العنوان المجتمع الثقافي (1354)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1999
مشاهدات 98
نشر في العدد 1354
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 15-يونيو-1999
قصة قصيرة
أشواق مغترب
إعداد: مبارك عبداللّه
بقلم: محمد يوسف الجاهوش (1)
في إجازة الصيف يعود المغتربون إلى أوطانهم، ليسعدوا بلقاء الأهل والأحبة، والصحب والخلان، ويجددوا ما انقطع من عهود الوداد، ومجالس الوفاء، وذكريات الطفولة والشباب فينسون عناء العمل ومشقة الأسفار، ووطأة الاغتراب، فيرجعون خلقًا آخر، لا عهد له بتلك المتاعب والهموم.
ومن هؤلاء المغتربين: أناس ﴿أُخرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ﴾ (الحج: 40)، وحرموا نعمة العودة إلى الأهل والديار، من غير ذنب ارتكبوه، ولا جرم اقترفوه، فهم – لذلك - في غربة دائمة، وهم مقيم، وشوق إلى الأوطان موصول، لا ينقطع ولا ينسى.
لقد استعصى على الأيام أن تبدله، وتأبى على الأحداث أن تغيره، فهو في القلوب محمول، وفي الصدور مكنون سواء - في ذلك- أظعن صاحبه أم أقام سره الدهر أو جاء بما يسوء.
وترى فريقًا منهم - لشدة الشوق والحنين- يشدون الرحال لزيارة الأقطار المجاورة لأوطانهم، يؤملون أن تصلهم نسمة من هوائها، أو نفحة من عبير ورودها وأزهارها، مما لا تستطيع الحدود حجبه، ولا القيود منعه وحبسه.
وصاحبنا «أبو البراء»: واحد من هؤلاء الناس الذين لم ينسهم طول البعد ولا رخاء العيش في المهجر ديارًا ولا أهلًا، وهذا ما دفعه لقضاء إجازته في قطر متاخم لمسقط رأسه، ومرتع شبابه عساه يحقق بعض ما حرمت نفسه من واعد الأحلام وعذب الأماني!.
حزم متاعه، واصطحب أسرته في سفر غير قاصد، وانطلق لوجهته ولما حطت رحاله حيث يمم قرر السكنى في أقرب موقع من حدود الوطن الحبيب، تحقق له ما أراد، فأقام في بيت ريفي متواضع، لكنه جميل، يقع فوق تلعة مرتفعة، وحوله جنة زهت أشجارها، وعذب ماؤها، وطاب هواؤها.
لم يركن أبو البراء إلى الراحة والهدوء، بل كان يسير الساعات –ذوات العدد– بين الأشجار في سهل الأرض وحزنها، وفي تلاعها والوهاد يتأمل ملكوت الله عز وجل، ساهمًا عما حوله، متوهماً أنه في وطنه ودياره.
كان كل شيء يرشح وهمه إلى الحقيقة طبيعة الأرض، نوع الشجر، برودة الهواء، وجوه الناس ملابسهم، لهجتهم أصناف الثمر والخضر، أنواع الطيور طراز البنيان ينابيع المياه، قطعان الماشية، حداء الرعاء غناء الحصادين، أهازيج الأعراس والأفراح مراسم الدفن والعزاء، أرتال الشباب والشواب غادين إلى الحقول أو رائحين صور ومناظر، يشاهدها أنى سار، وحيثما أقام، يسعده مراها، ويطريه تكرارها لا يسأم من استعادة المشاهد، ولا يمل من رجع الحديث.
إنه في لذة ونشوة، لم يجد لها مثيلًا منذ أمد بعيد، ولكم تمنى أن يدوم ما توهمه حقيقة، ليستكمل لذته ونشوته، ويقنع نفسه أنه قد تخطى الحدود وحطم القيود، وعاد إلى الربوع التي نمته، والأهلين الذين ولدوه، والصحب الآلى افتقدوه.
وكثيراً ما كان يغمض عينيه ويردد:
منى إن تكن فهي أجمل المنى |
| وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا |
وذات ليلة خرج من صلاة المغرب في المسجد المجاور لمسكنه، وهم بالتوجه نحو بيته حيث الأسرة بانتظاره، لتناول العشاء في ضوء القمر، فوق سطح المنزل كما جرت عادتهم منذ وصلوا مصيفهم.
لكنه شعر هذه الليلة -وكان القمر بدرًا- بدوافع خفية تحثه على السير خارج البنيان والتأمل في سكون الليل الساجي، وضوء القمر الزاهي، واستنشاق نسمات الشمال، وقد وصلت رخية عليلة من جهة الوطن والأحبة.
لم يستطع مقاومة خواطره ومشاعره، وانطلق يرقب سير القمر وانعكاس سناه على الصخور والأشجار، والأودية والهضاب، ولحظ تمايل ظلال الأشجار -مدًا وجزرًا- تبعًا لمداعبات النسيم وجهة هبوبه، فأثار هذا المنظر كوامن ما اختزنت نفسه من عواطف، وما أجن صدره من هموم وأفكار، ومضى یدندن بكلام لا تكاد تسمعه أذناه: إن كل شيء متحرك ومتغير في هذا الكون: الليل يغشى النهار ﴿يَطلُبُهُۥ حَثِيثا﴾ (الأعراف:٥٤)، والقمر قدرت منازله ﴿وَٱلقَمَرَ قَدَّرنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلقَدِيمِ﴾ (يس:٣٩) ﴿وَٱلشَّمسُ تَجرِي لِمُستَقَرّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقدِيرُ ٱلعَزِيزِ ٱلعَلِيمِ﴾ (يس:٣٨) والنجوم مسخرات بأمر الله عز وجل.
الماء يجري في الأنهار، والموج يتدافع في البحار، والحب يشق الأرض صاعدًا في نماء الطير في الهواء، والسمك في الماء، وما ذرأ الله -تعالى- من الأناسي، والأنعام، والدواب، كله يغدو ويروح، في حركة دائبة منتظمة، تجدد شباب الحياة والأحياء، حتى الهواء، فقد أبي أن يألف اتجاهاً واحداً، بل تعددت مهباته وأوقاته، ولولا ذلك لما عرفنا الصبا والدبور، ولا الشمال والجنوب.
نعم، إن كل شيء متحرك ومتغير إلا هم قلبي، فإنه جائم -في الصدر- لا يبرح مقيم بين الجوانح والحشا لا يتحول ولا يتبدل توالت السنون بالبأساء والنعماء، وتعاقبت الأحداث بما سر وساء، وجد في الأمور أمور تبدلت –معها– القيم وتغيرت المفاهيم، وساد الغمر واضطهد العليم، توارى رؤوس الناس، وعلت الذنابي والفروخ حصل كل ذلك - وغيره كثير – وما أقاسيه وأمثالي – من معاناة وهموم – ثابت تزداد وطأته، وتشتد قسوته، ولا نحس له بين هذه المتغيرات بموضع ولا مكان!.
سرح الرجل مع حديث النفس ونجواها، فلم يشعر بتعب ولا إعياء -على الرغم من طول مسيره- ونسي أن الصبية وأمهم ينتظرونه على سطح المنزل لتناول العشاء تحت ضوء القمر.
وقادته الخطى إلى تلعة من تلك التلاع المتناثرة في الفضاء الرحب، تسلق صخورها حتى علا قمتها، وجلس فوق صخرة بيضاء ملساء، وحيدًا بعيدًا عن الناس والبنيان: القمر سميره، والنجوم جيرانه، ونسمات الشمال زاده وغذاؤه، استقبل جهة الشمال بوجهه، عسى أن يلوح له بارق أو يبدون من معالمها علم شاهق، ولم لا؟ إنه على مشارف الأوطان، وليس ثمة فاصل، إلا خط وهمي وه الحدود، وفعلا بدت له أنوار القرى والبلدات واضحة جلية يستطيع عدها، وحصر ما أدركه بصره منها، بسبب ما بين البلدة وجارتها من مسافة مظلمة.
أدهشه المنظر، وكاد ينعقد لسانه، وتمتم مرددًا يا إلهي، تلك قرانا وبلداتنا بالروعة المآذن إني أراها متميزة بارتفاعها واختلاف ألوان أنوارها نعم، إنها هي، لقد أصبحت بعيدة على قرب قريبة على بعد تصل منها نسمات الشمال رخية عليلة يحمل هبوبها أنفاس الأحبة، ونشر حديثهم، وصدى مجالسهم، حتى لكأنه رأي عين وسمع أذن ومشاركة وجدان.
ألا ما أنداك يا رياح الشمال! وما أطيب رياك، فأهلا بك من زائر حبيب وافي بأخبار الأحبة وحديث الأوطان على ظمأ وشوق لدى النائي الغريب!.
خبرينا يا ريح الشمال -وقد اجتزت حوران والآل دونها- ما حال الأحبة على البعاد؟ أما زالوا على عهدنا؟ أم غيرهم النأي بعدنا؟ ما حال مدارج طفولتنا ومراتع شبابنا؟ أما زال خطنا بادياً في ثراها؟ أم طمسته الريح فانطمس ودرس؟ كيف الروابي والتلال؟ أما زالت تذكر فتيانها وهم يعانقون الأزهار في سفوحها، ويتسلقون الصخور على قناتها؟ ويجرون – مع الآمال في جنباتها؟ يرسمون المنى والغد المأمول على سوق أشجارها، وينحتون واعد الأحلام في نقى صفاها، كيف الأودية والسهول؟ أما زال الربيع يعتادها، ويلون بساطها بزاهيات الألوان ووشي الجمال؟
سائليها يا رياح الشمال، أما اشتاقت لبنيها الذين كانوا صدوراً في مجالسها، وبدورًا في جنباتها، وأزهاراً في زاهي روضاتها؟ يزيدون جمالها جمالاً، وخيرها عطاء!
أما تساءل روضها الأغن عن سبب غيابهم وسر بعادهم؟ أترينه يحن إليهم كما يحنون إليه؟ أو يشتاقهم كشوقهم الماضي عيشه وسالف عهده؟
خبرينا عن الجداول والأنهار والينابيع والسواقي، أما زال ماؤها عذبًا زلالًا؟ أم ناله من التعكير والتكدير ما نال سواه أما اشتاقت مياهها للأيدي المتوضئة؟ أو ما حنت رياضها للركع السجود؟ يا رياح الشمال قصي علينا أخبار البساتين والكروم، فعهدي بها تزهو جفناتها بعناقيد العنب، ويحاكي رمانها قناديل الذهب.
أما زال الأحبة -كسابق العهد- يهجرون المنازل والقصور ليتفيأوا ظلالها، ويسمروا تحت معرشاتها، وينعموا بصافي هوائها، وطيب جناها ونغمات اطيارها؟
آه، كما تشتاق النفس إلى أريج أزهارها وشذى ياسمينها، وعطر ورودها، ممزوجًا بأصوات المؤذنين، وتسبيحات الموحدين، وهم غادون إلى صلاة الفجر، ومنها عائدون.
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا |
| وما أحسن المصطاف والمتربعا |
ليت شعري أيصلن الدهر ما تصرم من ماضي عيشنا وترجع عشياتنا بذياك الحمى؟ فنفترش القش ببيدر البلد؟ ونخوض في السواقي والأنهار ونجني من جنباتها الحبق والريحان أيعود لنوادينا روادها، ولمجالسنا أنسها وصفاؤها، ويلتئم شملنا بالأحبة مثل ما كنا إذ العيش غض والزمان خصيب!
هل سيرانا القمر -من جديد- في تلك البساتين والحقول نساهر النجم ونرعى مسيره؟ كلانا الف السهاد، وعاف الرقاد، ولم يكتحل جفناه بغمض أو منام.
كان القمر ينتظر الأفول، ونحن نرقب تشقق فجر جديد، تلوح معه بشائر الفرج والتمكين الرسالة الخلود.
يا رياح الشمال، ما حال مساجدنا وروادها ومحاريبها وعبادها؟ أما زال الأذان على منائرها بلآلي اللحن، ووعظ منابرها سليم النهج؟ كيف شباب الدعوة وشيوخها؟ أما زالوا يطلعون في سمائها أنجماً زاهرات، ويموجون بين سواريها أبحر خير زاخرات الا ليت الأمر كما نحب غير أن القلب-على البعد- يكاد يحس حزنها وأساها ويسمع شجوها وشكواها، ولكأن هاتفًا من وراء السديم يجيب:
تغير المسجد المحزون واختلفت |
| على المنابر أحرار وعبدان |
فلا الأذان أذان في منارته |
| إذا تعالى ولا الآذان أذان |
ويتجاوب مع رجع الصدى نبض قلبي وعرام مشاعري، ويغلبني الأسى والذهول، لخفوت ألقها وضعف صوتها، وعجز أهلها.
أسى لمحنتها أرثي لغربتها |
| الجرح دام ودمع العين هتان |
وبينما أبو البراء مستغرق في تأملاته ومناجاته أحس بنسمة شديدة البرودة تلامس وجهه، تلفت من حوله فإذا القمر يتضيف إلى الغروب، والليل قد مضى شطره أو يزيد.
أفاق من شروده، وتنبه لما سببه غيابه من قلق لزوجه وأولاده، فعاد إليهم مسرعاً، ليجدهم ساهرين -مع بقايا ضوء القمر- ينتظرون مقدمه كان القلق بادياً على الوجوه، وتحمل قسماتهم أكثر من سؤال واستفسار!
بادرهم بالتحية، وأخذ مجلسه بينهم، وأطلق تنهيدة مجهد، وأنشد متمثلاً:
بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا |
| بالرقمتين وبالفسطاط إخواني |
وما أظن النوى ترضى الذي صنعت |
| حتى تشافه بي اقصى خراسان |
ما إن أتم كلامه حتى بادره ولده الصغير -وكانت له عليه دالة أكثر من سواه- قائلًا: لقد أبطأت بالعودة يا أبي، قلقنا عليك كثيرًا، واشتد بنا الجوع أكثر من طول الانتظار تبسم الوالد وضم إليه صغيره، وقال:
فلا تعجب صغيري إن خطوي |
| على مقدار إيقاع الزمان |
ويبدو -أيها الحبيب- أن إيقاع الزمان وألحانه بعيدة عما ألفته أذاننا، وعرفته اذواقنا، ولا بد من يوم يلحن فيه الزمان نشيد الفطرة، ويوقعه حسب نغمات الأذان. ﴿وَيَومَئِذ يَفرَحُ ٱلمُؤمِنُونَ بِنَصرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ ٱلعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الروم:٤-٥)
الجرح الدفين
شعر: موسى بن عمر الطارقي
يا طيور الدوح طيري |
| بلغي الجمع الحزين |
أخبريهم عن دموعي |
| إذ نبا الجرح الدفين |
أخبريهم عن فؤاد |
| صار كالميت المهين |
حزنًا كان عليكم |
| فاسمعوا هذا الأنين |
يا كوسوفا يا بلادي |
| انت في كهف الحنين |
انت جرح في زمان |
| غاب عنك المسلمون |
قد غفلنا عن بلاد |
| فيه جمع اهل دين |
فأتي الكفر إليهم |
| واستباح الساكنين |
قتلوا شيخًا وطفلًا |
| قتلوا أم الجنين |
شر دوهم ذبحوهم |
| فغدا الناس جميعًا |
قتلوهم كل حين |
| مثل معز تائهين |
وغدا الكفار فيها |
| كالذئاب الغادرين |
يا كوسوفا أنظرينا |
| إن في هذا العرين |
أسدًا يزأر دومًا |
| ليس بالنصر ضنين |
إن في الإسلام عزًا |
| فامسكي الحبل المتين |
سوف يأتي الله يومًا |
| بالحماة الفاتحين |
إن في الإسلام نصرًا |
| فاسمعوا يا مسلمون |
انفضوا النوم وهبوا |
| الولاء المعتدين |
اقتلوهم مزقوهم |
| شر دوهم كل حين |
عذبوهم واسجنوهم |
| هذي عقبى المعتدين |
قد يدان المرء يومًا |
| مثلما كان يدين |
[1) كاتب سوري.