العنوان جولة في عالم التيه والضياع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1980
مشاهدات 80
نشر في العدد 476
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 15-أبريل-1980
● «نحن جميعًا في البواليع.. ولكن بعضنا ينظر عاليًا إلى النجوم» «ليدي ونديرز فان»
● عالم يهرب من الحياة
وما بعد الحياة في الأسبوع الماضي اشتريت لابنة أخي الحبوبة. دمية صغيرة جذابة.. من دكان جماعة التافهين الواقع في شارع الملك إذا حركت مفتاح اللعبة فإنها تقول في صوت رقيق أزني.. أزني.. «الشاعر: روجر مكو» (١)
● نحن جميعًا في البواليع، ولكن بعضنا ينظر عاليًا إلى النجوم» «ليدي ونديرز فان»
(2).إن السائر في شارع أكسفورد، وهو أحد أكبر الشوارع في عاصمة الضباب «لندن»، يُخيل إليه أن الشيطان قد أخذ إجازة منذ فترة طويلة، وأوكل مهمة إفساد البشر إلى إخوانه الكثر من شياطين الأنس. تستوقف المرء مشاهد كثيرة، تمثل صور الضياع والانحلال والفساد
(ا) نوادي خاصة مرخصة من قبل الحكومة؛ حيث يمارس الرجل الفاحشة مع رجل، بل وفي هذه النوادي تكون تجمعاتهم وأنشطتهم المختلفة يبثون من خلالها مطالبهم المنحرفة، وينظمون بواسطتها مسيراتهم مطالبين بإشاعة هذا النوع من الشذوذ...
(٢) شباب أضل طريق الفطرة، فبات يتخبط في متاهات الحياة؛ بحثًا عن السعادة والأمن، فلم يجدها، وكانت له تجمعات كثيرة خلال السنوات القليلة الماضية، فتارة تحت اسم «الهيبيز»، ومرة تحت اسم «الخنافس»، وأخيرًا تحت اسم «التافهين».
(3) عصابات إجرامية ليست من الرجال بل من النساء، والطريقة التي يعملون بها: بأن تخرج إحدى الفتيات في أحد الأزقة الضيقة، لتكلم أي رجل يمر في الطريق، فإذا ما استمر في الحديث تخرج زميلتها وتضرب الرجل من الخلف، فإذا ما أغمى عليه نهبوا ما عنده من أموال وتركوه.
جولة في عالم التيه والضياع
● الحيرة والقلق مظهر تفكير الفرد الغربي
.(4) الخمارات والنوادي الليلية ودور سينما الجنس الرخيص وبيوت الدعارة المرخصة رسميًّا، علاوة على ما يعرض من أمثال ذلك على شاشة التلفزيون. ولذا أوصي الآباء الذين تعودوا إرسال أبنائهم في فترة الصيف إلى بريطانيا لدراسة وتعلم اللغة الإنجليزية، بألا يفعلوا ذلك.فبريطانيا ذلك البلد الذي كان سابقًا محافظًا آمنا، لم يعد كذلك الآن.. فالحفاظ على القيم الإسلامية والأخلاق القرآنية، أهم في نظري من اكتساب لغة في ثلاثة أشهر يتبعها انحلال وتفسخ عن القيم الإسلامية، كذلك أوصيهم بألا يقصدوها في سياحتهم للأمور السابقة، مضافًا إلى ذلك أن اسم العربي اقترن عندهم بأنه ذلك الإنسان الذي ما جاء إلا ليلعب القمار، ويشرب الخمر ويزني، فهو أقرب إلى الحيوان منه للإنسان، فيجب أن يعامل كالحيوان، تجلب أمواله بكل الطرق الشرعية وغير الشرعية.-في هذه المقالات سوف أتطرق إلى شريحة من المجتمع البريطاني، وهي موجة جديدة عمت بريطانيا، أطلقت على نفسها جماعة التافهين. فمن هم التافهون؟ .. ولِمَ أطلقوا على أنفسهم هذا الاسم! وما هدفهم في الحياة!؟ وما نظرتهم للحياة؟.. كل هذه التساؤلات دارت في خلدي وأنا أسير في هذا الشارع المزدحم بآلاف البشر من الذين وفدوا إلى هذه العاصمة للسياحة والاستجمام، وبينما أسير في أحد فروع شارع أكسفورد لفت نظري شاب غريب الشكل. شعر طويل أسود وصل إلى كتفيه، أقراط في أذنيه، ونظارة سوداء على عينيه، وجهه مقطب حزين، كأن الدنيا ضاقت عليه بما رحبت. فاستوقفته وكان لي معه الحديث التالي:-هل أنت بريطاني؟
● نعم.. -هل أنت رجل متدين؟
● كلا..-لماذا؟
● لأننا نعيش الآن في سنة ١٩٨٠ وليس ١٨٩٠ وهذا هو عصر الفضاء..-أتعنى أن عصر الفضاء ليس فيه أي نوع من الدين؟.
● إذا كان هناك ديانات فهي من نوع جديد، أما تلك التي تتحدث عنها فهي من الماضي.-عندما كنت طفلًا صغيرًا هل تلقيت أي نوع من العلوم الدينية؟
● كلا..-على أي حال ما تصورك عن الحياة أو كما اسميتها حياة عصر الفضاء؟
● إن هذه الحياة بالنسبة لشخص مثلي هي مجرد البداية، فأنا لا أعرف الكثير عنها، ومن الصعب أن أدلي بتعليق عنها، ومن الواضح أنها آفاق جديدة، فلم يعد هناك الشيء الكثير الذي يمكن أن يتم استكشافه..-حسنًا ما هو تصورك عن بعد الموت وخروجك من هذه الدنيا؟
● ليس عندي أي فكرة!-لكن الأديان تقول: إن هناك حياة أخرى بعد الموت.. ما رأيك؟
● هذا صحيح.. ولكن هناك كثير من الديانات الأخرى التي لها نظريات مختلفة بهذا الخصوص، وليس هناك مجرد نظرية كونية واحدة، وأنا شخصيًا ليس عندي فكرة!!-أتعتقد أن أغلب الناس الآن في إنجلترا يتجهون للدين أكثر من ذي قبل؟
● كلا إن الدين هنا أصبح أقل شيوعًا، ليس هنا فقط بل في كل مكان في أوروبا.-هل تظن أن الحياة التي نعيشها الآن، والتي اسميتها حياة عصر الفضاء هي حياة ممتعة أم لا؟ أعني هل تستمتع بحياتك؟
● إنها ليست مشكلة إن كنت استمتع بحياتي أم لا، فنحن نمر في مرحلة انتقالية، فهناك تغيير دائمًا، فعندما حصلت الثورة الصناعية الأولى كان هناك العديد من المشاكل، وهناك مشاكل كثيرة الآن، وعلى الناس أن يتوافقوا مع الأوضاع الجديدة.-حسنا هل قرأت أي شيء عن الإسلام على سبيل المثال؟
● كلا لم أقرأ شيئًا.-إنني رجل مسلم.
● يبدو لي أنك متمسك جدًّا بديانتك.-نعم والحمد لله على ذلك.
● وأنا نفسي قد زرت بعض الدول الإسلامية مثل ماليزيا مثلًا وأعتقد أنهم متمسكون بإسلامهم، وزرت الأردن ورأيت الكثيرين يدخنون السجائر، والذي أفهمه أنهم كمسلمين يجب ألا يفعلوا ذلك!!-في الحقيقة إن هذه مسألة خلافية بين علماء المسلمين، فالبعض حرَّمها والبعض لم يحرمها.-يبدو لي من هيئتك أنك من جماعة الهيبيز. هل أنت منهم؟● لست أدري، إن شئت فليس عندي مانع أن أكون منهم، وعلى أي حال فإن هذه الظاهرة قد انتهت، وكانت في أوجها منذ خمسة عشرة سنة. ولم نعد نراهم الآن، خاصة من الشباب، فمعظم الباقين منهم الآن من كبار السن وليسوا شبابًا صغارًا.-هل هناك من اتجاهات جديدة يتجه نحوها الشباب؟
● نعم إن الاتجاه الجديد يعرف باسم «جماعة التافهين»، وهذا هو الاتجاه الذي يقوم فيه الشباب بصبغ شعورهم بألوان مختلفة، ويلبسون الحلق، ولكن ليس لبس الأحلاق والأقراط مقصورًا على هذه الجماعة، فكثير من الناس المحترمين يفعلون ذلك، فقد ترى بعض موظفي البنوك مثلًا يلبسون الحلق.-إن انطباعي عن هؤلاء الشباب الذين أسميتهم بالتافهين أنهم شباب سيئ، ما رأيك؟
● لا أظن أنهم حقًا سيئون، وأظن أن هذه هي فقط الطريقة التي يعبرون فيها عن أنفسهم كشباب صغار-البعض قال لي: إنهم مجرمون. ما رأيك؟
● كلا لا أظن أنهم مجرمون أكثر من غيرهم، بل لو أنهم كانوا مجرمين حقًا لحاولوا أن يظهروا للعامة أنهم عاديين كغيرهم، لأن الشخص المجرم يحاول أن يظهر عاديًّا كغيره من الناس، لكي يخفي نواياه، فلا يكون ملفتًا للنظر مثل هؤلاء الشباب، فإذا كنت تريد أن تسرق شيئًا فلابد أن تبدو طبيعيًّا، لكيلا يكون شكلك مُثيرًا للشبهات، فأنا على سبيل المثال، لأن شكلي غريب يفتشونني كلما دخلت الجمارك، رغم إنني لم أدخل معي أي ممنوعات مطلقًا، ولكن كثيرًا من الناس الذين يظهرون بمظهر عادي غير ملفت للنظر، يمرون من الجمارك دون تفتيش، ولا أحد يعرف إن كانوا مهربين أم لا٠-حسنًا ما هي أفكارك حول هذه الحياة الصاخبة؟ ألا توافقني أنها حياة مليئة بالمشاكل وغير مستقرة
.● نعم هي كذلك وأنا معك في ذلك.-ما هو إذًا الحل في نظرك؟
● ليس عندي أدنى فكرة، وأعتقد أنه ليس هناك حل مباشر وفوري، إنما يأتي الحل تلقائيًّا وبطيء، فجميع الحلول السريعة غير فعالة.-إذا ما هو الحل البطيء الذي تقترحه؟ وما الذي تعتقده يمكن أن يوقف الناس عن الأعمال الإجرامية؟
● أعتقد أن التعليم والتقارب بين الناس والتفاهم بينهم على المستوى الوطني والمستوى الدولي، فمن السهل جدًّا أن تنظر إلى شخص ما من بلد آخر أو من ثقافة أخرى، وألا تحبه لأول وهلة، ولكن إذا كلمته تجد إنه ليس مختلفا كثيرًا، وقد يكون عنده آراء مختلفة، ولكنه في الأساس إنسان مثلك، ولكن هذا التفاعل يتم ببطء، ولا يمكن أن يحصل بين عشية وضحاها في بعض البلدان، كالسويد مثلًا، هم أقل قسوة مع المجرمين، ونسبة الجرائم أقل، بينما في ألمانيا وهنا في إنجلترا أشد قسوة في معاملة الجريمة، ومع ذلك فنسبة الجرائم أكثر!!-البعض يقول: إن عدم وجود الدين في حياة الناس يؤدي إلى ارتفاع نسبة الانتحار، ولذلك نجد أن أعلى نسبة انتحار موجودة في السويد.
● إن هذا ليس بسبب الدين، بل بسبب الرفاهية أو العصبية، في الحقيقة لا أدري، فالدين يأتي بأشكال مختلفة، فقد يكون عن طريق الشيوعية، العلمانية، المسيحية أو الإسلام، فالدين حسب ما أعتقد ما هو إلا قوة أخلاقية، وهي إحساسك بالانتماء، وكثير من الناس يحبون ذلك.-شكرًا جزيلًا على هذا اللقاء.. وينتهي لقائي مع هيبي شارع أكسفورد، وتركته لأدخل إحدى المكتبات، ولفت نظري كتاب وجدته على أحد الأرفف، والأمر الذي شد انتباهي عنوان الكتاب وغلافه، فأما عنوانه فهو «في البالوعة»، وأما الغلاف فعبارة عن فتاة حلقت شعرها كله، إلا من خصلات جعلتها منفوشة ومصبوغة باللون الذهبي، ووضعت على وجهها وعلى عينها بالذات أصباغًا مخيفة، ولفت حول عنقها حزامًا، عادة يربط حول عنق الكلاب، وتصفحت الكتاب فكانت مقدمته الترجمة التي كانت بداية مقالي هذا، وأما محتواه ففيه العجب العجاب من ضياع الشباب هناك، أترك تفصيله مع مقابلة أخرى مع شاب سلك في لباسه سلوك جماعة التافهين إلى العدد القادم، إن شاء الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل