العنوان المجتمع الثقافي: العدد 1086
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1994
مشاهدات 99
نشر في العدد 1086
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 01-فبراير-1994
ومضة
كثيرة هي الأهوال، لكن أشدها وقعًا على النفس الإنسانية مصيبة الموت التي لا يملك أحد تأخيرها أو تقديمها بل يقف عاجزًا مستسلمًا أمام صرامة القدر، وقضائه المحتوم، مهما جمع من الأموال، أو حاز على المناصب أو بلغ في سلم الأمجاد وخير ما يفيده الإنسان من هذه المصيبة هو العبرة حيث لا تجدي الدموع، ولا تعوض عنها مرارة الأسى ولا حرقة القلوب.
أما الميت فقد أفضى إلى ما قدم. إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
وأما ردة الفعل إزاء المصيبة، فتتسع فيها دائرة المجاملة، ثم تضيق من دونها دائرة الأحزان... وتضيق.. وتضيق حتى تبلغ ذروتها عندما تنحصر في الأبوين المفجوعين، وهنا يكون الحزن حقيقة، واللوعة تكاد تقطع قلبيهما وتذيب كبديهما أسى وحسرة.
لو استطاع هذا الأب وتلك الأم أن يتذكرا عشرات الموتى اللذين ربما كانا- كلاهما أو أحدهما- سببًا في إزهاق أرواحهم لعرفا طعم المرارة، وأحسا بحرقة القلب التي اعتملت في قلوب آباء أولئك الموتى وأمهاتهم، وهم يدفنون أبناءهم في صمت، ولكانت عبرتهما أبلغ إن أرادا أن يستفيدا من الماضي القريب لمستقبل أفضل إن قدر لهما الاستمرار.
د. أحمد شلبي بالدوحة:
القرآن الكريم تحدى العرب وغير العرب
الدوحة- من حسن على دبا
بدعوة من وزارة الإعلام والثقافة القطرية ألقى د. أحمد شلبي أستاذ ورئيس قسم التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم- جامعة القاهرة محاضرة بعنوان: دراسات جديدة عن الإعجاز القرآني، أكد فيها على أن للإعجاز القرآني جانبين: الجانب البلاغي الذي بهر الفصحاء وأعجزهم وجعلهم يعترفون بأن هذا الكلام ليس من قول البشر، حيث نزل في وقت وصل الصراع فيه إلى قمته بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، وكان القرآن ينزل في عصر هو أرقى عصور العرب في ميدان الفصاحة والبلاغة، وهو عصر حافل بفرسان البيان ورجال الخطابة حتى أصبحت القصائد معلقات في الكعبة دليلًا على تقديرها واعترافًا بسبق أصحابها. لقد نزل القرآن بالميدان، وتحدى هؤلاء جميعًا أن يأتوا بمثله:
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88) وأضاف: بل اتجه القرآن إلى مزيد من التحدي فلم يطلب أن يأتوا بمثل القرآن بل طلب أن يأتوا بعشر سور فقط.. وكحيلة العاجز في مواجهة كان لجوؤهم إلى السيف.
أما الجانب الآخر فقد ذكر د. أحمد شلبي أنه خطير ويشمل ما جاء به الإسلام للمجتمع البشرى في مجال السياسة والاقتصاد والتربية والتعليم والعلاقات الدولية والحياة الاجتماعية وحقوق المرأة والميراث وشئون الأسرى وغير ذلك.
لقد أقحم هذا الجانب المفكرين العرب وغير العرب فكيف لمحمد الأمي أن يبتكر في حقبة قصيرة من الزمن ألوانًا من التشريعات.
قيمة الألفاظ في التعبير القرآني
مما لا شك فيه أن للإعجاز البلاغي في القرآن مظاهر كثيرة وفروعًا متعددة لها جذور يرد إليها كل فرع ومظهر، وبيان ذلك أن مرد البلاغة الكلامية إلى الدقة في مطابقة اللفظ للمعنى ومدى القدرة على تسخير الأول لتجلية الثاني وعرضه في المظهر المطلوب وإنما أهم أسباب ذلك يتسارع إلى الذهن عامة ألفاظ اللغة ومترادفاتها بحيث يتكامل تصور المعنى في الجانب الآخر منه، فبمقدار ما يتم التطابق الدقيق بين المعنى القائم في الذهن واللفظ الدال عليه والمصور له يوصف الكلام باللغة والبيان فكل لفظة قرآنية لها دلالتها الخاصة بها.
ففي قوله تعالى: «لا يسخر قوم من قوم ......ولا نساء.......»
لعلك تظن للوهلة الأولى أن كلمة رجال أو ذكور وكلمة إناث تقوم مقام قوم ونساء على أنها مترادفات، ولكن هيهات أن تستقيم الدلالة وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا﴾ (الحجرات: 11) لا نستطيع أن نستبدل بها «تعيبوا» وهي مرادفة لها، فاللمز غير العيب فلقد يكون اللمز إشارة خفية أو إيماءة أو نظرة وهذا ما لا تحمل كلمة «تعيبوا» التي تكون باللسان.
وهكذا نجد روعة البلاغة القرآنية في الألفاظ وتناسقها وتناسبها تناسق الدرر في العقد النظيم بل لله الكمال.
إصدارات
عبدالله سليمان العتيقي
جمعية الإصلاح الاجتماعي ودورها في المجتمع وتحرير الكويت
جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت صرح شامخ أخذ رجالها على عاتقهم مكافحة الرذيلة ومقاومة الآفات الاجتماعية والعادات الضارة والمحرمات ومن ثم إرشاد الشباب إلى طريق الحق والاستقامة وملء أوقات الفراغ بالمفيد النافع وتقديم المناهج الصالحة في مجالات التربية والتعليم والإعلام وغيرها بما يعود بالخير على الصالح العام وفقًا للتشريع الإسلامي، والسعي لإيجاد الحلول الناجعة للمعضلات التي تواجه مجتمعنا الإسلامي، والاهتمام بأمر الدين والدعوة إليه وبث الأخلاق الفاضلة بين الأفراد من أجل الحفاظ على كيان المجتمع ومقوماته.
وفي الوقت نفسه تشجيع أعمال البر والخير ومناصرة الحق والعدل في ظل المثل الإسلامية والحرص الشديد على جمع الأمة على مبادئ الإسلام ودعوتها للأخذ به عقيدة ومنهجًا وسلوكًا.
هذه المبادئ وغيرها من الإنجازات الرائعة والتشكيلات الإدارية والفروع واللجان تضمنها كتاب «جمعية الإصلاح الاجتماعي- ودورها في المجتمع وتحرير الكويت»، وقد أفاض المؤلف الفاضل في شرح الأهداف وذكر التفاصيل ومن أولى منه بذلك فهو مدير الجمعية وأمينها العام والأعرف بمسيرتها المباركة والأجدر بالكتابة عن يومياتها الخيرة وتسجيل تاريخها العطر بما قدمته للمجتمع أفرادًا أو مؤسسات من طيب النصح وكريم العطاء، والدعوة إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة.
تناول الكتاب ستة فصول...
*تناول الفصل الأول: تأسيس جمعية الإصلاح وأهدافها والهيكل الإداري وأتى على ذكر أعضاء مجلس الإدارة المتعاقبين منذ التأسيس وحتى اليوم.
*أما الفصل الثاني فاهتم بتوضيح أهم ما تحقق من أهداف الجمعية في مجالات مكافحة الرذيلة، والإرشاد الى طريق الحق عن طريق الأنشطة المختلفة وتقديم المناهج الصالحة للجهات المختصة على شكل مشروعات ومذكرات....
*وفي الفصل الثالث: تحدث الكاتب عن موقف جمعية الإصلاح من الاحتلال البعثي العراقي حيث تشكلت في الداخل لجان التكافل وشاركت في أعمال جمعية الهلال الأحمر الكويتي وفي خارج الكويت كانت جمعية الإصلاح تنشط من خلال الهيئة العالمية للتضامن مع الكويت والمؤتمرات الطلابية التي عقدت لمناصرة القضية الكويتية.
*وتناول الفصل الرابع أهم الأعمال والنشاطات التي قامت بها جمعية الإصلاح الاجتماعي بعد التحرير مثل حفل تكريم الهيئات الشعبية العاملة في الداخل والخارج للقضية الكويتية أثناء الاحتلال تحت شعار ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: 7) وتكريم فريق الإطفاء كما أن الجمعية رفعت شعار: «بالإسلام حفظ الـله الكويت وبه نبنيها».
*في الفصل الخامس تسجيل لبعض البيانات والمقالات والبرقيات الهامة أصدرتها الجمعية مثل كلمة إلى عقلاء الكويت «المجتمع» 12/۱۰/1971م، بيان حول ندوة الجمعية في 13/۱۱/1971 وبيان حول حوادث التفجير وإدانة اختطاف الجابرية، برقية تهنئة بمناسب افتتاح إذاعة القرآن الكريم في الكويت- كلمة رئيس الجمعية نيابة عن رؤساء جمعيات النفع العام أمام أمير البلاد للتضامن مع الدولة قبيل الغزو الغاشم بيان لمناصرة البوسنة والهرسك، وبيان حول اتفاق غزة- أريحا.
*وتناول الفصل السادس نماذج من شهداء جمعية الإصلاح الاجتماعي مـن جراء العدوان العراقي على الكويت وفي الختام صور إصدارات الجمعية.
أخيرًا فإن كتاب «جمعية الإصلاح الاجتماعي ودورها في المجتمع وتحرير الكويت» كتاب تاريخي وثائقي يطالع القارئ فيه أعمال وعطاءات الجمعية خلال سنوات عمرها المديد.
فضيحة وزير.. أم فضيحة ثقافة؟! (1من2)
أ.د: حلمي محمد القاعود
ما زالت العاصفة التي هبت بعد استجواب وزير الثقافة المصري في مجلس الشعب شديدة وعاتية، لا تهدف إلى الدفاع عن الوزير فحسب، بل تهدف إلى اقتلاع الإسلام من جذوره، والتنكيل بالفكر الإسلامي وتصوراته، وإرهاب كل من يتصدى للفكر العلماني أو اليساري أو الانتهازي الذي يحكم الساحة الثقافية.. وينفث فيها سمومه، ويزرع فيها عوامل الجدب والخواء والإحباط.
كان النائب المستقل «جلال غريب»- ويقال إنه كان يساريًا في بعض مراحل حياته- قد تقدم باستجوابه الثاني للوزير القائم على شئون الثقافة، وتناول الاستجواب مجموعة من القضايا التي يجمع عليها كثير من أصحاب الرأي ويرفضها أصحاب الهوى... ويمكن تلخيص هذه القضايا في النقاط التالية:
۱- تتعمد وزارة الثقافة هدم القيم الدينية والخلقية.
2- يعتمد وزير الثقافة على مجموعة من المحيطين به لتحقيق ذلك.
3- يقوم الوزير باسترضاء الصحفيين ويخصص لهم مرتبات شهرية وسفريات إلىالخارج لكسب ودهم وعدم مهاجمته.
4- هناك تقرير ثقافي شهری نصفه هجوم على الأزهر بدعوى أنه يقف ضد الإبداعالفكري.
5- مجلات وزارة الثقافة تقود اتجاهًا تغريبيًا وتنشر صورًا عارية وكلامًا خليعًا لا يليق بمجتمع مسلم.
6- يكذب الوزير بالنسبة للآثار المصرية المسروقة، وقد امتدت السرقة إلى المتحفالمصري حيث سرقت ۱۲۹ قطعة أثرية.
7- أخفى الوزير الأموال التي جمعت لترميم الآثار المصرية بعد الزلزال.
8- في مهرجان المسرح لهذا العام عرضت مسرحية عن «الشذوذ الجنسي» «صحف القاهرة ١٢/٢٦/ ١٩٩٣م».
هذا ملخص شديد للغاية للنقاط التيأثارها العضو المستقل. وقام الوزير بالرد عليها نافيًا كل ما ورد فيها، وقال إننا ننصاع لرأى الأزهر، وإن أصر على فصل الثقافة عن الدين. ثم انتقل المجلس لجدول الأعمال.. وانتهى الاستجواب كأن لم يكن!!
إلى هنا والأمر يبدو عاديًا، فكم من استجوابات قدمت ثم انتقل المجلس إلى جدول الأعمال، لأن أغلبية المجلس الساحقة من أنصار الحكومة وأتباعها، ومن الصعب أن يؤخذ أي استجواب مأخذًا جديًا في مجلس نیابي شکلي!.
ولكن الأمر لم ينتهِ، فقد استنفر الاستجواب ميليشيات الوزير في الصحف وأجهزة الإعلام، وأطلقت الميليشيات نيرانها في كل الاتجاهات منطلقة من قاعدة تقول إن الاستجواب «إرهاب» نظري يؤيد «الإرهاب» العملي لقد صار العضو «إرهابيًا» داخل مجلس الشعب بالرغم من أنه يتكلم ولا يحمل سلاحًا.
