; «مَن لا يَرْحم لا يُرْحم» | مجلة المجتمع

العنوان «مَن لا يَرْحم لا يُرْحم»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1987

مشاهدات 75

نشر في العدد 811

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 31-مارس-1987

 تأملات تاريخية

يومًا بعد يوم تكشف الحضارة المادية عن زيفها، وفقدانها لأهم شروط الاستمرار والبقاء، بعد أن جردت أبناءها من المشاعر الإنسانية، وأوهنت الروابط الاجتماعية، وجعلت المادة والربح والخسارة مقاييسها، «فقد جاء في تحقيق استغرق ست سنوات قامت به لجنة فرعية بمجلس النواب الأمريكي، إن أكثر من مليون مُسن ومُسنة- تتجاوز أعمارهم الخامسة والستين- يتعرضون لإساءات خطيرة!! فيُضربون ويعذبون عذابًا جسديًا ونفسيًا، وتُسرق أموالهم من قبل أهلهم؟! 

كما أن هذه الإساءات ليست مقتصرة على طبقة اجتماعية معينة، بل تحدث في كل طبقات المجتمع الغنية والفقيرة على حد سواء، وفي المدن الكبيرة والصغيرة والقرى!». 

ومن المدهش حقًا أن هذه الإساءات لها جذور عميقة في تلك المجتمعات، فالذين يُساء إليهم- اليوم- لم يكونوا أحسن معاملة لغيرهم! تقول الدكتورة «سوزان ستايمنتر» أستاذة الدراسات الفردية والعائلية بجامعة «ديلاوير»: «اعتدنا طوال تاريخنا على الإساءة للمُسنين، ويمكن للمرء أن يجد حالات كثيرة في سجلات المحاكم في القرنين السابع عشر والثامن عشر، إننا نميل للعنف البدني، وقد أصبح هذا جزءًا ثانيًا من طبيعة عائلات كثيرة تُسيء بالعنف للمُسنين والأطفال». 

ويقول ربنا- عز وجل- في كتابه الحكيم، دالًا ومربيًا ومرشدًا: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 23-24).

وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف مَن أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ولم يدخل الجنة»، وهذا الإحسان إليهما في حياتهما، وهو إحسان لا ينقطع بموتهما، فقد روى أبو داود أن رجلًا من بني سلمة قال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبويِّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: «نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما»، وهو إحسان يتعدى إلى كل من تقدمت به السِن، فقد رغّب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الشباب بإكرام الشيوخ، وأنهم سيلقون في شيخوختهم من يكرمهم، جزاء لما قدموه في شبابهم!! وهذه الرحمة تتجاوز الطاعنين من المسلمين؛ لتشمل كل من أقعده العجز، وبلغ الشيخوخة، فقد رأى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- في السوق شيخًا كبيرًا يسأل الصدقة، فقال له: ما أنت يا شيخ؟ قال: أنا شيخ كبير، أسأل الجزية والنفقة، وكان يهوديًا من سكان المدينة، فقال عمر: ما أنصفناك، يا شيخ، أخذنا منك الجزية شابًا، ثم ضيعناك شيخًا! فمضى به إلى بيته ليعطيه طعامًا، ثم أرسل إلى خازن بيت المال يقول: افرض لهذا و أمثاله ما يغنيه، ويغني عياله!

في حضارة الإسلام لا تشمل الرحمة الأقارب فحسب، ولكنها تشمل الأبعدين أيضًا، وتعُم حتى المخالفين في الدين؛ لأنها حضارة تحترم إنسانية الإنسان.

وفي حضارة الزيف والطين جفت ينابيع الرحمة، فلم تعد القسوة مقتصرة على المخالفين في الدين فحسب، ولا على الأبعدين فحسب. ولكنها امتدت لتشمل الأبوين والأقربين، وهم في سِن أكثر ما يكونون حاجة إلى الرحمة! وشتان ما بين حضارتين!! 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 38

99

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

خطيب المسجد الأقصى في الكويت

نشر في العدد 98

220

الثلاثاء 02-مايو-1972

حين يصنع الإسلام.. الحضارة

نشر في العدد 176

100

الثلاثاء 20-نوفمبر-1973

حين تنطلق الأمة من.. إسلامها