العنوان بعد تواتر التقارير عن نشاطات تنصيرية في الجزائر.. أنظمة تحصد ما زرعت
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001
مشاهدات 53
نشر في العدد 1463
نشر في الصفحة 38
السبت 11-أغسطس-2001
قبل سنوات وقع تحت يدي مجلد ضخم (۸۷۸) صفحة عنوانه: «التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي، وهو الترجمة الكاملة لأعمال المؤتمر التنصيري الذي عقد في مدينة جلين أيري بولاية كولورادو في الولايات المتحدة الأمريكية عام ۱۹۷۸م ونشرته دار مبارك للنشر فلم أحفل به كثيرًا، أي لم أقرأه لأسباب كثيرة، منها ضخامة حجمه، وشكي بجدوى الخطر المترتب على أعمال التنصير في وقت تشهد فيه صحوة إسلامية في مشارق الأرض ومغاربها بل نشهد انتشارًا للإسلام في ديار الغرب كما أن التنصير ارتبط بالاستعمار، مما قطع الطريق على كثير من الجهود والأموال الطائلة في ميدانه، وكان لكتاب التبشير والاستعمار لفروخ والخالدي دوره المؤثر في كشف أدوار الإرساليات وخطورة أعمالها سياسيًا وثقافيًا ودينيًا.
وقبل سنوات أيضًا قرأت لمؤسس حزب البعث العربي ميشيل عفلق مقولة مهمة مفادها أن العرب لا يملكون ما تملكه الصهيونية ودوائر التبشير الكنسي من أموال ونفوذ للتأثير على القارة الإفريقية، لكن انتشار الإسلام فيها كفيل بتعديل الموازين في تلك القارة لمصلحة القضايا العربية كقضية فلسطين، فأعجبت بالمقولة واسترحت لتداعياتها.
ثم وخزني تقرير صحفي بعنوان: «قلق جزائري من انتشار التبشير والكشف عن تورط ضباط غربيين سابقين فيه وأثار كوامن نفسي «جريدة الرأي - الأردن «11/4/2001م».
وبعد أن انفجر الوضع في منطقة «القبائل» في الجزائر الشقيقة هجمت علي كل هذه المحفزات بشدة.
إن قراءة متأنية للتقرير المشار إليه كافية لوضعنا في صورة الإشكال جذوره وأسبابه ولإرشادنا بشكل استنتاجي لوصف العلاج.
التقرير هو مجمل ما نشرته صحيفة «اليوم» الجزائرية على صفحتها الأولى متحدثة عن ظاهرة ارتداد ما نسبته ستة جزائريين عن الإسلام يومياً في منطقة القبائل البربرية نتيجة النشاط التنصيري الذي تقوم به الجمعيات النصرانية، التي يقدر عددها في منطقة القبائل وحدها بـ (۱۹) جمعية، لدرجة أن رئيس كنيسة «ميرايو» في هذه المنطقة يجرؤ على التصريح قائلًا: إذا تم الاعتداء علينا، وذهبنا ضحية من أجل اعتناقنا المسيحية وردتنا عن الإسلام، فسنقوم بكل مسعى يسمح لنا بتدويل قضيتنا»، وبالمناسبة لم يمض شهر واحد على هذا التصريح حتى انفجر العنف في القبائل، ودخلت الجزائر في مشكلة جديدة.
جريدة «اليوم» صاحبة التقرير أو مصدره ترجع ظاهرة الردة عن الإسلام إلى عدد من الأسباب الداخلية والخارجية من الأسباب الداخلية التي أوردتها:
۱ - الاستقالة التامة للدولة عن مهمتها الثقافية.
۲- ارتفاع نسبة الانتحار بين الأوساط الشبابية الشعبية، بفعل تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي وانتشار مظاهر البؤس والفقر المدقع.
٣- نمو خطاب الإغراء المسيحي الواعد بتخليص الجزائري من همومه ومشكلاته المادية والروحية
4- لا سيما بعد أن شوهدت صورة الإسلام من جراء الجرائم الوحشية التي ترتكب باسمه أو تلصق به.
5- أن الكنائس المسيحية استبشرت خيرًا بعد أن عمدت الدولة إلى التضييق على المساجد ونشاطها خوفًا من تسييسها.
6- مناطق القبائل ينشط فيها لوبي بربري فرانكفوني متطرف معاد للإسلام والحضارة العربية والإسلامية. نجح الاستعمار في ترك بذوره طازجة.
7- بعض مناطق الصحراء أصحبت تعج بالجمعيات والنوادي المخصصة للرعاية المسيحية وهي تنشط في مقرات خاصة، وعبر الكنائس المعتمدة من الدولة.
8- انشغال الساسة بمتاهات النظام السياسي ومشكلاته عن رقابة النشاط المعادي.
9- وجود جيوب أجنبية وثقافية رسمية مشكوك في هويتها تساعد جمعيات التنصير مستفيدة من الانفتاح واقتصاد السوق، لتصدر أكثر من «۳۰ ألف» نسخة من الإنجيل إلى مدينة «تيزي أوزو» القبلية وحدها.
۱۰ - هذه الظاهرة أخذت في الانتشار بقوة في منطقة القبائل وفي شرق الجزائر وغربها وجنوبها .
ومن الأسباب الخارجية لظاهرة الردة:
1- وسائل إعلام مرئية ومسموعة تسهل على تلك الجمعيات نشاطها وكان جزائريون مرتدون عن الإسلام قد أكدوا سابقًا أن إذاعة «مونت كارلو» لعبت دورًا بالغ الأهمية في ردتهم عن الإسلام.
2- ونقلت عن مسؤول جزائري قوله إن موجه التبشير المسيحي التي تستهدف مناطق داخل الجزائر، وتقوم عليها كنائس بروتستانتية، هي من صنع أجهزة استخبارات غربية، تعمل لبسط نفوذها الديني، ومن ثم السياسي في منطقة شمال إفريقية، وفي الجزائر خاصة.
3 - واعتبر المسؤول الجزائري موجة التنصير الجارية غريبة عن المجتمع الجزائري، لارتباطها برهبان أجانب من دول أوروبية، كانوا يعملون في السابق في أجهزة أمن رسمية، وكان آخرون منهم يحوزون رتبًا عسكرية عليًا.
وتحدد جريدة «اليوم» الجهة المسؤولة عن هذه المشكلة الأزمة، فتقول: «إن مسؤولية استشراء المد المسيحي في الجزائر تقع على عاتق الدولة بالدرجة الأولى، وبالضبط وزارة الشؤون الدينية والأوقاف». أما حل المشكلة؛ فإن المسؤول الجزائري: «دعا إلى تجنيد المسجد والأسرة والجامعة ووسائل الإعلام لصد هذه الموجة..»
هذا ما شهد به شاهد من أهل الجزائر نفسها
لكن السؤال المطروح لماذا «المنطقة البربرية» منطقة القبائل وغيرها هي المستهدفة، أو التي حصل فيها هذا الإشكال بالذات؟
إن الأسباب التي أوردتها صحيفة «اليوم» من اضطراب أمني وترد اقتصادي وتضييق على المساجد ونشاط استخباري معاد وتشويه لسمعة الإسلام بالعنف، وما شابه ذلك، كلها أسباب موجودة في كل أنحاء الجزائر، ونشأ عنها ما نشأ من مشكلات وأزمات لكن لم ينشأ عنها ارتداد عن الإسلام، كما حصل في المناطق البربرية المسلمة التي ظهر منها الفاتحون مثل: طارق بن زیاد؟!
المشكلة إذن هي ما يسمى التباين العرقي في نسيج المجتمع الجزائري «عرب وبربر» وهي ليست مشكلة في الأوضاع الطبيعية وبخاصة في ظل الأخوة الإسلامية، لكن تفطن الاستعمار لهذا التباين ومحاولة دقه أول إسفين أيام انتداب فرنسا على الجزائر، واختلافه ما يسمى «الظهير البربري» الذي لقي رفضًا وطنيًا جزائريًا ساحقًا في حينه كل ذلك يحملنا جميعًا على إعادة النظر في مسألة التعامل مع موضوع الأقليات في مجتمعنا العربي بشكل يخلصها من تأثير النفوذ الخارجي والعزلة الداخلية أو الشعور بالاضطهاد.
إن كتاب «التنصير» الصادر قبل ثلاثة وعشرين عامًا يعترف بضالة الوجود النصراني آنذاك في المغرب العربي كله وفي الجزائر بالذات، فسكان الجزائر الذين يعدون (۱۷) سبعة عشر مليون جزائري، لا يوجد منهم غير (۲۰۰) مواطن نصرا برانية والذين يحضرون مجموعات العبادة (٦٠) مواطنًا. والمنصرون التابعون لإرساليات (٢٦) ونسبة الأقليات غير العربية (٣٥%)، ويضيف لكن فيما عدا الجماعة الموجودة في مدينة الجزائر والتي يتولى مسؤولية إدارتها حاليًا منصران أمريكيان وأستاذ جامعي فرنسي لم تتمكن مجموعة من المجموعات في أن تصبح كنيسة أهلية منظمة.. ويعلل ذلك بقوله: فإنهم كلهم يحملون اعتقادًا يتغير هو أنه إذا كان الإنسان من شمال إفريقية فهو مسلم، وأن تحول المرء ليصبح «نصرانياً» يعني خيانة وتخليًا عن التراث والأسرة والأمة، وعليه فلا شيء يجلب الاستهجان أكثر من ذلك.
ما السبيل إذن؟
يضيف كتاب «التنصير»: «إن هذا الاندفاع للدفاع عن الإسلام يشير إلى أن العلمانية مستمرة إضعاف قبضة الإسلام، وعلى أقل تقدير في وساط الطلاب»، و«يظن البعض بأن مجموعات منعزلة من البربر لديهم الاستعداد للتنصير الجماعي، وذلك إذا توفرت لهم الظروف الملائمة. ما هذه الظروف الملائمة؟ يقول: «إن الاضطهاد يقتل الحماسة ويحد من النمو، فالكنيسة في حاجة إلى حرية كافية لكي تتنفس، وكذلك هي بحاجة إلى شيء من الحرية لعقد الاجتماعات، هناك أيضًا حاجة إلى عدد من المتنصرين الشباب من وحدات متجانسة ليصبحوا أزواجًا للمتنصرات».
ومن الملاحظات التي تكشف النوايا الاستعمارية إشارة الكتاب إلى ثروات المغرب العربي الطبيعية قائلًا: «وعلى الرغم من أن دولة المغرب لم تحظ باحتياطي بترولي ضخم مثل ليبيا الجزائر إلا أنها تملك نصف مصادر فوسفات العالم.. و«التنصير – ص ٣٥٢»
استراتيجية من ٨ محاور
وفي ختــام الــبــحــث الذي أعده «جريجوري م. لفنكستون» يضع استراتيجية تنصير لشمال إفريقية من ثمانية محاور:
۱- زيادة عدد المنصرين من ٦٠ إلى ۳۰۰.
۲- يفضل النصارى العرب إذا وجدوا وكانت لديهم مواهب.
3- تخصيص كل واحد منهم ثلاثين ساعة في الأسبوع كحد أدنى.
٤- تجنيد الذين لا يخافون ولا يترددون.
5 - يجب تنظيم العمال الأجانب «بما في ذلك القادمون من الشرق الأوسط»
6- لا يقبل المنصرون حتى يلتزموا بمصلحة أصدقائهم.
7- النصارى الأجانب يقومون بدور الإسناد والدعم فقط.
8- فما لم تكن هنالك كنائس ذات قيادة وزعامة وطنية محلية.. فلن تبلغوا الأهداف «التنصير - ص
٣٦٣ و٣٦٤».
إذن لم يكن كتاب «التنصير» الذي أهملت قرامه منذ سنوات وهمًا من الأوهام، كما أن بعض الأنظمة العربية وأجهزة مخابراتها انشغلت بصراعاتها الداخلية والخارجية، فأثمرت فسادًا ضارب الأطناب من جهة، ومن جهة ثانية ضيقت على دعاة الإسلام وحرمتهم حقوقهم الدنيا في المشاركة الوطنية ودفعتهم دفعًا إلى العنف أو مارست هي عنفًا إجراميًا أيضًا نسبته إليهم في الوقت نفسه، كما هي الحال في الجزائر الشقيقة وفي غيبة من الإسلام الذي يجمع الأقوام على حب العرب والعربية هل هو الجهل أم الإهمال أم الإسهام في المؤامرة؟!.
لقد أدرك واضعو كتاب «التنصير» دور الإسلام في تحصين العرب والبربر والأكراد والزنوج ضد حملات التنصير والسياسات الغربية الاستعمارية، كما أدركوا مدى الانعكاس السلبي للسياسات الغربية الداعمة للكيان الصهيوني، لذلك طرحوا على أنفسهم السؤال التالي بحثًا عن مخرج هل تعمل وبصورة جادة على أن ترسل الآن منصرين من الأقطار غير الغربية، أي من تلك الأقطار التي ليس لها ماض في مساعدة إسرائيل؟. «التنصير ص ۳۸۲»، وعقب أحد المبشرين بقوله: «أنا أعتقد ضرورة إصدار بيان في هذا المؤتمر ليقرأه الجميع تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره السياسي أرجو ألا نتجاهل هذا الموضوع لجين من خلال هذا المؤتمر الخاص بتنصير المسلمين «التنصير - ص۳۸۳» وبالطبع تم تجاهله.
لعلك تقول مستغرباً: إن كتاب «التنصير» مطبوع منشور ومثل ذلك كتاب «التبشير والاستعمار» وكتاب «حاضر العالم الإسلامي» لشكيب أرسلان، فأين الحكومات وأجهزتها الأمنية والثقافية من هذه المخططات الرهيبة؟! وأقول لك: ليس الأمر محصورًا بالجهل بالمخططات التنصيرية بل بلغ الأمر حد توفير المناخات المطلوبة لنجاح التنصير مثل: اضطهاد الأقليات أو عدم تحصينها بالإسلام الذي يعصمها وغيرها من الردة، وهي ردة مالها انفصال وتجزئة ومؤامرات لها أول وليس لها آخر، قد تقول: إن تلك الأنظمة العربية تحصد الآن ما تزرع ونقول: لكن هذا الحصاد المر تتجرعه الشعوب المسلوبة الإرادة والقرار فإلى متى؟
وأخيرًا لعلك تسأل بمرارة: من هو المستفيد من محاربة الإسلام؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل