسلامي. والذي ضم مائة وأربعين وفدًا من الوفود الإسلامية أصدر هذا المؤتمر قرارًا إجماعيًّا يقضي بأن القاديانية نحلة هدامة تستهدف تدمير الإسلام والمسلمين.
ونظرًا لكل ذلك يجب على البرلمان أن يعلن أن أتباع الميرزا غلام أحمد القادياني، مهما كانت أسماؤهم، ليسوا بمسلمين أبدًا. وأن يطالب بوضع لائحة قانونية رسميًّا تجعل هذا الإعلان ساري المفعول في البلاد بعد إدخال التعديلات اللازمة على الدستور تمنح القاديانيين حقوقهم المشروعة كأقلية غير مسلمة في جمهورية باكستان الإسلامية.
وبجانب المعارضة تقدم الحزب الحاكم أيضًا بقرار آخر طلب فيه البدء في البحث في هذا الموضوع لأجل تحديد المكانة القانونية للذين لا يؤمنون بكون محمد- صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين. وطرح كلا القرارين في البرلمان وقرر النقاش حوله بصورة سرية.
واقترن طرح القرارين في البرلمان بازدياد النشاط القادياني. ويقال: إنهم بذلوا أموالًا طائلة لكسب أعضاء البرلمان إلى جانبهم، كما أنهم نظموا حملة شديدة في أنحاء البلاد بصفة عامة، وبين أعضاء البرلمان بصفة خاصة لإقناع الرأي العام بموقفهم، كما أن القاديانيين بدأوا بالدعاية العنيفة ضد باكستان على الصعيد العالمي، من خلال بعض الإذاعات، وأجهزة التلفزيون، والصحافة المأجورة حيث اختلقوا افتراءات كاذبة بأن «المجانين من أدعياء الدين ذبحوا آلافًا من رجال القاديانية، ونهبوا ممتلكاتهم التي تبلغ قيمتها الملايين من الدولارات، أو دمروها، وحرقوها» إن هذه الدعاية لم يكن لها أساس من الصحة أبدًا، وكان القصد من ورائها ممارسة الضغط على باكستان وعلم أن هناك عدة دول أجنبية وجهت فعلًا رجاءها إلى حكومة باكستان أن لا تخطو هي الأخرى أية خطوة تمس بالقاديانيين.
هذا هو الوضع الذي بدأ البرلمان عمله في هذا الشأن.
وكما تعلمون أن أتباع الميرزا غلام أحمد ينقسمون إلى قسمين: قسم يعرف بجماعة القاديانية ومركزها في ربوة، ورئيسها الحالي الميرزا ناصر أحمد: المدعي غلام أحمد، والقسم الثاني معروف بجماعة اللاهورية، ومركزها في لاهور، ورئيسها الحالي صدر الدين. وتلقى رئيس البرلمان رسائل من رئيسي الفئتين طلبا فيها إتاحة الفرصة لهما لكي يحضرا البرلمان ويعرضا عليه مرئياتهما، وطلبا كذلك أن يسمح لهما بيان موقفهما كتابيًّا أمام البرلمان. وقد وافق البرلمان بالإجماع على طلب الرئيسين.
وأتاح البرلمان لهما مدة كافية لإيضاح موقفهما بكل بسط. إذ قدمت جماعة القاديانية بيانًا مسببًا مركزًا يحتوي على مائتي صفحة من القطع الكبيرة، كما أن جماعة اللاهورية قدمت أيضًا بيانها الذي يبلغ مائة صفحة من القطع الكبيرة وأرفقت بالبيانين كتب مطبوعة كالملاحق بلغت اثني عشر كتابًا. وقدم لكل عضو من أعضاء البرلمان نسخة من البيان مرفقة بالملاحق للدراسة والتأمل.
وبعد هذا وذاك أتاح البرلمان لرئيس جماعة اللاهورية صدر الدين تلبية لرغبته إلقاء الخطاب أمام البرلمان، كما أتيح لكل منهما بموجب رغبتهما أن يصحبا معهما في البرلمان جماعة من أهل العلم والخبرة عندهم ليساعدوهما في البحث والنقاش.
وهكذا فإن كلًا منهما شرح موقفه في البرلمان مستعينًا بخبرائه.
كما أفسحت لأعضاء البرلمان الفرصة لمدة عشرة أيام ليتمكنوا من دراسة المواد المعروضة بدقة وإمعان، كما سمح لهم توجيه الأسئلة إلى كل من رئيس القاديانية ورئيس اللاهورية لاستيضاح أمر من الأمور عند اللزوم وقد وجهت فعلًا من أعضاء البرلمان طائفة كبيرة من الأسئلة إلى رئيس القاديانية ورئيس اللاهورية.
فاستدعى الميرزا ناصر أحمد یرافقه الخبراء للرد على أسئلة الأعضاء.
ووفرت له لإعداد الردود كل التسهيلات وكلما أراد القيام بالرد على سؤال من الأسئلة أفسح له المجال بدون تردد أو إحجام، كما خير له تقديم أي رد من الردود كتابيًا. ولم يفرض عليه موعد محدد لأجل الردود. بل قدر ما طلب من الوقت أتيح له، كما أتيح له في النهاية أن يتقدم إلى البرلمان بالمزيد من الإيضاح إن أراد، أو بالمزيد من المواد إن شاء.
وتبعه المستر صدر الدين بنفس الطريقة فاستدعى إلى البرلمان صحبه جماعة من الخبراء لكي يقوم بالرد على أسئلة الأعضاء، ووفرت له أيضًا نفس التسهيلات التي وفرت للميرزا ناصر أحد.
ومن الجدير بالذكر أن معظم أعضاء البرلمان لم يكونوا يعرفون عن القاديانية إلا شيئًا يسيرًا قبل هذا النقاش، ويبدوا أن العديد منهم كانوا متأثرين بالدعاية القاديانية. إلا أن المواد والوثائق التي تقدم بها القاديانيون أنفسهم، والردود التي قام بها الميرزا ناصر أحمد والمستر صدر الدين فتحت عيونهم وأعاد وعيهم إلى الصواب. وتوصل البرلمان إلى أن هاتين الفئتين من القاديانية واللاهورية ليس بينهما فرق يذكر،
كما صرح الميرزا ناصر أحمد بأن المسلمين الذين يؤمنون بمحمد- صلى الله عليه وسلم- لا يؤمنون بالميرزا غلام أحمد كفار بموجب عقيدته وقال المستر صدر الدين: إن الميرزا غلام أحمد بموجب عقيدته كان مسيحًا موعودًا، كما أن الأخير اعترف أمام البرلمان بأن الميرزا غلام أحمد أبطل الجهاد، وكذلك اعترف الميرزا ناصر أحمد بأن لهم مركزًا في إسرائيل. وقال: إنه حينما يزور البلدان الأخرى يحب سفراء إسرائيل فيها مقابلته.. وهكذا فإن البرلمان قد تأكد من ألسنة زعماء القاديانية أنهم يعتبرون جميع المسلمين من غير القاديانيين كفارًا.
واصل البرلمان ليله بنهاره لدراسة المسألة القاديانية لمدة ثلاثين يومًا كاملًا خرج منه في نهاية المطاف في السابع من سبتمبر بقرار تاريخي عظيم وافق بموجبه على لائحة اقتضت إدخال تعديلين هامين على دستور جمهورية باكستان الإسلامية وهما كما يلي:
الأول: اعتبار أتباع الميرزا غلام أحمد سواء أكانوا من فئة القاديانية أن من فئة اللاهورية أقلية غير إسلامية بموجب الدستور.
والثاني: أضيف إلى دستور باكستان مادة صرحت بأن أي رجل لا يؤمن بالنبوة المطلقة لمحمد- صلى الله عليه وسلم- وعلى أنه آخر الرسل ليس بمسلم.
وهذه المادة الجديدة «رقم ٢٦٠- ٣» تنص على ما ترجمتها باللغة العربية كما يلي:
«إن أي شخص لا يؤمن بالنبوة المطلقة لمحمد- عليه أفضل الصلاة والتسليم- وعلى أنه آخر الرسل، وأن أي شخص يدعي النبوة في أي معنى أو شكل للنبوة، وبأي تفسير لكلمة النبوة، وأن من يؤمن بادعاء أي مدع للنبوة، أو يعتبره مجددًا دينيًّا يكون غير مسلم بموجب الدستور والقانون.
وكذلك قرر البرلمان المركزي جماعيًّا بأن أي مسلم إذا اعتنق عقيدة تخالف عقيدة ختم النبوة المطلقة لمحمد- صلى الله عليه وسلم- ويعمل بها، أو يقوم بالدعوة إليها يستلزم العقوبة بموجب القوانين الجنائية لدولة باكستان.
وكذلك قرر البرلمان بتسجيل القاديانيين غير مسلمين في قوائم الناخبين والوثائق الرسمية الأخرى كالجوازات والتصاريح وما إلى ذلك.
وكذلك تضمن القرار المزيد من التأكيد على وجوب حماية أرواح جميع المواطنين، وحرياتهم وأموالهم، وحرماتهم، وحقوقهم الأساسية بغض النظر عن أية طائفة أو ديانة ينتمون إليها.
إن القرارات المذكورة آنفًا أصدرها البرلمان الوطني الذي انتخب من أصوات المواطنين بطريقة مباشرة وإن هذه القرارات صدرت بغاية من الحياد، وبعد إجراء دراسات طويلة دقيقة للأوضاع، وبعد اتخاذ القاديانيين بيان موقفهم بكل بسط وحرية ليس لرجل فيه مسكة من العقل من أي بلد من البلدان يكون وعلى القاديانيين كذلك أن يقتنعوا بأنهم لم يظلموا ولم يغمط حقهم أبدًا. وعلى رغم ما يمارسون من النشاطات المعادية للإسلام والوطن يعطي لهم دستور باكستان الضمان بحماية حقوقهم الأساسية وصيانة ممتلكاتهم وأرواحهم وحرياتهم.
وقد أبدی مسلمو باكستان ارتياحهم الكبير نحو هذا القرار، كما أنهم لم يتأخروا في حفظ أرواح القاديانيين بغاية من السماحة وسعة الصدر، مراعين حقوقهم كأقلية غير مسلمة؛ حيث لم يحدث في أنحاء باكستان حادث غير مرغوب فيه بعد هذا التاريخ. ولكن الذي دفع المسلمين إلى الاستغراب أن الميرزا ناصر أحمد هو الأخير أبدی سخطه الشديد تجاه القرار بل صرح في إحدى خطبه التي ألقاها قبيل صلاة الجمعة بأن القاديانيين يرفضون الاعتراف بقرار البرلمان الباكستاني.
وقال مهددًا: إن هذا الدستور المعدل يمكن إلغاؤه، كما ألغيت الدساتير السابقة. وقال رفعًا لمعنويات القديانيين: إنه سوف يزف إليهم الأنباء التي تسرهم في شهر يناير أو فبراير القادم.
إن القاديانيين يواصلون حملات دعائية في خارج باكستان، وبلغنا من مصادر موثوقة أنهم فتحوا الصناديق الخاصة لهذا الغرض تبرع لها القاديانيون وأصدقاؤهم من اليهود بأموال طائلة، كما أنهم اشتروا المواعيد من الإذاعات والتلفزيون في أمريكا وبعض الدول الأخرى، وينشرون الإعلانات في الصحف الأجنبية المختلفة بشكل بارز ينقدون فيها باكستان والدول الصديقة لها وخاصة المملكة العربية السعودية.
ومما لا يرتاب فيه أحد أن الحركة القاديانية هي خطر كبير على الإسلام والمسلمين والأمر الذي يزيد خطورتها هو أنهم لا يعرفون بسهولة إذ إنهم يتظاهرون بلباس الإسلام، وبعد أن جعلتهم الحكومة أقلية غير مسلمة ازدادوا في العداء والانتقام من المسلمين فيجب على المسلمين أن يجابهوا هذا الخطر بكامل الوحدة والتكاتف والتساند وإن رابطة العالم الإسلامي التي تقوم بخدمات نافعة للمسلمين تستطيع أن تزود المسلمين في العالم بالمزيد من التوجيهات والإرشادات في هذا الصدد.
ويشرفني أن أتقدم بطائفة من الاقتراحات للدراسة والتأمل وهي كما يلي:
ا- إن التعديلات الدستورية التي أجراها البرلمان الباكستاني بخصوص القاديانية يجب أن تترجم إلى مختلف اللغات، وتوزع على سائر العالم الإسلامي بنطاق واسع، ويوجه النداء إلى الدول الإسلامية لاتخاذ نفس الخطوات بصدد القاديانية.
۲- يجب إعداد قائمة شاملة بكتب القاديانية ومطبوعاتها وجرائدها ومجلاتها ونشراتها وتنشر على أوسع النطاق في العالم، وترسل إلي المنظمات الإسلامية في العالم صور عكسية لأهم كتب القاديانية ومطبوعاتها لتطلع عليها المنظمات الإسلامية وبالتالي تستطيع منع انتشارها بين المسلمين.
٣- إعداد جماعة من أهل العلم والخبرة لتتجول في بلاد أمريكا وأوروبا وإفريقية لإلقاء المحاضرات المركزة حول القاديانية وأخطارها ودسائسها. وعلى هذه الجماعة أن تفتح الحوار مع زعماء القاديانية لكشف زيفها وضلالها وخبثها أمام الجماهير المسلمة.
٤- إعداد الفهارس لما للقاديانيين من مراكز وبعثات ومعابد ومستشفيات ومدارس في أنحاء العالم لإطلاع المسلمين عليها أو تفاديًا منها.
5- إعداد الفهارس للشخصيات القاديانية البارزة والتعريف بها للمسلمين حتى لا تتمكن تلك الشخصيات بعد ذلك من احتلال المناصب الهامة في الدول الإسلامية.
٦- إصدار مجلة بمختلف اللغات الرئيسية تختص بدحض القاديانية وقمعها. ومن المعلوم أن هناك عددًا كبيرًا من أتباع القاديانية أصبحوا يرجعون إلى الإسلام فتنشر في تلك المجلة المعلومات والبيانات عن الذين تابوا عن القاديانية ورجعوا إلى الإسلام، لأن هذا الأمر يشجع الذين ينوون ترك هذه النحلة وقبول الإسلام من جديد.
٧- يجب تنشيط المراكز الإسلامية في المناطق التي يمارس فيها القاديانيون نشاطاتهم.
٨- تجمع المعلومات عن النشاطات القاديانية في مختلف أنحاء العالم وتعلن بين المسلمين.
٩- يجب أن تشكل الرابطة لجنة مهمتها مراقبة النشاطات القاديانية في العالم ودراسة أساليبها الماكرة وطرق عملها ووضع اقتراحات لإحباط مفعول النشاطات القاديانية في حينها، وحيثما تنشأ المشاكل في صدد قمع القاديانية ترفع تلك المشاكل إلى اللجنة للدراسة واتخاذ ما يلزم.
الرابط المختصر :