; الطريق الخفي من مانيلا إلى كوالالمبور | مجلة المجتمع

العنوان الطريق الخفي من مانيلا إلى كوالالمبور

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2001

مشاهدات 64

نشر في العدد 1447

نشر في الصفحة 38

السبت 21-أبريل-2001

قصة وساطة ماليزيا بين مورو وحكومة الفلبين

جلوريا طرحت مشروع التفاوض قبل صعودها للرئاسة على مسؤول ماليزي كبير.. ثم توالت الاتصالات والزيارات حتى أثمرت أول جلسة مفاوضات في أحد المنتجعات الماليزية برعاية محاضير محمد

بعد 3 أسابيع على توقيع البلاغ الرسمي إثر المفاوضات التمهيدية بين حكومة مانيلا وجبهة تحرير مورو الإسلامية في العاصمة الماليزية كوالالمبور وإعلان الهدنة المؤقتة بينهما تمهيدا للمفاوضات الرسمية... أعلنت الجبهة الإسلامية الأسبوع الماضي عن تشكيل اللجنة التفاوضية التي ستمثلها في المفاوضات المرتقبة في الأسابيع المقبلة للقاء وفد التفاوض الممثل للحكومة الفلبينية.

جاكرتا: صهيب جاسم

وقد أعلن عن تشكيل اللجنة بعد اجتماع مجلس الجهاد التنفيذي برئاسة الشيخ سلامات هاشم رئيس الجبهة الإسلامية وإن لم يعلن عن أسماء أعضائها لأسباب أمنية، لكن يفترض أن يترأسها عضو بارز من اللجنة المركزية للجبهة ومعه بعض من مثلوا الجبهة في مفاوضات كوالالمبور غير الرسمية التي اختتمت في ٢٤ مارس الماضي.. والتي تدور حول قصتها الكثير من التفاصيل المثيرة بالرغم من أنها لم تخرج بنتيجة مهمة سوى الاتفاق على بدء المفاوضات الرسمية، حيث كانت مجرد مفاوضات استكشافية وغير رسمية.

تغيير أمكنة التفاوض

وقد كان من المثير في الأمر ما عرف بمبدأ تغيير المكان الذي ستعقد فيه المفاوضات، فقد اشترطت الجبهة أن يكون الاجتماع خارج الفلبين في بلدان مسلمة، ووافقت الحكومة الفلبينية على مبدأ التفاوض في ثلاثة دول مسلمة على الأقل على رأسها إندونيسيا التي عبر رئيسها عبد الرحمن وحيد عن استعداد بلاده لاستضاف أولى جولات المفاوضات، كما وضعت في القائمة ماليزيا التي تعد أقرب الدول المسلمة جغرافياً المنطقة شعب مورو المسلم والتي نجحت وساطتها في وصول الطرفين إلى توقيع بلاغ رسمي بينهما بعد فترة حرب شرسة، كما أضيفت ليبيا كخيار ثالث، وهناك احتمال الانتقال إلى دول أخرى وتعد فكرة التفاوض في أكثر من بلد لفتة تكتيكية مهمة من قبل اللجنة السياسية للجبهة الإسلامية كمحاولة لتفادي ما يعرف في الأوساط الدبلوماسية به احتمالات تعرض المتفاوضين لضغوطات معينة من قبل الدولة المضيفة، كما حصل في المفاوضات بين جبهة تحرير مورو الوطنية برئاسة نور ميسواري التي كانت خاتمتها الفشل في الاستجابة لطموحات شعب مورو بإقراره هو وغيره من المعنيين بالأمر.

لم يكن يتوقع الكثيرون أن تستضيف ماليزيا المفاوضات الاستكشافية غير الرسمية بين الجانبين في نهاية شهر مارس الماضي، حيث كانت هناك دولتان مرشحتان لذلك إحداهما إندونيسيا، لكن مصادر مطلعة كشفت ما كان يحدث خلف الكواليس تمهيداً لتوسيط ماليزيا الذي جاء متوافقاً مع تفضيل الجبهة الإسلامية لذلك فالرئيسة الفلبينية جلوريا أرويو - قبل أن تستلم الرئاسة وكانت نائبة للرئيس - أرسلت مندوباً لها في شهر نوفمبر الماضي إلى رئيس الوزراء الماليزي د محاضير محمد ليستهل الحديث معه حول إمكان توسطه بين مانيلا ومجاهدي مورو ولم يعلن عن ذلك التحرك بالرغم من أنها أرسلت حتى نهاية العام الماضي ٣ رسائل إلى محاضير ومستشاريه - وربما أكثر حسب بعض الدبلوماسيين . لكن لم تظهر أي نتيجة لذلك المسعى في حينه بسبب موقف الرئيس الفلبيني المخلوع إسترادا، المفارقة أن ذلك تم في ظل علاقة شخصية متوترة بين محاضير وإسترادا بسبب إعلان الأخير تعاطفه مع نائب محاضير السابق. السجين حالياً - أنور إبراهيم.

الشاهد الماليزي.. وزير المالية

وفي ديسمبر ۲۰۰۰م في الوقت الذي كان إسترادا يحاكم وكان من شبه اليقين أنه سيسقط التقت جلوريا بصفتها نائبة للرئيس وهي متيقنة من صعودها لمقعد الرئاسة أقوى الشخصيات الوزارية نفوذاً في حكومة محاضير وهو وزير الشؤون الخاصة والمالية دائم زين الدين في بلد ثالث لم يعلن حتى الآن أكد دائم حصول الاجتماع في كلمة له في جلسات المفاوضات في(٢/٢٤/۲۰۰۱). وما يثير التساؤل أن وزير الخارجية الماليزي سيد حميد البار بالرغم من اطلاعه على قضية مورو لم يكن الشاهد على المفاوضات وتوقيع البلاغ الرسمي بينهما، وإنما حضر دائم زين بالرغم من أنه من غير المعهود عنه تدخله في الشؤون السياسية الخارجية بل حتى في معظم الشؤون السياسية الداخلية إلا في عدد من القضايا المركزية والمصيرية، وهو دائماً بعيد عن الأنظار. فهل هناك علاقة بين اختياره وهو من أغنى رجال الأعمال ليمثل ماليزيا وبين ما كشف عنه حاكم كوتاباتو المينداناوية عن صفقة مالية بين الحكومتين الفلبينية والماليزية تقوم الثانية بموجبها ببناء سكة حديد مينداناو التي ستقوي من نفوذ حكومة مانيلا بكلفة ٣,٧ مليار دولار.

وقد لوحظ أن دائم ركز في كلمته في المفاوضات على استعداد بلاده للعمل على جذب الاستثمارات والعون الاقتصادي المناطق المسلمين. وفي لقائهما في ديسمبر الماضي أوضحت جلوريا لدائم زين الدين ما وصفته بنقاط القوة العسكرية للجيش الفلبيني مؤكدة بذلك ما قاله وزیر دفاعها من أن ما تقوم به تجاه المسلمين هو حلقة في دائرة العلاقة بين نصارى مانيلا ومسلمي الجنوب دون تغيير للمبادئ غير المتنازل عنها واستكمالاً لحلقة الحرب، فالهدف من الحرب كان إذن إحراز تقدم - ولو رمزياً - قبل بدء المفاوضات بعد اتساع دائرة نفوذ الجبهة الإسلامية.

وبعد تسلم جلوريا للرئاسة في ٢٠ يناير الماضي أرسلت مندوباً لها لتؤكد ما أبلغته لكوالالمبور عندما كانت نائبة للرئيس والذي بدوره مهد لزيارة مسؤول كبير من مكتب د. محاضير لمانيلا وللجنوب المسلم، وتقول المصادر إنه التقى قيادات الجبهة الإسلامية تمهيداً للمفاوضات وفي وسط هذه اللقاءات أعلنت جلوريا الهدنة مع الجبهة الإسلامية بالرغم من أنها لم تنفذ بالفعل إلا بعد انتهاء مفاوضات كوالالمبور، واعتبرتها حكومة مانيلا خطوة ناجحة تضاف إلى سجل الدبلوماسية الماليزية المستقلة والفعالة، حيث أصر الماليزيون على سرية المفاوضات الاستكشافية، وأشرفوا على صياغة البلاغ الرسمي للطرفين.

سرية المفاوضات

بقيت المفاوضات والاستعدادات لها سرية وحتى في العاصمة مانيلا لم يعلم بها إلا أربعة فقط من المسؤولين في مكتب الرئيسة ولم يكشف عنها إلا قبل موعد الإعلان المقرر بأيام، ولم تضم جلوريا رئيس اللجنة التفاوضية المعلنة جيسيس دوريزا الإعلامي والسياسي السابق لأنه معروف عنه أنه يسرب الأخبار لوسائل الإعلام، وفي میندانا ولم يعلن أحد من مسؤولي الجبهة عن الأمر ووصفوه بأنه مشروع في غاية السرية. وكما هو معتاد بالنسبة لأعمال الجبهة الدبلوماسية والخارجية فإنها لم تعلن عن هويات المندوبين الذين انطلقوا من أمكنتهم المختلفة إلى كوالالمبور دون علم وفد الحكومة بهم أو بتوقيت سفرهم من مانيلا، ومن إستراتيجية الجبهة الإسلامية في المفاوضات بدءاً بجولة كوالالمبور الاستكشافية عدم انضمام رئيسها الحاج سلامات هاشم لوفد التفاوض تفادياً لخطأ نور ميسواري رئيس الجبهة الوطنية وحتى يدع للمتفاوضين مجالاً لمناقشة التفاصيل مع بقاء المبادئ الأساسية ثابتة بإرجاع الموافقة النهائية له في حالة ظهور حيل أو تلاعب في المفاوضات من جانب حكومة مانيلا وحفاظاً على هيبته القيادية ومرة أخرى لم يضم وفد الجبهة الإسلامية إلا خمسة من قياداتها عكس وفد نور ميسواري الذي كان يصحب عدداً كبيراً من قياداته ورجاله في الملتقيات والمحافل الدولية. وقد كان من المفاجئ لوفد الحكومة أن يصل الطرفان إلى اتفاق على استئناف المفاوضات، حيث كان قد وضع في باله فتح قنوات خلفية، فقط مع قيادات الجبهة الإسلامية بعيداً عن أنظار الإعلام.

سمعة دبلوماسية الماليزيا

المفاوضات الاستكشافية عقدت لمدة يومين في إحدى منتجعات العاصمة الجديدة الماليزيا التي تبعد ٥٠كم عن كوالالمبور وسط جو هادئ بعيد عن ضوضاء العاصمة التجارية الذي اعتبره الماليزيون الأنسب لمفاوضات سلام حساسة كهذه. ولا يخفى البعد الإعلامي الذي يهتم به الماليزيون بإعطاء أهمية لعاصمتهم الجديدة في ساحة الدبلوماسية، بل إن البعض تحدث عن محاولة د. محاضير محمد تحقيق إنجاز سياسي اخر له على الساحة الدولية. وفي اليوم الثالث بعد توقيع البلاغ الرسمي التقى محاضير وفد الجبهة الإسلامية لمدة ٤٠ دقيقة مؤكداً لهم باعتقاده أن الحل النهائي لقضية مورو لن يتم إلا من خلال مفاوضات سياسية، داعياً إياهم لترك خيار الحرب وهو أول اجتماع بين محاضير وقيادات من الجبهة الإسلامية بالرغم من لقاء بعضهم مسؤولين ماليزيين غيره سابقاً، وقد غلب على اللقاء حديث محاضير لهم أكثر من حديثهم له. وكان اللقاء نافذة جديدة للجبهة إلى الاعتراف الرسمي المتوقع من قبل منظمة المؤتمر الإسلامي بهم كممثل آخر لشعب مورو الذي ظل حكراً على جبهة ميسواري وبعد أن كانت ماليزيا الأقرب جغرافياً الأبعد عن الجهود الخارجية لحل القضية على عكس إندونيسيا ممثلة في وزير خارجيتها المعروف علي العطاس، أما اليوم فإن جراح إندونيسيا الداخلية فضلاً عن عجز جاكرتا عن التعامل مع ملفات انفصالية عديدة تواجهها دفع ماليزيا إلى الواجهة، وفي المقابل يلاحظ ضعف دور بروناي الدبلوماسي في المنطقة فيما يتوقع أن يكون هناك دور للسعودية وليبيا مع غياب غالبية الدول الأخرى عن ملف القضية حتى الآن فهل ستكون ماليزيا بالنسبة للجبهة الإسلامية كما كانت إندونيسيا بالنسبة للجبهة الوطنية في عام ١٩٩٦ م وكيف ستكون النتيجة النهائية لتوسطها؟

الخلاف الحدودي

الجانب الآخر من العلاقة بين ماليزيا والفلبين هو ما يدور في الإعلام الفلبيني بل وحتى من قبل بعض المسؤولين أحياناً ممن يتهمون الحكومة الماليزية بدعم ما تسميهم ب« الانفصاليين المسلمين» بل إنهم اتهموا ماليزيا حتى في الأشهر الأخيرة بأنها تستضيف لقاءات بين تجار السلاح ورجال الجبهة الإسلامية وهو ما أنكرته ماليزيا بشدة حتى جلوريا قالت بعد أن شكرت محاضير محمد على وساطته أن ماليزيا كانت «سابقاً» معبراً للسلاح بالنسبة للجبهة الإسلامية، ولذلك طرحت تساؤلات حول سر قبول الحكومة الفلبينية وساطة ماليزيا وعن أهداف الحكومتين قبل الحديث عن طموحات الجبهة الإسلامية وترتبط المسألة بشكل مباشر بالخلاف الحدودي القديم بين ماليزيا والفلبين حيث تطالب الأخيرة بولاية صباح القريبة جداً من الجزر الجنوبية للفلبين، فهل هناك اتفاق على أن تضغط ماليزيا على الجبهة الإسلامية لتوقع على حكم ذاتي موسع أو محدود أو غير ذلك مقابل تراجع الفلبين عن المطالبة بولاية صباح وجزرها ؟!.

مفارقة في سرقة الدعاوى التاريخية

الموقف الرسمي للحكومة الفلبينية لم يتغير ففي يوم ۲۹ مارس الماضي عارضت حكومة ماليزيا تدخل مانيلا في الخلاف القانوني في محكمة العدل الدولية بين ماليزيا وإندونيسيا على مجموعة جزر صغيرة بالقرب من ولاية صباح وقد تدخلت مانيلا أملاً في أن يؤثر قرار المحكمة الدولية إيجابياً على مساعيها في الحصول على ولاية صباح، وفي هذا المقام مفارقة واضحة و كلمة حق يراد بها باطل، فالسلطنات المسلمة في الجنوب المسلم قامت قبل قيام أي دولة نصرانية في الشمال ومنها سلطنة صولو التي لا يزال أحفاد سلاطينها موجودين في الجنوب الفلبيني حتى الآن والذين حكم أجدادهم منطقة صباح الماليزية الحكومة الفلبينية ومع أنها لا تعترف ولا تريد منح المسلمين حق إقامة دولة مستقلة بعد أن ضمت أراضيهم قسراً لدولة صنعها الاستعمار في نصف القرن العشرين. فإنها تعلم بوجود سلطنات مسلمة وتستغل تاريخها في القرن الخامس عشر الميلادي لصالحها بالقول إن الفلبين لها الحق في صباح مع أن الفلبين لم تكن موجودة آنذاك، وكان نصارى الجزر الشمالية سكان غابات لا يعرفون من الحضارة شيئاً باعتراف المؤرخين النصارى أنفسهم فالفلبين تستغل الحق التاريخي للمسلمين ثم ترفض التعامل على أساس هذا الحق فيما يخص حقوق شعب مورو. وقد جمدت العلاقات بين الفلبين وماليزيا مرتين بسبب صباح، ولم يستطع أي رئيس فلبيني سابق التنازل عنها بما فيهم والد جلوريا الذي رأس خلال الستينيات، حيث ظل مجلس الشيوخ ملتزماً بدعوى ملكية صباح ولم تتنازل الفلبين رسمياً عن دعواها حتى اليوم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

145

الثلاثاء 31-مارس-1970

لقاءات المسؤولين

نشر في العدد 102

138

الثلاثاء 30-مايو-1972

«السياسة».. والاتصال بإسرائيل!

نشر في العدد 119

116

الثلاثاء 26-سبتمبر-1972

محليات (119)