العنوان الموت: حقيقة وعظة..!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1970
مشاهدات 107
نشر في العدد 30
نشر في الصفحة 3
الثلاثاء 06-أكتوبر-1970
الموت.. حقيقة وعظة:
الموت حقيقة تتكرر كل يوم، كل دقيقة، وكل ثانية، ومع بداهة هذه الحقيقة وواقعيتها المطردة وشمولها المطلق، الذي يلف كل شيء، ويستغرق المستقدمين والمستأخرين زمانًا ومكانًا، ومع وضوح هذه الحقيقة ونفادها الحاسم؛ فإن الناس يذهلون عنها بسبب ضجيج الحياة والانشغال بها، والسكر بمطامعها وأهوائها- المتلونة بألف لون- وبينما هم كذلك يبغتهم الموت وهم يخصمون؛ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون!.
إن الله- عز وجل- قادر على أن يسكت نبض أي قلب في أي لحظة وفي أي مكان، وإذا كنا نرى أحياء يهمدون فجأة ويغادرون حياة البيوت والقصور إلى السكن في القبور، فليس معنى ذلك أن الباقين منا سيخلدون كلا.. کلا.
إن ساعتهم قادمة يقينًا اليوم أو غداً أو بعد غدٍ؛ وفق التحديد الإلهي لعمر الإنسان على هذه الأرض: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.(الزمر: ٤٢) .
وعجز الإنسان تام أمام هذه الحقيقة الخالدة، فلم يستطع- ولن يستطيع أحد- ملك ولا رئيس ولا غني ولا قوي، أن يدرأ عن نفسه الموت أبدًا، لا يستطيع ذلك بنفسه؛ لأن قبضة الموت لا تترك له مجالًا للحركة والدفاع، ولا يستطيع الذين حوله أن يدفعوا عنه الموت- مهما كانت كثرتهم وقوتهم ووسائلهم- لأن الأمر بيد الله وحده، أما هم فعجزة غير قادرين على عمل شيء؛ سوى النظر الذاهل إلى إنسان يعاني سكرات الموت ورهبته: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ، فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ، فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ، وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ، إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾. (الواقعة: ٨٣- ٩٥).
وما دامت هذه الحقيقة قائمة وشاملة لا يفلت من قانونها الثابت أحد، فإن النتيجة المنطقية والعملية للإيمان بحقيقة الموت تتمثل في عدة أمور:
• من الخطأ الديني والفجاجة العقلية أن يُقال عن إنسان مات- موتًا عاديًّا- إنه لم يمت، فإن القرآن الكريم قال لأشرف خلق الله وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إنك میت وإنهم ميتون﴾ (الزمر- ٣٠).
• والجزع المنبثق عن تصور خاطئ يفترض أن الموت سيستثني إنساناً بعينه ليخلد في هذه الحياة.
هذا التصور الخاطئ- بجزعه المحرَّم- أمر ينبغي الإقلاع عنه، وأن يبتعد عنه كل مؤمن بالله- عز وجل-؛ لأن أي إنسان- أيًا كانت سلطته ومكانته- يجب أن يقرَّ في الأذهان والأفئدة أنه سيموت في يوم ما..
ومثلًا، فإن نبيًّا من أنبياء الله الكرام؛ هو سليمان- عليه السلام- وقد وُهِب من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده، قد مات، ولقد كان له من الهيبة ما جعل الجن يهابونه ويبقون في السجن أو العذاب المهين وهو میت!!.
﴿وسِلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (سبأ: 12- 14) .
• ومن النتائج المنطقية والعملية للإيمان بحقيقة الموت: الاستعداد لما بعده، فالموت ليس نهاية المطاف، إنه انتقال إلى حياة أخرى تبدأ بخروج الروح ودخول القبر، فالقبر- كما ورد في السنة- إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، ولقد أورد القرآن الكريم أن أصحاب الخطايا يدخلون نارًا بعد موتهم مباشرةً، فهناك أُناس أغرقهم الله بسبب خطيئاتهم.
قال القرآن عنهم: ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا﴾ (نوح: 25).
وطالما أن الموت نقلة إلى حياة أخرى فيها العذاب وفيها النعيم، فإن على الإنسان أن يستعد لما بعد الموت وأن يحذر التسويف؛ إذ إن الموت يأتي فجأة: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ، أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ، أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (الزمر: ٥٥ - ٥٩).
• ومن النتائج المنطقية والعملية للإيمان بحقيقة الموت الاتعاظ بمصائر الذين سبقونا إلى القبور، وذلك بتقوى الله- عز وجل- في كل أمورنا؛ ابتداءً من رعاية النفس والولد إلى رعاية الشعوب وإدارة شؤونها، وبمقدار المسؤولية اليوم يكون الحساب غدًا.
• ومن النتائج المنطقية والعملية للإيمان بحقيقة الموت؛ أن الإنسان لن ينفعه إلا نيته الخالصة لله وعمله الصالح، وأن أولاده وأصدقاءه وقوته ودولته وقومه والعالم كله لن يغنوا عنه من الله شيئًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (لقمان :٣٣).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل