; وهمد حي وانطفأت عيناه | مجلة المجتمع

العنوان وهمد حي وانطفأت عيناه

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1981

مشاهدات 72

نشر في العدد 513

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 27-يناير-1981

إن الموت آت لا ريب فيه، ولا مقصر لحي عنه، يعيش الإنسان عمره الطويل أو القصير، كأنه في يوم يصبح منه غاديًا على الحشر والحساب، وبهذا تكون أمراضه وآلامه ومصائبه ليست مکاره من الدنيا، بل هي تلك المكاره التي حفت الجنة بها، لا يضره الحرمان؛ لأنه قريب الزوال، ولا يغره المتاع؛ لأنه قريب الزوال أيضًا.

وهكذا نشيع في كل يوم أناس لم يستكملوا ما أملوا من الدنيا، بل عجلت منياتهم قبل الأماني، وها نحن قبل أيام وقد ودعنا عبد الله النوري - رحمه الله تعالى - في المقبرة؛ ذلك المكان الذي تأتيه العيون بدموعها، وتمشي إليه النفوس بأحزانها، وذلك المكان الذي لا ينادي أهلها من أهليهم بالأسماء والألقاب، ولكن بهذا النداء: «يا أحبابنا، يا أحزاننا!».

ورأیت ازدحام الناس على جنازته وعلى عزاء أهله بفقيدهم، فعلمت أن المهابة والمودة التي لا يتغير عليها الزمان ولا المكان في القلب، الذي يحبه لله مهما تراخت به الأيام، إنما هو لأجل الإيمان والإسلام والعلم، وهكذا نرى أن عزة الإنسان وشرفه في الدنيا، وفي بدايات آخرته أيضًا بين الناس إنما هي بذلك لا غير، لا بجاهه ولا بماله ولا بكثرة تراثه، فليعتبر بهذا من: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: ١٩- ٢٠).

 وليس هذا عزائي الوحيد إنما ما كان يراود خاطري، حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يرويه أنس بن مالك عنه قال: «مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وجبت»، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وجبت»، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «ما وجبت»؟!، قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (متفق عليه).

وأطرقت أفكر في الموت، كيف لا يستشعره الناس وهو يهدم من كل حي أجزاء تحيط به قبل أن يهدمه بجملته؟

لقد أحس الفقيد - رحمه الله - بعد عودته من سفره الأخير إلى الشرق الأقصى، الذي كان يتابع مهمته التي نذر نفسه لها، وهي محاربة التنصير في أطراف بلاد المسلمين هناك، أحس بهزال ينتابه، وتدهور في صحته، وتآكل في عظامه، وكأن النمل يأكل منه، وفي ليلة من تلك الليالي التي سبقت دخوله المستشفى كان يصلي صلاة العشاء، أحس بإرهاق شديد، بكى - رحمه الله - في سجوده، وكأنما ينادي ربه بنداء نبيه زكريا نداء خفيًّا:﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (مريم: ٤).

 وإني لأكتب هذه الكلمات، وكأني أنظر إلى وجه عمي - رحمه الله -، وأشهد ذلك السمت وذلك الوقار، وأستروح روح الدعابة والابتسامة، التي لم تكن تفارق محياه، ويعجبني منه ذلك الاستحضار السريع برقم الآية ومكانها من كتاب الله – تعالى - الذي يحفظه في صدره. لقد كان - رحمه الله - صديق الكتاب لا يمل ولا يكل القراءة، نعجب منه، ونحن الشباب وهو الشيخ في جلده وصبره، كان يقول: «أصحابي هم كتبي الذين لا يملون ولا يكرهون ولا يكذبون»، ومن شدة ولعه بالقراءة أنه تزوج مرتين، ودخل على زوجتيه وكتابه معه ليلة العرس، وفي المرة الثالثة من زواجه كان يطلب من زوجته أن تقرأ عليه في المستشفى، وقد أثقله المرض، كان مثله الأعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي كثيرًا ما كان يطرق ويهز رأسه ويتكلم كأنه يخاطب في كلامه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

لقد وهب وقته وراحته للناس يحل مشاكلهم، ويجيب على استفساراتهم بكل طريقة لا يألوا من ذلك جهدًا، لقد كان يركز على بناء الأسرة المسلمة، فهي لبنة المجتمع المسلم، ولم يحدث أن دخل عليه زوجان متخاصمان إلا وخرجا من عنده، وقد تأبط كل منهما ذراع الآخر؛ حتى في المستشفى وفي اليوم الذي توفي فيه قد استدعى كاتبه أن يملي عليه بعض الإجابات على استفسارات وردت إليه من بعض المرضى في المستشفى، بل كان بعد العملية التي أجريت له يصر على أن يعودهم ويواسيهم في مرضهم رغم نهي أطباؤه عن ذلك.

لقد كان - رحمه الله - صديق الأطفال الذين يحبهم ويحبونه، كانوا يأتونه في العيد، فيقول لهم: «قبلوني على خدي فكل قبلة بدينار!»، كان لا يحب التبذير ولا البذخ لا في المأكل، ولا في الملبس، ولا في المسكن؛ حتى في الأوراق والجزازات، التي يسود فيها فتاواه.. ومن عادته أن ينام مبكرًا، ونادرًا ما يستعمل الأدوية، وعلاجه الدائم الصوم بالرغم من إصابته بالسكري، كان إذا ناقشك لم يغالبك النقاش، إنما يحب الإقناع بهدوء وتدليل، كان يحب التيسير على الناس، يحب الشباب الصالح المتدين، ويحتفي بهم، وينفر من المنفرين والمتنطعين، لقد كانت أصوات التليفون في بيته لا تهدأ لحظة واحدة، وقد كان يجيب على أسئلة الناس بسعة صدر ورحابة. 

كان يقول - رحمه الله -: لم أبك لإنسان أو على إنسان إلا خمس مرات: عند وفاة شيخي المرحوم الشيخ عبد الله خلف الرحيان، وعند وفاة والدتي دولة بنت حمود بن محمد بن عمار، وعند وفاة زوجته الثانية مريم، وعند زواج حفيدته بعد أن أحس بالوحدة بعد زواج أبنائه كلهم، والأخيرة عندما أخبره إنسان شبه ملحد في التليفون أنه اهتدى وتاب إلى الله!!، وقد كان الشيخ يدعو له بالهداية. 

كان يقول في أحد وصاياه: إنني بريء ممن بدل دينه، «وأعوذ بالله من ذلك»، وبريء ممن تنكر لعروبته، وخان وطنه وأمته، أو أضاع شرفه، أو جاهر بمعصية ربه». ولد - رحمه الله - فجر يوم الثلاثاء ١٣ ربيع الأول سنة ۱۳۲۳هـ الموافق ١٧/ ٥/ ١٩٠٥م، وتوفي الساعة الثانية إلا ربعًا بعد ظهر يوم السبت ۱۱ ربيع الأول سنة ١٤٠١هـ الموافق ١٧/ ١/ ١٩٨١م، وعمل - رحمه الله - في وظائف عديدة نذكر منها: التدريس «١٢ سنة» ابتداء من شعبان سنة ١٣٤١هـ إلى جمادى الثانية سنة ١٣٥٣هـ، وعمل في المحاكم «٢١ سنة» من ٢١/ ٩/ ١٩٣٥م إلى ١٥/ ٦/ ١٩٥٦م، وفي سنة ١٩٥٠ مفتشًا بالأوقاف، ومديرًا للإذاعة الكويتية سنة ١٩٥٣م، لم يدم خمسة أشهر، واستقال لأسباب صحية، التدريس في المعهد الديني سنة ١٩٤٢ إلى سنة ١٩٤٥ للفقه الحنبلي، وعمل بالمحاماة عشر سنين سنة ١٩٦١ إلى سنة ١٩٧١، وخصص عمله لدعاوي المواريث والوصايا وقضايا الوقف وبعض الدعاوي التجارية السليمة من الزيف والبطلان والربا، وله مؤلفات كثيرة تربو على العشرين منها المطبوع كالعروة، الوثقى، أحادیث، ذكرى عودة، رجال من بلدي، الرشد، المحمديات، المعجزة الخالدة... إلخ، ومنها لم يطبع حتى الآن. 

وهكذا همد الحي، وانطفأت عيناه، ولكنه تحرك في تاريخه بين الناس، وأصبح ينظر بعين عمله المبصرة. 

إنما المرء حديث بعده *** فكن حديثًا حسنًا لمن روى

إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا لفراقك يا عبد الله لمحزنون..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

113

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

الموت: حقيقة وعظة..!

نشر في العدد 31

107

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

الموت معلم