; البوسنة والهرسك: مقتل جيل! | مجلة المجتمع

العنوان البوسنة والهرسك: مقتل جيل!

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993

مشاهدات 95

نشر في العدد 1041

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 09-مارس-1993

تقول آخر التقارير الصادرة في الشهر الماضي من قبل الهيئات المتخصصة في البوسنة والهرسك إن عدد القتلى والمفقودين قد زاد عن مائة وخمسين ألفًا، منهم حوالي سبعين ألفًا قتلوا بالأسلحة النارية والمتفجرات، وحوالي عشرة آلاف ذبحًا بالسكاكين، وحوالي ثلاثة آلاف ماتوا أو أُغرقوا بالقوة في الأنهار والمصارف، وأكثر من أربعين ألفًا لم يتوصل إلى طريقة قتلهم، بالإضافة إلى حوالي ثلاثين ألفًا مفقودين ويعتقد أنهم قد قتلوا. كما بلغ عدد النساء المغتصبات عشرات الآلاف وعدد الجرحى 135,000 منهم 61,550 بجراح خطيرة. وتضيف التقارير أن أكثر من 15% من عدد القتلى هم من الأطفال، وأن عشرين بالمائة من الجرحى أيضًا من الأطفال. التقارير «البشعة» لا تكتفي عند هذا الحد. إنها تضيف إلى خسائر «جيل أطفال البوسنة والهرسك» الذين قتلوا أو جرحوا أو أصبحوا مقعدين أو مصابين بعاهة مستديمة، أن رفقاء لهم- لا يعرف عددهم- قد أصيبوا على صغرهم بأمراض عصبية، وأعطت مثالًا على ذلك طفلًا لم يبلغ الثانية عشرة من عمره انهار بيته من جراء القصف الصربي وبقي مدة نصف ساعة حبيس الأنقاض يرى من خلالها أعمال القتل الهمجية، وعندما أخرجه أهله من بين الحطام وجدوا أن شعر رأسه أصابه الشيب بكامله. وهو إن كان مثالًا إلا أنه ليس فريدًا. يحكي قادم من معسكرات الاعتقال أن القوات الصربية هاجمت منزله واقتادته هو وابنه وزوجته إلى فناء الدار، حيث بدأوا في اغتصاب زوجته بعد أن وجهوا فوهات البنادق إلى رأسه ورأس ابنه وأمروهما بأن يشاهدا ما يحدث وألا يديرا رأسيهما وإلا تعرضا للقتل. وربما لن يفي الوصف شرح حال الطفل «فضلًا عن أبيه»، والأسوأ أن ما حدث مع هذا الطفل ليس أمرًا شاذًا ولا استثنائيًا، فقد تواردت الأنباء عن عمليات الاغتصاب التي أجبر الأبناء على مشاهدتها. وإذا كان لون الدم يثير فزع الأطفال الأبرياء فكيف يمكن تصور حياة يومية على مدى أكثر من تسعة شهور حتى أصبح فيها مشهد الأب أو الأخ أو القريب مقتولًا أمرًا طبيعيًا أو بالأحرى يوميًا ومعتادًا، الجثة المفصولة الرأس أو اليد المبتورة وسيل من الدماء يغطي الأرض والجدران. وإذا كان العالم قد أدار ظهره لتلك السجون التي أقامتها القوات الصربية للمسلمين في أنحاء البوسنة والهرسك فإن أحدًا لم ينتبه إلى أن شريحة من هؤلاء المعتقلين كانوا من الأطفال الذين عاشوا أحوالها شركاء مع الأب والأم والإخوة.

في كارلوفاتس بكرواتيا التقيت بـ«فاطيمة» ذات الثماني سنوات والتي شاركت أمها فترة المعتقل ولا تعرف شيئًا عن مصير أبيها وكان من الصعب عليها أن تصف ما حدث لها أو ما شاهدته، فإذا كانت الأمور غير مفهومة للكبار الذين لم يستوعبوا أن يرتكب «الجيران» ما ارتكبوه فكيف يكون الحال مع الأطفال!

وإذا كانت قضية الاغتصاب التي تعرضت لها الآلاف من نسائنا وبناتنا المسلمات في البوسنة والهرسك هي حديث الساعة فإن المتابع لها لا يكاد يصدق حتى لو توافرت الشهادات والأنباءات أن أطفالًا في عمر ست وسبع سنوات كانوا ضحايا لهذه الأعمال الهمجية التي تثبت أن «شعبًا» بكامله وليس فقط قادته مصاب بالشذوذ والانحراف الطبيعي والجسماني والأخلاقي.

شتاء أطفال البوسنة

مجلة (سلوبودنا دالماتيا) الكرواتية تقول إن أطفال البوسنة والهرسك مجبرون على تحمل عواقب حرب لا ذنب لهم فيها- ونضيف لآبائهم- وإن المعلومات تؤكد موت وجرح وطرد الآلاف من الأطفال، وتقول الصحيفة إن المعاناة الحقيقية هي مع الشتاء الذي جعل التهجير والتغذية السيئة والأعباء النفسية أمورًا جانبية إذا ما قورنت بما يحدث للأطفال في البوسنة والهرسك في الشتاء وحيث تفترض المنظمات الإغاثية الموجودة في زغرب أن هناك مليون وستمائة ألف من الأهالي الذين يهددهم الشتاء في ملاجئهم، تبلغ نسبة الأطفال ثلاثين بالمائة منهم. وتضيف المعلومات أن عدد الموتى المتوقع خلال فصل الشتاء وبسببه أربعمائة ألف شخص أغلبهم من الأطفال، وحسب تكهنات الأطباء فإنه سيموت في سراييفو عدة آلاف من الأطفال الذين لم يبلغوا العام الخامس عشر من العمر.

وإذا كانت برودة الشتاء التي تصل في البوسنة إلى عشرين درجة تحت الصفر يمكن أن يهزمها «دفء الوالدين»، فماذا يفعل آلاف الأيتام الذين فقدوا الأب والأم أو كليهما؟ وقد بث تلفزيون زغرب برنامجًا مأساويًا عن أطفال سراييفو الذين يعيشون الحصار بألم مضاعف، ونقل مشهدًا لطفل يتكئ على عصاه بعد أن فقد قدمه في الحرب وفقد قبلها الأب، وهو يتوجه إلى المقبرة ليزور والده الشهيد ويدعو له ثم يعود إلى أمه في مستشفاها.

وفي ظل الحديث عن النار والدمار والقتل والذبح، يخفت الحديث عن العلم والتعليم، حيث أطفال البوسنة داخلها أو خارجها توقفوا عن استكمال مسيرتهم التعليمية إلى أن تنتهي الحرب التي ربما تستغرق أعوامًا مقبلة. مما يعني أن جيلًا بكامله سيتوقف عن ضخ المثقفين والمتعلمين لسنوات قد تطول أو تقصر.

كما وجدت عصابات التجارة بالأطفال فرصة ذهبية لها، حيث تلقت المراهقين وتمكنت من إيقاع البعض في حبائلها. وكان مشهدًا داميا عندما تلقى الأب المهاجر رسالة من ابنته التي اختفت منذ فترة وهي تبلغه أنها في «مانيلا» ولم تستطع أن تكمل الرسالة... ماذا يفعل؟ فذلك كله شيء مفهوم مع العصابات التي تعمل في تجارة الرقيق الأبيض.

واقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :