; تحولات السياسة الصهيونية تجاه الحركة الإسلامية في فلسطين ٤٨.. لماذا الآن؟ | مجلة المجتمع

العنوان تحولات السياسة الصهيونية تجاه الحركة الإسلامية في فلسطين ٤٨.. لماذا الآن؟

الكاتب إبراهيم أبو الهيجا

تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003

مشاهدات 52

نشر في العدد 1554

نشر في الصفحة 32

السبت 07-يونيو-2003

تطلق إسرائيل على الشيخ رائد صلاح «قائد الجناح الشمالي» نسبة إلى تركز أنصاره، في محاولة منها لخلق انطباعات للسامع بأن المشكلة في السيطرة على هذا الجناح الشمالي وليس الحركة الإسلامية كلها في الكيان المحتل. انقسام الحركة الإسلامية بالطبع ليس وهمياً بل هو حقيقة، وقد جاء على خلفية الموقف من خوض انتخابات الكنيست الإسرائيلي، مما أدى إلى انفصال بالبنى والهياكل، مع بقاء روابط الفكرة الواحدة.

الحركة الإسلامية بالعموم ليست حركة حديثة بل ذات عمق وبنى قوية - رغم تأثرها بحادثة الانفصال-وتعود نشأتها إلى السبعينيات بفعل احتكاك أبنائها بأنصار الإخوان المسلمين في الضفة الغربية وتأثرهم بفكر الشهيد حسن البنا مؤسس الجماعة، وقد أدت دراسة قياداتها في جامعات الضفة الغربية إلى تبلور البعد التنظيمي عندهم، وجدير بالذكر أن الحركة الإسلامية في الداخل في بدايات انطلاقتها وحماستها ، قامت بتشكيل خلية عسكرية أطلق عليها «أسرة الجهاد» نسب إليها العديد من الأعمال الجهادية، وأدى اكتشافها إلى صاعقة في إسرائيل، ورغم تأثر نشأة الحركة وامتدادها بفعل الضربة الموجهة لقياداتها، إلا أن خروج قادتها فيما بعد أدى إلى التفاف جماهيري قوي حولهم.

أخذت الحركة بعد ذلك مساراً اتسم بالحذر وممارسة الأبعاد الدعوية والاجتماعية، وممارسة خصوصية استراتيجية بعدم العمل الإيجابي ضد إسرائيل، وبالمقابل كان توجهها الاجتماعي ناجحاً ولافتاً، واستطاعت تأسيس الجمعيات الخيرية، وإقامة العشرات من المخيمات الشبابية الصيفية، وبناء وإصلاح العشرات من المساجد، وافتتاح عدد من المعاهد والمستشفيات والمدارس، وتنظيم العديد من المظاهرات والاعتصامات المواكبة الأحداث الضفة الغربية وخاصة انتفاضة ۱۹۸۷م .

ذلك كله أدى إلى استقطاب مضطرد ومتسارع وثقة عالية بطروحات الحركة التي حاربت بقوة المفاسد الأخلاقية التي نشرت بين شباب فلسطينيي الداخل، ووقفت بصلابة ضد كل مظاهر «الأسرلة» وقوت بالمقابل الشعور الديني والوطني، ورغم رفضها الاشتراك في الكنيست وبقاء هذا الموقف متماسكاً حتى التسعينيات بين جميع أطراف الحركة، إلا أنها أقبلت بقوة على انتخابات المجالس المحلية، واستطاعت الفوز في العديد من المجالس والمواقع، من هنا بدأت التحذيرات الإسرائيلية تتصاعد من الخطر الإسلامي القادم ومحاولات كثيرة للتذكير بأعمال الحركة العسكرية القديمة من جهة، وإطلاق تخوفات من استراتيجية الحركة النهائية الهادفة - برأيهم - إلى القضاء على إسرائيل، ولكن كل ذلك كان ضمن حدود لعبة الإعلام بالشكل العلني، والجهد الاستخباري بالشكل الباطني.

التحولات .. لماذا ؟

تحولت السياسة الإسرائيلية تجاه فلسطينيي ٤٨ بشكل عام والحركة الإسلامية بشكل خاص، من التكيف والملاحة بسياسة التمييز تارة والدمج تارة أخرى، إلى الكبح والمواجهة وبشكل متسارع، ويعود ذلك إلى أسباب أعمق من الاتهامات والشائعات المروجة:

١- اعتبار العرب الفلسطينيين قنبلة ديموجرافية تتنامى بشكل مطرد وستؤدي خلال العشرين سنة القادمة إلى تساوي أعداد العرب وأعداد اليهود، مما سيعني أن وجود إسرائيل كدولة يهودية سيكون مشكوكاً فيه.

٢- معضلة الجغرافيا في المثلث والجليل والمتمثلة بوقوعه على خطوط التماس مع فلسطين ٦٧، والأهم أن هذا القطاع كثافته عربية صرفة، ولعل الأخطر في نظر إسرائيل أن هذا القطاع ذا الأغلبية العربية سكانه مسلمون محافظون ذوو تقاليد رصينة، ولعل انطلاق مجمل الانتفاضات في وجه إسرائيل من هذا القطاع يجعل خوف الساسة الصهاينة أكبر.

٣- المعضلة الأمنية. . وهذه بالذات تثير مخاوف إسرائيل، نظراً لحالات الاشتراك والاتصال بين خلايا المقاومة الفلسطينية، ومشتركين أو مرشدين من فلسطينيي ٤٨، والذين كانوا أبعد ما يكونون عن هذه الأعمال بنظر إسرائيل بفعل السياسات الدامجة.

٤- صعود اليمين الصهيوني عجل بدوره انتقال إسرائيل من سياسة الاستيعاب والتكيف إلى سياسة الضغط والملاحقة، ونقل حيز التخوفات الإسرائيلية المستبطنة إلى سياسات فاعلة تمثلت بإجراءات القبضة الحديدية بدل القبضة اللينة التي اتبعها اليسار الصهيوني الحذر من خسارة أصوات العرب الفلسطينيين في انتخابات الكنيست، بعكس اليمين المتحرر من ذلك؛ نظراً لكون التصويت العربي لصالحه لا يعدل 5% من مجموع الأصوات العربية أو من العرب المسلمين تحديداً.

الحركة الإسلامية.. لماذا؟

لكن التحولات الإسرائيلية المتسارعة والجديدة ضد الحركة الإسلامية لها أسباب تضاف إلى ما تقدم من الأسباب التي سبق الإشارة إليها وأهمها:

أولاً: نشاط الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح بجهد مميز لربط الأقصى بالهم الوطني لفلسطينيي ٤٨ ضمن حملة «الأقصى في خطر»، وهذه الحملة لم تقتصر على الجهد الإعلامي فحسب، بل قامت الحركة ببرنامج عملي (إعماري، تعبوي، إعلامي)، أدى إلى تأصيل علاقة فلسطينيي ٤٨ بالمسجد الأقصى، وما يعنيه ذلك من ثقل للقضية الفلسطينية، واصطدام مؤكد مع قوى الأمن الإسرائيلية ودوائر الآثار الإسرائيلية التي تحفر أسفل الأقصى بحجج ومزاعم دينية واهية.

ثانياً: يتعاضد مع هذا التخوف، أن البنية الصلبة للحركة الإسلامية توجد في المثلث والجليل، وهنا يكون التخوف كبيراً من نوازع انفصال فلسطيني ثقافي، أو أن تكون هذه المنطقة مثيرة للقلاقل الأمنية أو تشكل بنية مساعدة لمقاومة الفلسطينيين في الضفة وغزة.

ثالثاً: زاد من التخوف الصهيوني، أن الكثير من الخلايا استعان بأبناء الحركة الإسلامية؛ لتنفيذ عملياته بالعمق، ورغم أن إسرائيل لم تستطع أن تثبت توجه الحركة تجاه عسكرة النضال، إلا أنها اعتبرت تحريض الحركة كافياً لخلق نوعيات فلسطينية مرتبطة بالمقاومة.

رابعاً: لا يستهان هنا بالجهد الخيري والاجتماعي الذي مارسته الحركة الإسلامية في دعم وكفالة الأيتام وأبناء الشهداء والأسر الفقيرة الفلسطينية في الضفة الغربية، معتمدة بذلك على التبرعات التي حصلتها من فلسطينيي ٤٨، ورغم أن هذا العمل تمارسه الحركة بشكل علني وقانوني، إلا أنه كان مصدر اتهام وتسبب في إغلاقات الجمعيات، واعتقالات لأبناء هذه الحركة، تحت بند أن هذه الأموال تذهب للمقاومين بشكل أو بآخر ويبدو أن ما لا تقوله إسرائيل هو خوفها من استمرار تعزز مشاعر الوطنية والارتباط بالقضية الفلسطينية لدى فلسطينيي ٤٨ من خلال ربط أبناء الشهداء مثلاً بكفلاء ميسورين من فلسطينيي ٤٨.

خامساً: ويساند كل ذلك رفض الحركة الدخول في انتخابات الكنسيت ودعوتها الصريحة للفلسطينيين هناك بالمقاطعة، وهو أساس خلافها مع الاتجاه الثاني في الحركة الذي يتزعمه الشيخ عبد الله نمر درويش، وحجة الحركة الإسلامية هنا كما يبينها الشيخ رائد ذاته في عدة مقالات نشرت له «أن هذه الانتخابات لا تؤدي إلى تحقيق مصالح العرب الفلسطينيين بقدر ما تبرز إسرائيل كدولة ديمقراطية، مما يعمل على سحق مطالب الفلسطينيين الوطنية والاجتماعية وتمييع ثوابتهم الدينية».

إلى أين؟

لا يمكن لإسرائيل أن تنتصر في هذا الصراع، نظراً لكون الحركة تجاوزت الشكل النخبوي إلى التفاعل الجماهيري، كما أن الاعتقالات التي جرت بالاستعراض البوليسي والإعلامي كان واضحاً منها أنها رسالة لكل فلسطينيي ٤٨ تحذرهم وتذكرهم بأن هناك عصا إسرائيلية غليظة لمن يتجاوز الخطوط الحمر أو يحرض أو يفكر بتهديد أو يساعد مهددي الأمن الصهيوني، ولكن هذه الرسالة ستؤدي على الأغلب لنتائج عكسية، كون الفلسطينيين ليس لديهم أصلاً ما يخسرونه من ميزات، وإذا أضيف العبء الأمني فوق العب الاقتصادي المثقل، فإن الأمور ستزداد سوءاً، كما أن ظواهر التمييز في الخدمات مع تزايد مشاعر العداء - بسبب ما يحدث في الضفة وغزة - كل ذلك سيؤدي إلى حالة مرتدة غاضبة على الإسرائيليين.. وبدل أن تمنع التهديد فإنها فعلياً تجذره، وتؤطره، وإذا ذهبت إسرائيل أبعد من الاعتقالات إلى محاكمة الشيخ رائد صلاح مثلاً، أو إخراج الحركة الإسلامية من أطر القانون فسيكون هذا السيناريو أسرع مما يظن الصهاينة.

ما هو مؤكد أن الصدام بين الحركة الإسلامية ومشروعها وإسرائيل وسياساتها حتمي، ولكن ما ترجحه - أنياً - في ضوء تباين وجهات النظر الأمنية الإسرائيلية تجاه مسألة الحركة الإسلامية أن تبقى القبضة الحديدية الصهيونية في حدودها، مع استمرارها، في ضوء أن الحركة الإسلامية ستحافظ على اليات عملها، وربما تقلل من ظهورها وتخفض من لهجتها لكنها ستبقى تحشد لرؤاها، لذا ستبقى اللعبة في هذا الإطار، ولكنها مرشحة للتطور نحو سيناريو أسوا، بفعل عدة عوامل خارجية وداخلية:

١-استمرار انتفاضة الأقصى بوتيرة أقوى، وعندها فإن إسناد فلسطينيي الداخل المتوقع للانتفاضة سيزيد من احتمالات المس بالحركة الإسلامية والبنية الأساسية لهذا الإسناد، رغم عدم توجهها التنظيمي لفعل ذلك.

٢- فشل تطبيق خريطة الطريق سيعزز من نهج مقاومة الفلسطينيين، بينما تطبيقها سيؤدي إلى إجراءات أمنية فلسطينية تقلل من أعمال المقاومة: أي أن فشل خطة خريطة الطريق سيعزز تصاعد الصراع مع الحركة، أما نجاح الخطة فسيقلل من حدة ذلك الصراع نتاج انخفاض أعمال المقاومة، لكن علينا أن نتذكر أن مساس هذه الخريطة بمكانة المسجد الأقصى الإسلامية سيؤدي إلى انتفاضة مستمرة لفلسطينيي .٤٨

٣-بقاء حكومة اليمين سيعزز القبضة الحديدية، وقيام حكومة وحدة سيخفف منها.

٤- تصاعد إجراءات الاحتلال للمس بأراضي الفلسطينيين هناك، أو اتخاذ إجراءات ضد جغرافيا أو ديموجرافيا فلسطينيي المثلث كفيل باشتداد الصراع بين الطرفين.

٥- تطورات الأزمة الاقتصادية في إسرائيل ستكون محوراً مستقبلياً مهماً في تحديد علاقة فلسطينيي ٤٨ مع إسرائيل، وبالتالي الحركة الإسلامية كجزء رئيس فيها، وسيكون له مؤثرات عليها، فالمس بحقوق الفلسطينيين بشكل صارخ سيصعد الصراع بين الطرفين.

٦-استقرار الأمر للأمريكان في العراق سيقويهم ويعزز مكانة حليفتهم إسرائيل، ويجعلها تتحرك بأجواء رأي عام صامت يفتح شهيتهم على الاستمرار والعكس صحيح.

٧- توحد الحركة الإسلامية لسبب أو لآخر سيعزز من حضورها ويضعف مبررات وإجراءات إسرائيل، أما العكس فسيبقي الموازين والتفاعلات على حالها بين شد وجذب.

الرابط المختصر :