العنوان مذكرات: صفحات من دفتر الذكريات (۹۱).. أسس التنسيق في المرحلة الحالية
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1996
مشاهدات 97
نشر في العدد 1194
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 02-أبريل-1996
▪ المرحلة القادمة في كفاح شعوبنا هي بناء وحدة شاملة تخرجهم من أوضاع التجزئة
إن المرحلة القادمة في كفاح شعوبنا هي بناء وحدة شاملة تخرجهم من أوضاع التجزئة التي تحول دون نموها الاقتصادي والسياسي والعسكري، وتمكنها من أن يكون لها وزن في المجال الدولي في عصر التكتلات الكبرى.
وما نشاهده من مخاوف أعدائها من نمو الصحوة الإسلامية التي يصفونها بالأصولية يدل على أنهم واثقون بأن لهذه الصحوة دورًا كبيرًا في بناء وحدة أوسع نطاقًا وأعمق أصولًا في هذه المنطقة التي يتحكمون فيها ويرسمون الخطط لاستمرار سيطرتهم عليها واستغلال ثرواتها، وإذلال شعوبها بالضغوط الاقتصادية، أو عن طريق تدعيم القوة العسكرية الصهيونية التوسعية العدوانية.
وأهمية الصحوة ناتجة عن التأييد الشعبي لشعاراتها ودعاتها، وعلينا أن نبحث في الكيفية التي تمكننا من توظيف هذه الطاقات الشعبية الهائلة من أجل بناء الوحدة، سواء في النطاق المغاربي، أو العربي، أو الإسلامي، أو الإفريقي الآسيوي، أو العالمي.
إن الجزائر هي الدولة المرشحة أكثر من غيرها لقيادة حركة الوحدة الجدية الاندماجية بين أقطار المغرب العربي، والتي يجب أن تُبنَى على أساس الاندماج الكامل لجميع الأقطار في ظل دولة موحدة أو اتحاد إقليمي أو فيدرالي يحقق التكامل والتضامن في جميع النواحي الاقتصادية أولًا، ثم في النواحي الثقافية والسياسية والقوة العسكرية.
ولا يمكن أن نسير في هذا الاتجاه بصورة جديدة إلا إذا جندنا لهذا الهدف الطاقة الشعبية المؤيدة للاتجاه الإسلامي، والتي يخشى أعداؤنا نموها، ويحسبون ألف حساب لخطرها على مخططاتهم.
إن أعداءنا يرسمون الخطط ويرصدون الميزانيات الضخمة، ويستغلون سيطرتهم الإعلامية لتدعيم كل من يجارونهم في العمل على وقف نمو هذه الصحوة أو القضاء عليها، وبدلًا من تشتيت جهودنا نستطيع نحن أن نستفيد منها في إدماج هذه الشعوب وتوجيه طاقتها العقيدية والفكرية لتحطيم الحواجز التي تفصل بينها.
وكما أن أعدانا يستخدمون المنظمات- والهيئات والزعامات المتعددة الموالية لهم، بل- وينسقون بينها، فإننا يجب أن نستفيد من تعدد الجماعات والهيئات الإسلامية، ونعمل للتنسيق والتعاون بينها، على أن يرسم لكل منها دور محدد توجه إليه، ونساعدها على القيام به، وعدم الانحراف عنه نحو معارك داخلية عقيمة، أو أهداف جانبية تشوه مسيرة شعوبنا وتصرفها عن الهدف الأصلي المشترك المتفق عليه بين الجميع، وهو وحدة الأمة الإسلامية ونهضتها.. وذلك على الأسس التالية:
١- إن الحركات الإسلامية هي أولى القوى الوطنية وأهمها، لأن وطنها شامل لجميع أنحاء العالم الإسلامي.
۲- رسم خطة تحدد لكل قوة وطنية مسارها وتوجهها في خط مستقيم لتقوم بدور محدد في طريق بناء الوحدة الشاملة، سواء على المستوى المغاربي، أو العربي، أو الإسلامي.
٣- السهر على منع هذه القوى الوطنية من الدخول في معارك ضد بعضها البعض تستنزف جهودها، وتخلق جوًا يشجع الفتن العنصرية والانفصالية والتغريبية، وعملاء القوى الأجنبية.
٤- إعطاء الأولوية للعمل الثقافي والاجتماعي على أساس العقيدة والمثل العليا الدينية والأخلاقية التي يتعلق بها الشعب، لأن هذا الميدان هو القاعدة الحقيقية لأي عمل سياسي في الحاضر أو المستقبل، ويجب أن يبقى بعيدًا عن الخلافات والنزاعات الحزبية والتقلبات السياسية.
٥- وفيما يخص الجزائر يمكننا أن نرسم خطة أولية لتوزيع المسؤوليات بين القوى والهيئات الوطنية على التفصيل الآتي:
1. جمعية الإرشاد
هذه الجمعية هي التي تمثل حركة الإخوان المسلمون على النطاق القطري، ونرى أنه يحسن أن توجه طاقاتها للعمل التربوي والثقافي والاقتصادي، وتوحيد الجماهير حول عقيدتها الخالدة دون أن تبدد مجهوداتها في الميدان السياسي، وأن يفسح لها المجال في اقتحام ميدان التعليم والاقتصاد والدعوة والإرشاد، وعليها أن تهتم بمناطق القبائل والبربر لتسد الطريق على دعاة الفرانكفونية والنزعات العنصرية والانفصالية في هذه المناطق وتساعدها على السير في الاتجاه التضامني والوحدوي.
وطالما أنها تحصر نشاطها خارج السياسة فإن ذلك يسهل لها إقامة علاقات تعاون مع الهيئات الإسلامية في المغرب وتونس، وكثير من الأقطار العربية والإسلامية القريبة أو البعيدة. ويمكن أن نيسر لها سبل الاتصال لتكون عاملًا يجذب الهيئات الإسلامية في الخارج لكي تقوم بدور إيجابي في إدماج الشعوب في إطار أمة موحدة عظيمة تمتد شعوبها من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي.
وبقاء هذه الجماعة خارج دائرة الصراعات الحزبية ضروري، لكي تقوم بهذا الدور.
٢- جبهة الإنقاذ
إنها حركة إسلامية جزائرية صحيحة، تمثل الأصالة الجزائرية الإسلامية، لكنها حركة سياسية، ونرى أن الميدان الهام الذي يجب مساعدتها على السير فيه هو مقاومة المنظمات العميلة التي ترفع شعارات تؤيدها القوى الأجنبية، خاصة الأحزاب والزعامات التي تتجاوب مع الخطط الاستعمارية والمتفرنسة، ويلزم على وجه الخصوص أن يوجه نشاطها للدفاع عن وحدة الشعب وأصالته، وألا تسمح للدعايات الأجنبية لتمزيق وحدة الشعب أو عزله عن مقوماته الإسلامية التي توحد بينه وبين الشعوب العربية الإسلامية والإسلامية كلها.
ويمكن أن يكون دورها في الجو الديمقراطي هو إيجاد تعددية حقيقية تقوم على وجود حزبين كبيرين لهما قوتان متوازنتان، وسد الطريق على من يعملون للعودة إلى نظام الحزب الواحد المسيطر، وكثير منهم ما يزالون يعملون في نطاق جبهة التحرير وباسمها، وبخاصة الشيوعيون واليساريون عمومًا الذين لا يستطيعون الاستناد إلى قوة شعبية أو جماهيرية تُمكنهم من الوصول إلى السلطة، وقد تعودوا أن يمارسوها في إطار الحزب الواحد المحتكر للسلطة الشمولية.
إن وجود هذه الجبهة يشجع الهيئات التي ترفع شعارات إسلامية في تونس والمغرب على أن توجه جهودها نحو الوحدة الاندماجية مع الجزائر التي يصبح استقرارها الهدف الأول لديهم لتغيير الأوضاع الطاغية المتحكمة في كثير من الأقطار العربية، لأن الطغاة لا يقبلون إزالة الحواجز بين أقطارهم والأقطار المجاورة، وكل ما يقبلونه عندما يرفعون شعار وحدة المغرب أو القومية العربية هو إيجاد واجهات شكلية تشغل الجماهير عن الوحدة الحقيقية كما فعلت القومية العربية المزعومة التي لم تحقق خطوة واحدة نحو الوحدة الاندماجية منذ إنشائها إلى اليوم.
٣- جبهة التحرير الوطني
إن هذه الجبهة الوطنية التي قادت البلاد في المرحلة الماضية يجب أن تقتنع بضرورة وجود تعددية ديمقراطية حقيقية، وإذا استدعى الأمر تغيير اسمها وتجديد إطاراتها لتتلاءم مع الجو الديمقراطي القائم على التعددية المتوازنة، فيحسن الإقدام على ذلك لقطع الطريق على العناصر الرجعية التي ما زالت تحلم بالعودة إلى نظام الحزب الواحد والدكتاتورية التي ترفع شعارات كاذبة اشتراكية أو ديمقراطية، ومن المستحسن ألا تقع الحكومة التي تنتمي لجبهة التحرير في الفخاخ التي يستدرجها البعض إليها، ويريدون منها اصطناع عدد كبير من الأحزاب الصغيرة المتناحرة والمتصارعة لا يمكن أن تكون بديلة عنها، ولا أن تحل محلها في ممارسة السلطة، بل تسعى السلطة المتحكمة لترويضها لتصبح مستأنسة وواجهة صورية التعددية شكلية تكون شعارًا لنظام دكتاتوري كما في بعض البلاد الأخرى.
إن التعددية الجدية لا يمكن أن تتوفر إلا إذا وُجد حزبان كبيران يمثلان قوتين متعادلتين على أساس أن كلًا منهما يقتنع مقدمًا بأن الحركة الأخرى تكون بديلة عنه في حالة اتجاه الجماهير إلى التغيير.
ونعتقد أن إحدى هاتين القوتين؛ هي جبهة التحرير الوطني سواء احتفظت بهذا الاسم أو غيرته، أما القوة أو الهيئة الثانية فإن الانتخابات الحرة هي التي تبرزها كما هو الشأن بالنسبة لجبهة الإنقاذ، وفي هذه الحالة فإن الدولة لا يجوز أن تبدد طاقاتها في محاولة عقيمة لاستبعادها أو تحطيمها، لأن ذلك يخدم المخططات الأجنبية ويفتح لها الباب للتدخل في شؤوننا بإنشاء هيئات منشقة وأحزاب صغيرة وزعامات مصطنعة تمولها، وتعمل لحسابها، وتدور في فلكها، وتنفذ مخططاتها.
ولما كانت جبهة التحرير قد أنشئت على أساس الاشتراكية التي بدأت شعوب العالم كلها تعارض أساليبها الشمولية والدكتاتورية، فإن جبهة التحرير يجب أن تسارع لتطوير أفكارها الاشتراكية، وتتبني خطًا اشتراكيًا ديمقراطيًا معتدلًا بعيدًا عن الفلسفة الماركسية التي كرهت الشعوب أسسها الإلحادية وأساليبها الدكتاتورية التي قامت على نظام الحزب الواحد الذي يحارب العقائد الإسلامية، ويعمل لاقتلاع الدين من مناهج التعليم والثقافة والإعلام.
وإذا سارت جبهة التحرير في هذا الخط الاشتراكي الديمقراطي المعتدل فإنها يجب أن تبقى لكي تكون قوة تنجذب إليها فلول الأحزاب والاتجاهات اليسارية في المغرب والمشرق، لكي تؤدي دورًا جديًا في الالتفات حول الجزائر التي تقود مسيرتها وتتقدمها نحو الوحدة الاندماجية الشاملة.
٤. دور المؤسسات الوطنية
نقصد بذلك المؤسسات التي تعلو فوق الأحزاب والاتجاهات السياسية والفكرية المتعددة مثل رئاسة الدولة والجيش والقضاء، بل والأوقاف والتعليم والثقافة والإعلام أيضًا.
▪ ودور هذه المؤسسات يقوم على مبدأين:
الأول: أن تكون فوق الاتجاهات المتنافسة في السياسة الداخلية، وألا تفكر في الانحياز إلى إحدى الهيئات والقيام بأي عمل يثير شبهة لهذا الانحياز لكي تبقى في نظر الجماهير مرجعًا قوميًا ومنزهًا عن الأغراض الحزبية.
الثاني: أن يكون استقرارها واستقلالها أساسًا لحفظ التوازن بين الأحزاب والقوى السياسية المختلفة، وسد الطريق أمام الاتجاهات الإلحادية باسم الاشتراكية أو الديمقراطية، ومنع القوى الأجنبية من التدخل في الشؤون الجزائرية الوطنية باستغلال الهيئات أو الأحزاب المصطنعة التي ترفع شعارات معادية للعروبة والإسلام والوحدة الشاملة التي هي الهدف الأساسي لكفاحنا في هذه المرحلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل