; تداعيات الحملة البوليسية على الإخوان في مصر | مجلة المجتمع

العنوان تداعيات الحملة البوليسية على الإخوان في مصر

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-2009

مشاهدات 54

نشر في العدد 1872

نشر في الصفحة 34

السبت 10-أكتوبر-2009

تصاعدت خلال الشهور القليلة الماضية الحملة البوليسية ضد الإخوان المسلمين، وانتقلت من محافظة إلى أخرى؛ لتحصد رموزًا شعبية وقيادات إدارية، وصاحبتها حملات إعلامية في الصحف القومية وأخرى في صحف خاصة تستهدف تبرير تلك الهجمة وإقناع الرأي العام بها. وقد اجتهد المحللون في البحث عن دواعي تلك الهجمة التي لم تخرج عن نطاقين:

الأول: محلي: يستهدف إرباك الإخوان، وشلَّ حركتهم مبكرًا قبل عام من الانتخابات البرلمانية؛ وذلك حتى لا يحقَّقوا نتائج البارزة كالدورة السابقة في ٢٠٠٥م، أو لإقصائهم من الساحة البرلمانية، وكذلك التمهيد لنقل سلس للسلطة الرئاسية، بعيدًا عن تأثير القوى السياسية الحيَّة في المجتمع. 

والنطاق الآخر: إقليمي: يتعلق بالتسويات الجارية للقضية الفلسطينية، والتي تتصاعد أبخرة، وتتسرَّب تصريحاتٌ بأنها ستشهد خلال السنتين القادمتين تطورات مهمةً وخطيرةً، ومن هنا يكون إبعاد الإخوان عن المشهد الإقليمي ومنع تفاعلهم الحي مع تلك التطورات هدفًا آخر لا يقل أهميةً.

ولكن ما تداعيات تلك الحملة على كافة الجبهات ذات الصلة؟

على جانب النظام، تُظهر هذه الحملة الباطشة الظالمة عجز النظام المصري عن إدارة التنوعات والاختلافات داخل المجتمع بطريقةٍ سلميةٍ، وعبر الأدوات الديمقراطية والسياسية، وهذا الفشل الذريع ينتهي بالنظام إلى طريقٍ مسدودٍ، ويتبيَّن ضرورة البحث عن بديل قادر على تلبية المطالب الوطنية المصرية في إقامة حياة ديمقراطية سليمة، تستوعب إدماج التيار الإسلامي المعتدل في الحياة السياسية والمناخ العام.. ذلك التيار الذي يؤيده قطاع عريض من المجتمع ظهر في آخر انتخابات بين ٣٠- 40%، وتمثَّل في البرلمان نسبة 20%.

وهذا الاتجاه البوليسي في علاج قضية سياسية وليست أمنيةً؛ يضخَّم دور جهاز الأمن على حساب قطاعات أخرى داخل النظام، وهذا يؤدي في النهاية إلى بروز مراكز قوى تهدَّد النظام من داخله؛ فالأمر لا يتعلق بجرائم إرهاب أو تهديد للوطن، ولا يمكن إقناع أحد بأن الإخوان خطرٌ على الوطن وهم يسهمون في بنائه، ويشاركون بفاعلية في تنميته في كل القطاعات، ويعيشون مع الشعب في القرى والنجوع والمدارس والجامعات والمصانع والنقابات.

 وهذا التطور الجديد جعل النظام يهدر أركان دولة القانون من احترام أحكام القضاء ومحاكمة المواطنين أمام قاضيهم الطبيعي وإخلاء سبيل الأبرياء وعدم اللجوء إلى الاعتقال الإداري أو تكرار الاعتقال، والتصرف بطريقةٍ تحمل معنى اللصوصية في إغلاق الشركات، وتشريد العمال والاستيلاء بدون وجه حق على أموال خاصةً للأفراد وتشويه العمل الخيري... إلخ، وعندما تلجأ الدولة إلى هذا الأسلوب في التعامل، فإنها تهدد أسس وجودها كحامٍ للأفراد ومحتكر للقوة؛ بهدف حماية أمن المجتمع واستقراره، وهذا سيؤدي في المدى المتوسط والبعيد إلى ظهور نزعات لدى الأفراد والجماعات لا تحترم القانون، وتلجأ إلى العنف والقوة للحصول على حقوقها وتُهدد النظام العام.

 الابتزاز الأجنبي:

وهذه الحملة الباطشة تظهر النظام أمام الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان العالمية التي تراقب أداء الحكومات وتقدم تقاريرها إلى الجهات الدولية والحكومات الأجنبية على صورته المظلمة التي لا ينفع معها مبررات ساقها النظام أثناء حملته على جماعات العنف، وهنا يكمن خطر آخر -لا يعلمون- عظيم.

فهذه التقارير يتم إعدادها بجانب تقارير أخرى كسجلٍ لإدانة أي نظام يريد المجتمع الدولي أو الدول الكبرى إجباره على سلوكٍ غير وطني، أو تقديم تنازلات في ملفات خطيرة إقليمية أو دولية، أو إخضاعه لنفوذ القوى الكبرى، أو إيجاد ذريعة للتدخل في شؤونه الداخلية بحجة حماية حقوق الإنسان، أو إقامة الديمقراطية أو ... أو ... إلخ، وهذا يأتي في الوقت المناسب الذي تختاره تلك الحكومات الأجنبية ولنا في العراق وغيرها عبرة وعظة.

ما الذي يكسبه النظام من مثل هذه الحملة الظالمة؟

هل يكفي هدف تعويق نشاط الإخوان وحرمانهم من قياداتهم كفئةٍ لتعويض كل تلك الخسائر، بينما ثبت خلال عقود من الزمان عدم القدرة على استئصال الإخوان من المجتمع المصري لأنهم جزء أصيل ومكون طبيعي منه؟

هل تحجيم وجود الإخوان في مجلس الشعب في الدورة القادمة مع إدراك النظام أن تغييب الإخوان تمامًا عن البرلمان ليس من المصلحة في شيء وليس ممكنًا دون خسائر كبيرة على المستوى السياسي؟! 

هل إرهاق الإخوان اقتصاديًا ومحاربتهم في أرزاقهم سيؤدي إلى إفقار الإخوان أم سيؤدي إلى خلل بشع في مجال حرية السوق والتنافس الذي يروّج له أركان النظام من الليبراليين وأشباههم؟!

قد يكسب النظام على المدى القصير بتلك السياسة قصيرة النظر، ولكنه عندما يمعن النظر ويتأمل بعض عقلائه في الآثار المدمرة لتلك السياسة الأمنية، فإنه سيعرف أن تلك الجولة الأمنية ستنتهي كما انتهى ما سبقها، وسيعود الإخوان أقوى كما كانوا، وسيجددون دماؤهم بانتظام، ولن ينحرفوا عن منهجهم الوسطي المعتدل، ولن يستفزهم أحد للخروج عن أسلوبهم السلمي، ويكفيهم إيمانهم بقول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَأما الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ(الرعد:17).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل