; نعم.. القضية الفلسطينية هي القضية المركزية | مجلة المجتمع

العنوان نعم.. القضية الفلسطينية هي القضية المركزية

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1989

مشاهدات 55

نشر في العدد 901

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 24-يناير-1989

اطلعت على المقال المنشور في مجلة «المجتمع » الغراء العدد ۸۹۸ بتاريخ ٢٥ جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ الموافق 3/1/1988م للمفكر الإسلامي فتحي يكن الذي طرح سؤالًا هو: هل القضية الفلسطينية هي القضية الإسلامية المركزية الأولى؟

وأجاب المفكر الإسلامي فتحي يكن على هذا السؤال بقوله: إن القضية المركزية الأولى في سلم اهتمامات الساحة الإسلامية والحركة الإسلامية، هي قضية الإسلام... قضية استئناف الحياة الإسلامية... قضية عودة الأمة إلى قيادة الإسلام، وتشريع الإسلام، ومنهج الإسلام في الحياة.

وأضاف المفكر الإسلامي فتحي يكن قائلًا: ويجب أن يكون واضحًا كذلك أن أية قضية- مهما كانت كبيرة ومهمة- ينبغي أن يكون موقعها من حيث الأولوية بعد القضية الأولى، بل ينبغي أن تكون مبنيةوقائمة ومرتكزة إلى مبادئه وقيمه، لا أن تبقى قضية مجردة تعيش في الفراغ، وتطير في الهواء من غير مضمون أو محتوى.

ثم يستطرد المفكر الإسلامي في إيراد الأدلة القاطعة على إسلامية القضية الفلسطينية، بمعنى أن تحرير فلسطين من اليهود الغزاة جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلم، أي إنه لا انفصال بين تحرير فلسطين كقضية إسلامية، وبين الإسلام كدين وعقيدة للمسلمين كافة، وأن تطبيق الشريعة الإسلامية- الذي اعتبره الأستاذ فتحي يكن القضية المركزية الأولى ضمن سلم اهتمامات الساحة الإسلامية والحركة الإسلامية- يتضمن الجهاد من أجل تحرير فلسطين، فالجهاد هنا فرض عين على كل مسلم ومسلمة، أي إنه جزء من عقيدة الإسلام، فكيف نفصل بين تطبيق الشريعة وتحرير فلسطين ونعتبر القضية الأولى أولى من القضية الثانية، بينما القضية الأولى تتضمن الثانية ولا تنفصل عنها؟ فحين يقوم المسلم بتطبيق الشريعة لا بد أن يضع في اعتباره الجهاد من أجل دحر الغزوة اليهودية عن أرض فلسطين، وحين يقوم بالجهاد من أجل تحرير فلسطين يكون بذلك قد مارس فرضًا فرضه الله عليه، أي قام بتطبيق شرع الله.

لا خـلاف:

 ولا أظن أن الأخ فتحي يكن- أو أي مفكر إسلامي- يختلف معي في هذا، ولقد ساق الأخ الفاضل كاتب المقال كثيرًا من الآيات والأحاديث والأشعار لتأكيد ما أقول... ولست أدري كيف أعتبر الإسلام قضية بينما هو عقيدة ودين؟ وكيف أعتبر القضية الفلسطينية أي قضية تحرير فلسطين قضية أخرى منفصلة وأقل أهمية؟

إن تطبيق الشريعة على أرض الواقع، والالتزام بمنهج الله في واقع الحياة، وإقامة دولة الإسلام على الأرض لا شك أنه سيؤدي بالتالي إلى تفكيك أوصال الكيان اليهودي على أرض فلسطين، وإعادة الأرض المقدسة إلى رحاب الإسلام والمسلمين، وأن غياب الخلافة الإسلامية كان من نتيجته قيام الكيان الإسرائيلي، وأن تحطيم هذا الكيان لا شك أنه عامل مساعد على إعادة دولة الإسلام.

وإذا كانت قضية فلسطين- دون مضمون إسلامي- قضية مجردة تعيش في الفراغ، وتطير في الفضاء، فماذا نسمي تطبيق الشريعة من دون مضمون جهادي؟ وكيف يمكن تطبيق الشريعة في ظل هيمنة إسرائيلية على الأرض الإسلامية والأمة الأسلامية؟

الحركة الإسلامية:

إن الحركة الإسلامية في فلسطين لم تفصل بين تطبيق الشريعة ومجاهدة المحتل، وكذلك فعلت الحركة الإسلامية في لبنان والجنوب اللبناني، لقد أدرك الإسلاميون في كل من فلسطين ولبنان أن التصدي للغزوة الصهيونية جزء من تطبيق الشريعة لا يتجزأ، بل هو الجزء الأولى بالاهتمام، ولم ينظر أي من المجاهدين بمنظور إقليمي محدود، بل بمنظور إسلامي شمولي بعيد النظر، وحين يتم القضاء على الكيان الصهيوني تنحل المشكلة اللبنانية، وحين نحاول تطبيق الشريعة على أي أرض إسلامية دون أن نأخذ في الاعتبار المشروع الغربي في ديار العرب والمسلمين، وأعني به الكيان الصهيوني الذي ما وجد إلا لتقويض أركان هذه الأمة وأركان عقيدتها، فإنما نكون قد قفزنا في الفضاء وطرنا في الهواء.

يحضرني في هذا المقام حوار كان يدور في الستينيات بين مجموعتين من الشباب، المجموعة الأولى تطرح مقولة: الوحدة طريق العودة، وتطرح المجموعة الثانية مقولة العودة طريق الوحدة، وكان رأيي أنه لا تعارض بين المقولتين، وأن كلًّا منهما تمهد للأخرى.

وفي هذا السياق نقول: إن العمل من أجل رفع راية الإسلام يقتضي العمل من أجل تحرير فلسطين، وإن تحرير فلسطين يرفع راية الإسلام والمسلمين، وما دام كل منهما يمهد للآخر، فلا تعارض بين أن يعمل المسلم من أجل الإسلام، وأن يعمل من أجل تحرير فلسطين، ولا يجوز لمسلم أن يعمل في المجال الفلسطيني بغير المفهوم الجهادي الإسلامي، كما لا يجوز لمسلم يعمل في المجال الإسلامي أن يعتبر القضية الفلسطينية خارجة عن هذا المجال أو أقل أهمية منه.

المجاهدون الأفغان:

ولقد أدرك هذه الحقيقة المجاهدون الأفغان الذين لم ينسوا في كل مراحل جهادهم قضية فلسطين، بل إنهم قدموها في الأهمية على القضية الأفغانية من منطلق إسلامي أصيل، رغم أنهم وصفوا القضية الأفغانية في المقدمة زمنيًا ومرحليًا وليس من حيث الأهمية.

إن عقيدة الإسلام موجودة في نفوس المسلمين، وحين تتمكن هذه العقيدة في النفوس بعمقها وشمولها، تتحول إلى واقع متحرك يزرع الخير والفضيلة في الأسرة والشارع ومجال العمل، وتنهض بمسؤولياتها لمعالجة قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

الإسلام وفلسطين:

إن وجود العقيدة هو الذي حرك المسلمين لمجاهدة بني صهيون، وإن خوض غمار الجهاد هو الذي حرك العقيدة في نفوس بقية الناس، فهي معادلة لا يوجد طرف منها دون وجود الطرف الآخر، فالعقيدة دون جهاد رهبنة لا يقرها الإسلام، والاندفاع في المواجهة دون عقيدة طيش لا يقره الإسلام، ومن فصل القضية الفلسطينية عن الإسلام حكم عليها بالضياع، ومن فصل الإسلام عن القضية الفلسطينية فقد أخطأ خطأ كبيرًا، ولا أظن الأخ الفاضل فتحي يكن يقع في هذا الخطأ؛ بدليل أن سياق مقاله يؤكد على إسلامية القضية الفلسطينية، ولهذا كان استغرابي من استهلاله المقال بالسؤال المذكور، وكان الاستغراب أكبر حين كان الجواب بأولوية قضية الإسلام على قضية فلسطين موحيًا- وفي هذا الظرف بالذات- بأن الأولى باهتمام الحركة الإسلامية هو الإسلام ذاته وليس القضية الفلسطينية، مما يشجع بعض الذين لا يعيرون قضية المسلمين الأولى، قضية فلسطين الاهتمام اللازم، ويستعيضون عنها بقضايا خلافية وثانوية ليست من الأصول، وينشغلون بجدل أشبه بالجدل البيزنطي، بينما العدو الصهيوني يستولي على الأرض الإسلامية، ويمارس أبشع أنواع الإرهاب ضد المسلمين.

لا تقوم للإسلام قائمة ما دامت «إسرائيل» موجودة، وقد وجدت هذه «الإسرائيل» أصلًا كمشروع غربي صليبي وشيوعي على أنقاض دولة الإسلام الواحدة الموحدة، ومن أجل الحيلولة دون قيامها مرة أخرى.

صراع حضاري:

يحدثنا التاريخ عن وجود إمبراطوريات، ولقد بزغ نور الإسلام بينما كان يقتسم الهيمنة على العالم إمبراطوريتا الفرس والروم، ولم يحدث في التاريخ أن كانت الهيمنة لدولة واحدة إلا دولة الإسلام التي قضت على إمبراطوريتي الفرس والروم معًا.. هذه الحقائق يعرفها الغربيون، ويعلمون أن في وحدة المسلمين انحسارًا للنفوذ الغربي بمعسكريه الرأسمالي والاشتراكي.. وكل من المعسكرين يعتبر «إسرائيل» قطعة منه، وامتدادًا له، ولذلك فهو يحرص على بقائها لتقوم بالنيابة عنه بإحلال ثقافة الغرب محل الثقافة العربيةالإسلامية.

ولذلك فصراعنا مع الغرب صراع حضاري، المنتصر فيه يفرض حضارته، والحضارة السائدة تشكل شخصية الأمة، ولا يضير الغربيين ومعهم ربيبتهم «إسرائيل» أن نصوم ونصلي، وأن نحج ونزكي، وأن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ولا نعمل بمقتضى هذه الأركان الخمسة.

الإسلام والوطنية:

يتحرك بعض الإسلاميين من الحديث عن الوطنية وكأنها شرك، والحقيقة أن الوطنية بالمفهومالإسلامي وهو حب الوطن والدفاع عنه من صلب العقيدة الإسلامية، والإسلاميون بهذ المعنى أول الوطنيين المدافعين عن أرض المسلمين، المتبنين لقضايا الأمة، العاملين على حلها، تلفت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى مكة المكرمة حين أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، وقال: «والله إنك أحب أرض الله إلى الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أنأهلك أخرجوني منك ما خرجت».

إن حب الوطن من الإيمان، ومن لا يحب وطنه فإيمانه ناقص، ووطن المسلم كل ديار الإسلام، وحين يغزو كافر أرضًا مسلمة؛ فعلى المسلمين رد الغزو وتحرير الأرض بدءًا من أهل الديار؛ فإن لم يستطيعوا فمن يليهم، ثم من يليهم، إلى أن يشمل النفير كل مسلم ومسلمة- إن اقتضى الأمر- حتى يندحر المعتدون، وتتحرر أرض المسلمين، فكيف إذا كانت أرض المسلمين هي فلسطين، وفيها المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله؟

نعم، إن عقيدة المسلم يجب أن تعيش معه فكرًا وعاطفة ومسلكًا، والجهاد كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذروة سنام الإسلام، ومرتبة الشهداء عند الله لا تعدلها إلا مرتبة الأنبياء والصديقين، قال تعالى: ﴿فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (النساء: 69).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذباب البقر، ورضيتم الزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»، فترك الجهاد هنا ترك للدين أي ترك للعقيدة، وأي جهاد أسمى من الجهاد في سبيل تحرير فلسطين المقدسة من دنس بني صهيون؟

أفبعد ذلك نقول: علينا أن نقيم الدين، ولا تعتبر قضية تحرير فلسطين من مقتضيات إقامة الدين في نفوسنا أولًا وفي واقع الحياة ثانيًا؟

فلسطين والخلافة:

صحيح أن فلسطين ضاعت بعد أن ضاعت الخلافة، ولم يكن في الإمكان ضياع فلسطين ما دامت الخلافة قائمة، ولقد تآمر الغرب على الخلافة، ثم أتوا باليهود إلى فلسطين، وحين دخل الجنرال اللنبي القدس قال: الآن انتهت الحروب الصليبية، أي انتهت بانتصار الصليب على الهلال، لقد غرسوا «إسرائيل» في قلب الأمة العربية والإسلامية حتى لا تقوم لها قائمة، وحتى نظل أتباعًا أذلاء لهم، فكيف يمكن للأمة الإسلامية أن تنهض، وأن يكون لها شأن في ظل كيان يهودي قابل للتوسع على أرض المسلمين ناشر للفتنة والفساد؟ كيف يمكن أن نقيم الدين إن لم يكن في ذروته جهادًا في سبيل الله؟ وأي جهاد في سبيل الله أسمى من الجهاد من أجل تحرير فلسطين؟

نعم، إن قضية فلسطين هي القضية المركزية للأمة الإسلامية، والجهاد من أجل تحريرها فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وإن دحر هذه القضية إلى المرتبة الثانية في سلم الأولويات، وفي هذا الظرف بالذات الذي يتجه فيه البعض إلى الاعتراف بالكيان الإسرائيلي وإسباغ الشرعية على وجوده الغاصب طرح تعوزه الحكمة والمنطق السليم.

الجيل القرآني:

إن الجيل القرآني موجود في صلب الانتفاضة، وإنه موجود في الجنوب اللبناني في مواجهة اليهود، وموجود في كل أنحاء العالم، والواجب الديني يقتضي إعداد هذا الجيل- إن لم يكن قد استعد بعد-للجهاد من أجل تحرير فلسطين، وبذلك نكون قد رجعنا إلى الدين، وإلا نكون قد فرطنا في الدين والدنيا معًا.

 

الرابط المختصر :