العنوان بعد ربع قرن.. ماذا بقي من «مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا»؟
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1307
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 07-يوليو-1998
في نهاية عام ١٩٩٧م حاول مؤتمر وزاري لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا التوصل في كوينها جن -دون جدوى- إلى ما سبق أن عجز مؤتمر قمة لشبونة للمنظمة قبل عام واحد عن تحقيقه، فلم تتفق الدول الأعضاء في المنظمة على الخطوط الرئيسة المرجوة منذ فترة لنظام أمني أوروبي جديد وشامل، يراد إرساء قواعده للقرن الميلادي المقبل، وفي كلا المؤتمرين كان يرجى أن يتم الاتفاق في الوقت المناسب لاحتفال المنظمة «يوم 1998/7/3م» بذكرى مرور ربع قرن على انعقاد مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا الذي أسفر عن وثيقة هلسينكي، الشهيرة، بمشاركة دول المعسكرين الشرقي والغربي والدول الحيادية بينهما «مع غياب ألبانيا فقط»، واعتبرت تلك الوثيقة تعبيرًا عن المنعطف التاريخي من حقبة الحرب الباردة إلى عصر الانفراج، وهو ما أوصل بدوره إلى عصر الوفاق، فقمة باريس عام ۱۹۹۱م، والتي شهدت تحويل «المؤتمر» إلى «منظمة» دائمة، اعتبرت بدورها بمثابة المنعطف من عصر الانفراج إلى عصر الوفاق الدولي.
الوتد الأمني في حلف الأطلسي:
كان ميلاد فكرة عقد مؤتمر للأمن والتعاون في أوروبا عام ١٩٦٦م في العاصمة السوفييتية موسكو، في عهد بريجنيف، واقترنت الفكرة بعروض مغرية للحد من التسلح، «أوروبيًّا» على أمل زرع وتد أمني بين الأوروبيين والأمريكيين في حلف شمال الأطلسي ولكن انتهى الاقتراح إلى مؤتمر يشمل الولايات المتحدة وكندا وليس بمعزل عنهما، ويجمع إلى جانب الأمن قضايا التعاون الاقتصادي وفق رغبة الشرق، وحقوق الإنسان وحرية التنقل عبر الحدود وفق رغبة الغرب، ورغم ما انتشر إعلاميًّا بصدد مفعول البند الأخير في انهيار المعسكر الشرقي في نهاية المطاف يبقى التحليل الموضوعي الذي يؤكد أن التعاون الاقتصادي، الذي طلبه الشرق، وأتي من الغرب في شكل قروض واستثمارات كان له مفعوله الأكبر في الإجهاز من الداخل على ما بقي من دعائم الشيوعية المهترئة.
وما أخفق فيه بريجنيف على الساحة الأمنية الأوروبية، نجح جورباتشوف في تحقيقه، ربما من حيث لا يريد، فقد أسقط مع المعسكر الشرقي حاجة الأوربيين إلى مظلة نووية أمريكية، فتطورت العلاقات الأطلسية والداخلية، تطورًا جذريًّا، وإن لم يبلغ مداه حتى الآن ... فذاك مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتثبيت معالم نظام أمني جديد لأوروبا، وهو ما تسعى المنظمة إليه ... دون جدوى حتى الآن.
في مؤتمر عام ١٩٧٣م كان وزير الخارجية الألماني آنذاك فالترشيل من أبرز المتحدثين عن الهدف من المؤتمر، وكان حريصًا على التأكيد أنه لن يوصل إلى «نظام أمني جديد» ولن يكون بديلًا عن التوازن القائم على وجود معسكرين في الشريط الشمالي من الكرة الأرضية، ولكن ما إن سقط المعسكر الشرقي حتى بدأ التساؤل عن المغزى من استمرار وجود الحلف الغربي، كما بدأت الجهود الفرنسية والروسية بصورة خاصة من أجل دعم دور منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، لتصبح فعلًا البديل عن النظام الأمني الذي أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية، بعد أن تبدلت المعطيات التي قام عليها تبدلًا جذريًّا. وكانت ألمانيا شريكًا يدعم المساعي الفرنسية وعقبة يعرقلها في وقت واحد، فرغم تأیید هدف التميز الأمني عن الولايات المتحدة تناقضت المساعي الفرنسية مع مصالح بون، إذ ارتبطت جهود باريس بالرغبة في الوصول إلى مركز زعامة أمنية أوروبية تعدل ثقل الزعامة الاقتصادية والمالية الألمانية هذا علاوة على عدم اطمئنان ألمانيا في البداية إلى ثبات التحولات الجارية في الشرق، وحرصها على الاستفادة من استمرار الوضع الأمني القائم أطول فترة ممكنة لتثبت أقدامها اقتصاديًّا وسياسيًّا وأمنيًّا أيضًا في وسط أوروبا، حيث بدأ التراجع السوفييتي يترك فراغًا واضحًا للعيان.
ولكن التحرك المضاد كان أمريكيًّا في الدرجة الأولى، وسلك عدة محاور في وقت واحد، فمن جهة كانت المحاولة المتكررة لإقناع الأوروبيين بوجود أخطار جديدة تجدد إحساسهم بالحاجة إلى المظلة الأمريكية، وهو ما اعتمد اعتمادًا رئيسًا على طرح نظرية «الإسلام عدو بديل» مع مطلع التسعينيات الميلادية، ومن جهة أخرى كانت السياسة الأمريكية تجاه موسكو تساهم في أن تستعيد بعض مواقع الهيمنة السابقة على الأقل لتمثل بالتالي مصدر «خطر» مستقبلي محتمل على أوروبا، وهي الهيمنة التي كانت في الدرجة الأولى على حساب المناطق الإسلامية وسط آسيا، فضلًا عن الانفراد بالإرث النووي السوفييتي، ومن جهة ثالثة لم تتحرك مفاوضات نزع السلاح الغربية – الشرقية بالسرعة التي كانت عليها من قبل، وتركزت الاتفاقات الثنائية والكبرى بين واشنطن وموسكو على الحد من التسلح «البعيد المدى» أي التسلح الذي يهدد الطرفين أكثر مما يهدد أوروبا، ومن جهة رابعة ساهم صراع الهيمنة الأوروبي في التعامل مع أحداث البلقان، في تمكين واشنطن من ممارسة سياسة التباطؤ ثم دعم عودة موسكو إلى الساحة الأمنية الأوروبية عبر «ثغرة البلقان».
أمام ما سبق أصبح هدف التميز الأمني الأوروبي على حساب حلف شمال الأطلسي هدفًا بعيدًا من جديد، ولكن لا يعني ذلك إسقاطه من الحسابات على الساحة الأوروبية، وصحيح أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الآن لا تقوم بأكثر من مهمات شكلية، كإرسال مراقبين إلى مواقع الأزمات أو أثناء إجراء الانتخابات، أو وقود الوساطة، الضعيفة غالبًا- ومع ذلك ستسعى معظم الدول الأوروبية إلى التمسك بوجود المنظمة، ودعم دورها، فهي الميدان الوحيد الذي تملك فيه الدول الصغيرة منها القدرة على التعبير عن نفسها، وتتساوى مع الدول الكبيرة من حيث المشاركة في اتخاذ القرار.
ومن المستبعد أن تتخذ المنظمة في المستقبل المنظور موقعًا قويًّا في خارطة الأمن الأوروبية. والأرجح أن تتوزع الجهود على عدة مؤسسات كالاتحاد الأوروبي الغربي، وتشكيلات قوات التدخل السريع، ونواة القوة الأوروبية المشتركة التي بدأت بفرنسا وألمانيا وأصبحت تضم عدة دول في هذه الأثناء وجميع ذلك خارج نطاق المشاركة الأمريكية، ولا تخفي واشنطن انزعاجها منها، وإن حرصت على الأساليب الدبلوماسية في التعبير عن ذلك.