العنوان عندما يغتال الصهاينة أحلام «بهيرة»
الكاتب ناصر الفضالة
تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003
مشاهدات 89
نشر في العدد 1578
نشر في الصفحة 25
السبت 22-نوفمبر-2003
تقول والدة الطفلة «بهيرة»: استيقظت قبلنا جميعًا فرحة سعيدة، فقد كانت تنتظر يومها الأول في افتتاح المدرسة ولا تتوقف عن الحديث عن رغبتها في تعلم الطب لمساعدة الجرحى وإنقاذ حياة الشهداء، ارتدت ملابسها التي جهزتها منذ المساء عندما نامت بين ذراعي، وهي تتحدث عن المدرسة والكتب والدراسة وبينما كنت أمشط شعرها الجميل كانت تغني وتقول بسرعة يا أمي... بدي أروح على المدرسة أول واحدة عشان أقعد بالصف الأول.
قبلت بهيرة يدي والديها وحصلت على أول مصروف لها وانطلقت مسرعة نحو المدرسة، عيونها تقول والدتها تشع نورًا كمن يحلق في السماء وكأنها تشعر بأنه يومها الأخير، بعد الظهر عادت بهيرة أكثر نشاطًا وسعادة، وبدأت تروي لنا تفاصيل ما جرى معها وتعبر عن حبها للدراسة، وطلبت مني تجليد دفاترها بشكل أنيق لتتباهى بها أمام زميلاتها.
يروي الوالد الحزين بحسرة ومرارة وهو يحمل حقيبتها التي اختارتها بنفسها ويقول سرعان ما قلب العدو الإرهابي كل شيء في حياتنا وحرمنا بهيرة للأبد، رحلت وبقيت حقيبتها لتزيد حسرتنا وآلامنا، فبعد صلاة العصر طلبت مني شراء بعض الحلوى لها من المحل المجاور، قبلتها.. أمسكت بيدها ومضينا سويًّا نحو المحل الذي لا يبعد عن منزلنا سوى بضعة أمتار.. وفجأة شاهدت طائرتي أباتشي في الجو ولا أدري ماذا حدث بالضبط.. كل ما أتذكره صوت انفجارات شديدة وطارت مني بهيرة لم أتمكن من حمايتها من شدة الانفجارات والشظايا التي أصابتها وألقتها أرضًا على بعد أمتار مني.. منظر رهيب لن أنساه.. بلمح البصر فقدت ابنتي.. شاهدتها ممددة على الأرض دون حراك فأسرعت نحوها وأنا أصرخ أمسكت يدها هززتها بشدة ولكن دون جدوى اعتقدت للوهلة الأولى أنها أصيبت بصدمة أدت لإغمائها.. كنت أصرخ بشدة "الحقونا.." اندفع الجيران نحوي وباتجاه السيارة التي كانت على بعد أمتار.. وأصابتها الصواريخ واحترقت وقعت لجانبها، ولم أشعر بما يجري سارع الأهالي لنقل بهيرة المستشفى ليعلن الأطباء نبأ الفاجعة الكبرى للعائلة.. استشهدت الطفلة البريئة جراء شظايا الصواريخ التي أصابتها، وتنطلق الأم مسرعة حافية القدمين نحو المستشفى دون أن تتمكن من الوصول لجثمان طفلتها البريئة، ولتشيع مع باقي الشهداء دون إلقاء نظرة وداع عليها بسبب هول ما أصاب الجثث من تشويه من شدة الانفجار.. رفضت الأم الثكلى العودة لمنزلها وسارت خلف جنازتها تبكي وتستجدي الجميع لسماح لها بعناق بهيرة للمرة الأخيرة، ولكن دون جدوى فجلست بعد دفنها عند القبر الذي أوى جثمانها تحدق في التراب الذي حضنها وتقول: من يصدق أن بهيرة لن ترجع معي للبيت؟ أمس في مثل هذا الوقت كانت معي تجهز حقيبتها أي ظلم هذا الذي يطارد الفلسطيني وأي حياة لي بعد بهيرة؟... الله أكبر على كل الظلمة وين العدالة وحقوق الإنسان؟.. وفي غياب العدالة لم تجد الأم الثكلى مكانًا مناسبًا تذرف فيه دموع الحسرة على رحيل ابنتها سوى فرشتها التي ستبقى مع حقيبتها الشاهد الحي على الفاجعة التي تعيشها العائلة المنكوبة.. لتعكس الوجه الحقيقي لمعاناة الشعب الفلسطيني.. معاناة تبقى ماثلة ومتواصلة كما يقول والدها ما دام الاحتلال يطارد أحلامنا وأطفالنا ويحرمنا منهم دون سبب أو ذنب أو تهمة.. وهكذا يبدو جليًّا أن الأطفال هم الفئة الأكثر استهدافًا في الحرب التي تشنها القوات الصهيونية في كافة المناطق الفلسطينية، وكما جرت العادة في كل مرة فإن «عبارة كان مجرد خطأ» أو عبارة أن «الجنود كانوا ينفذون الأوامر»، هي السباقة للحد من أي انتقاد قد يوجه للجيش الصهيوني من جانب أي مؤسسة حقوقية دولية.
لقد كان واضحًا منذ بداية الانتفاضة والعدوان الصهيوني على المدن الفلسطينية أن هناك استهدافًا واضحًا للأطفال الفلسطينيين، لم يقتصر يومًا على القتل والإصابة إنما كان الطفل الفلسطيني مستهدفًا منذ اليوم الأول لاحتلال فلسطين، فهو الذي شرد عن عائلته وهو الذي فقد المأوى بعد أن دمر بيته وحرم من إكمال تعليمه في خطوة تسعى لتجهيله والقضاء على مستقبله، وهو الذي أصبح يعاني من اضطرابات نفسية كثيرة بسبب وحشية العدوان الصهيوني .. المسؤولية اليوم ملقاة على عاتق الجميع ليتحركوا، فالمؤسسات الحقوقية والإنسانية والعربية والإسلامية والدولية مطالبة ومدعوة للضغط على الصهاينة ليس فقط من أجل التوقف عن قتلهم، بل يجب العمل على توفير مقومات الحياة الأساسية وأهمها الأمن وحق الأطفال في اللعب والخروج إلى مدارسهم وأماكن الترفيه كباقي أطفال العالم.