وما دام «الإرهاب» وصل إلى «مجلس الشعب» فيجب استنفار كل القوى «الوطنية» عبر الصحف والندوات والبيانات والاجتماعات والمسيرات للتعبير عن رفض «الإرهاب» الديني الأصولي الذي ينشر الظلام ويخنق الإبداع، ويصادر الحرية، ويهدد المجتمع المدني! «تكلم العضو في استجوابه عن الإسلام وقيمه وآدابه التي تعارض منهج الوزير».
ويمكن أن نحدد أهم الأفكار التي تكررت على ألسنة وأقلام «القوى الوطنية» منميليشيات الوزير من خلال مقولات بعضهم كما نشرتها الصحف. ففي صحيفة «الوفد» الصادرة بتاريخ 11/١/ ١٩٩٤م تحقيق طويل مع بعض رؤساء تحرير المجلات الثقافية التي تصدرها وزارة الثقافة حول الاستجواب كانت عناوينه الأساسية على ألسنتهم كما يلى:
-من يريد أن يتكلم عن الثقافة عليه أولًا تثقيف نفسه.
-الاستجواب لا يختلف في مفرداته عن الخطاب الإرهابي.
-المصريون ما زالوا أصحاء العقل والروح رغم ما حدث.
وقال رئيس التحرير الأول في التحقيق عن الاستجواب:
«هذه الحملة مدبرة وغير بريئة ومقصود بها شيء مختلف تمامًا عن الأخلاق والدين وأقول مقصود بها السياسة الملتوية التي يعبر عنها البعض بالديناميت والرصاص، والآخر في مجلس الشعب والفرق بين الإرهابيين بالعمل والآخرين بالقول أن الأول يقتل واحدًا أو عشرين... ولكن الذين يريدون أن يطفئوا شموع الثقافة يريدون أن يقتلوا الثقافة المصرية».
وقال رئيس التحرير الثاني في التحقيق عن الاستجواب:
إن هذا الاستجواب في واقع الأمر هجوم إرهابي ظلامي على أنبل وأعظم ما تفخر به الثقافة المصرية العربية (؟؟) وللأسف كما يحدث في كل هجوم إرهابي نجد اللغة السقيمة التي لا تلتزم بأبسط قواعد الحوار ولكنها تكتفى بالسباب والشتائم والخطاب غير اللائق...» وأضاف:
«ما يدعو للحزن أكثر أن الاستجواب لا يختلف في مفردات خطابه عن مفردات الخطاب الإرهابي الذي يحاول أن يدمر الثقافة المصرية والمجتمع المدني وكافة الإنجازات الحضارية لمصر».
وقال رئيس التحرير الثالث عنالاستجواب:
«إن الاستجواب يستهدف مجمل الثقافة الوطنية والمستجوب يعبر عن تيار فكري وسياسي محدد».
وأضاف: «فما يرى في مجلس الشعب لا يزيد عن كونه استعداء للسلطة (؟) على الثقافة بمزيد من القهر والقمع، وليس غريبًا أن يكون هنالك تحالف بين الحساسية المفرطة والمرضية تجاه الجنس والتستر بالدين الحنيف وبين قوى الإرهاب المسلح، وما جرى في مجلس الشعب يجب النظر إليه على أنه ارتداد عن التقاليد البرلمانية والقيم المصرية....».
ونشرت مجموعة المثقفين- قيل إن عددهم تجاوز الألف- بيانًا قالت فيه:
«إن هذه الحملة «يقصدون الاستجواب» هي جزء لا يتجزأ من العمل الإرهابي الذي يواجه الشعب... إننا ندين هذه الحملة المحمومة ونعلن وقوفنا ضدها... ونؤكد توحدنا معًا فيمواجهتها».
كما دعت اللجنة الأدبية بإتيليه القاهرة للكتاب والفنانين إلى مؤتمر ووثيقة ومسيرة للمثقفين المصريين تتوجه إلى مجلس الشعب ويقودها كاتب مشهور.
وفي جريدة أدبية صدرت في 2/1/١٩٩٤م كان العنوان الافتتاحي للمقال الذي كتبه محررها هو: أعداء الثقافة في مجلس الشعب وجاء فيه تعليقًا على موقف الأزهر:
«كما أن محاولة البعض إضفاء قدسية معينة على تلك المؤسسة الجليلة أمر مخالف للإسلام، لأنه لا كهنوت في الإسلام، ولا فاتيكان، وأعتقد أن المتصايحين بمثل هذه العبارات إنما يغازلون قوى أخرى تعمل الآن في الظلام ولا تعرف معنى الحوار، أو مجادلة الفكرة بالفكرة، إنما تصوب طلقاتها إلى أصحاب الفكر، وهناك البعض يرسلون إشارات معينة لتلك القوى التي يظنون أنها سوف تتمكن في المستقبل».
ثم يقول محرر الجريدة الأدبية: «المزعج هو وجود أعضاء مستنيرين لبعضهم عقل تاريخي مثل الأستاذ خالد محيي الدين وضياء الدين داود ومحمود زينهم، وفاروق خلف، كيف لزموا الصمت؟!
وتحمل الجريدة المذكورة إلى جانب افتتاحية محررها تصريحًا لرئيس هيئة الكتاب التابعة لوزارة الثقافة عنوانه: تصدينا للإرهاب ولن نخضع لأنصاره.
هذه أمثلة قليلة تمثل مجمل الدعاوى التي أطلقتها الميليشيات المساندة لوزير الثقافة،والتي تكررها بأساليب مختلفة عبر الصحف اليومية والدورية والبيانات وغيرها... وهي توضح إلى أي مدى وصل القمع الثقافي الذي تمارسه الأقلية المستبدة المسيطرة على مقدرات الفكر والثقافة في قلب الأمة العربية وأطرافها... هذا القمع الذي ينكر على عضو مجلس الشعب أن يستخدم حقه الدستوريوالقانوني في مساءلة وزير ارتكب العديد من الأخطاء والخطايا في حق وطنه ودينه وأمته.. وصار المطلوب الآن من كل شخص ينكر على الوزير أخطاءه وخطاياه أن يفكر ألف مرة قبل أن ينطق بكلمة واحدة، لأن الميليشيات الجاهزة لإطلاق النار ستقوم بتأديبه وإسكات صوته أو التشهير به على الأقل في نوبة مركزة من الهجوم الكاسح عبر جميع الصحف والمجلات التي تقع في دائرة سلطانها ونفوذها.
وتتكون ميليشيات الوزير من خليط متنافر تجمعه الرغبة المشتعلة في اقتلاع الإسلام والقضاء على ثقافته وأخلاقه وقيمه لأن الإسلام وحده الذي يهدد وجودهم الفكري والمعنوي والعقدي، ويضم الخليط المتنافر: الشيوعي المتطرف والطائفي المتعصب والبعثي المرتزق، والانتهازي الباحث عن المنفعة أيًّا كانت والمستغرب المنبهر بالغرب وسلوكياته، والموالي للطاغية الراحل والمؤيد للحكم الشمولي، والملحد الذي يرى في الإسلام عقبة تحول دون رغباته ونزواته...وغيرهم...
لقد اتفق هذا الخليط في ظرف حرج تمر به البلاد على إعلان نواياهم ضد الإسلام والمستمسكين به، وربطوا في عدوان آثم كل صوت يرتفع دفاعًا عن الإسلام والأخلاق بحرب الثارات المشتعلة بين السلطة وبعض الجماعات، ومن خلال التدليس الفكري رأوا أن مواجهة أفكارهم المنحرفة وأدبهم الرخيص إرهاب تجب مواجهته والقضاء عليه!! ومن ثم اتخذوا من الوزير واستجوابه تكأة لإعلان الحرب على الإسلام.
والقضية في كل الأحوال، لم تعد انحرافًا يمثل فضيحة شخصية لوزير ضل عن الطريق السوي، بل تمثل فضيحة لثقافة غريبة عن ثقافة الأمة وهويتها وشخصيتها.
فالوزير المذكور مذ تولى الوزارة في ظروف غريبة وملابسات غامضة، وهو يصادم الأمة بآرائه وأفكاره، لم يكن أبرزها تصريحاته التي ترفض الإسلام رفضًا صريحًا عندما تحدث لجريدة «الأهالي» عن رفضه لما يسمى «بالخيال الغيبي»- أي رفض الغيب الذي هو ركن أساسي في إيمان المسلم- ولم يكن أقلها كلامه في مجلس الشعب عن رفض الربط بين الثقافة والدين حيث قال: «علينا أن نبعد مسألة الأديان عن الثقافة» مما جعل النواب بالرغم من ولائهم للسلطة، يضجون بالرفض والسخط على كلامه.
ولم تكن استعانة الوزير بالنوعيات الهزيلة والانتهازية إلا حلقة في فرض الثقافة المغشوشة الهادفة إلى إزاحة الثقافة الإسلامية، وتغريب المسلمين، فالذين استعان بهم الوزير- بعد أن رفضه المثقفون الحقيقيون- يتفقون على كراهية الإسلام والانتماء إليه، كما سبقت الإشارة، وهم بعدئذ على استعداد لتنفيذ أية سياسة طالما سيربحون من ورائها وما دامت خزائن الدولة ستنفتح أمامهم وتملأ جيوبهم وأفواههم... وهو ما تم بالضبط، حيث وزع الوزير عطاياه- أي أموال المسلمين- على ميليشياته، فجعلهم مستشارين ورؤساء تحرير، وخبراء، وأعضاء لجان، وفائزين بالجوائز، ومديري مؤسسات ثقافية، وحاملي أوسمة ونياشين وأصحاب مؤلفات رديئة تصدرها هيئة الكتاب.... إلخ. وفي الوقت ذاته تخلص من معظم الشرفاء الذين يرفضون جريمته الثقافية في حق بلادهم وأمتهم، ولعل ما يحدث في هيئة الآثار منذ توليه حتى اليوم خير برهان.
بالإضافة إلى ما سبق، فإن الوزير لجأ إلى نمط من الدعاية رخيص هو إقامة المهرجانات أو «المهارج» ينفق فيها أموال الدولة في سفه غير مسبوق دون عائد يذكر. ولعل مهارج السينما والمسرح والموسيقى وغيرها، في القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية وأسوان أبرز الأدلة على ما أنفق فيها، وعلى النتائج المُسفّة التي تسفر عنها، وما يقوله الناس عن ابتذالها وسفالتها يعبر عن المدى المتردي الذي يحرص الوزير وميليشياته على أن يصل إليه الشعب المصري المسلم وبالتالي بقية الشعوب العربية... إن الذين يشاهدون الأفلام أو المسرحيات التي تعرضها هذه المهارج يؤكدون أنها لا تعرض أفكارًا ذات قيمة أو موضوعات تجمع الثقافة والمعرفة إلى الفن والمتعة، ولكنها تدور في فلك واحد هو العنف والدم والجنس والعرى والشذوذ، ولا شيء غير ذلك.
نشرت جريدة «الشعب» على صفحتها الأولى في 10/9/1993م تحت عنوان: «وزیر الثقافة يرعى العري الفاضح والحض على الرذيلة» ما يلي:
«شهد مهرجان المسرح التجريبي جريمة أخلاقية بشعة، كاملة الأبعاد بعرض مسرحيتي «خبايا العالم» لفنزويلا، و«حلم ليلة صيف» لإسبانيا اللتين تحرضان على الرذيلة وممارسة الجنس علانية، ولا تشتملان إلا على مشاهد العربي الفاضح، والممارسات الجنسية الداعرة عبر مشاهد فاضحة ومخزية على مسرح دار الأوبرا والمسرح القومي.
وفي الوقت الذي كانت تقدم فيه عروض المسرح التجريبي في القاهرة، كان هناك مهرجان آخر للسينما في الإسكندرية هو المهرجان التاسع الذي كان يعرض أفلامًا جنسية فاضحة تمارس فيها الرذيلة علنًا دون حياء- أ.هـ.
هذه بعض ملامح سياسة الوزير التي لا تقرها أعراف أو تقاليد أو قيم فضلًا عن الدين والأخلاق... بيد أن الوزير يرى في سياسته تفتحًا واستنارة وتحضرًا، ويصف المعارضين له بالانغلاق والتجمد والتحجر، لأنه مقتنع بأن الثقافة الحرة لا علاقة لها بالأديان.
فهل ما يراه الوزير صحيح؟ وهل ما يقدمه للناس يعدُّ ثقافة حرة بالمعنى الحقيقي للثقافة والحرية؟ أم أن الوزير وثقافته فضيحة على المستويين الشخصي والثقافي؟؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه بإذن الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل